يوافق الاحتفال بالكريسماس هذا العام، الذكرى الخامسة والعشرين لانهيار الاتحاد السوفييتي. بهذه المناسبة، طلبت صحيفة «الجارديان» البريطانية من قرائها في دول الاتحاد السوفييتي السابق أن يشاركوا ذكرياتهم حول هذا الحدث الجلل، وعن شعورهم بالانتقال من النظام الشيوعي، الجماعي، إلى النظام الرأسمالي.

بعد سنوات من نقص الغذاء، وصعود الحركات القومية، ومحاولة انقلاب، استقال رئيس الاتحاد السوفييتي، ميخائيل جورباتشوف، يوم الكريسماس عام 1991، فدقت استقالته آخر مسمار في نعش الاتحاد السوفييتي.

بالنسبة للكثيرين من القراء الذين تواصلت «الجارديان» معهم، كانت هذه الذكرى مشوبة بمشاعر الارتباك، بل وحتى عدم التصديق، أنَّ شيئًا، كان يبدو شديد القوة، كالاتحاد السوفييتي، قد انحل بهذه السرعة.

ومع أنَّ يوم الكريسماس كان النهاية الرسمية لحكم غورباتشوف، إلا أنَّ إعلانات الاستقلال في الجمهوريات السوفييتية كانت قد بدأت قبل ذلك بعام، بدول البلطيق، قبل أن تصل إلى ذروتها باستقلال دول وسط آسيا في خريف عام 1991.

«الجارديان»: الديمقراطيات الغربية لن تبقى للأبد.. درس سقوط الاتحاد السوفيتي يطاردها

وقال تارون جانجاليان، من أرمينيا، والذي كان قد صوّت على الاستقلال في شهر سبتمبر (أيلول) في العام ذاته، إنَّ رد فعله جاء على ثلاث مراحل. «أول المراحل كان عدم التصديق، لأنه كان من غير المفهوم كيف أنَّ نظامًا قويًا كهذا من الممكن أن ينهار في لحظة. بعد ذلك جاءت البهجة إذ تلك كانت فرصتنا لبناء استقلال أرمينيا. وآخر المراحل كان القلق، لأنه على الرغم من رذائل الاتحاد السوفييتي ومشكلاته، فإنه قد حافظ على أسلوب الحياة والأمن والأمان في أرمينيا على نفس مستوى أوروبا».

وأضاف جانجاليان «أيضًا من المزعج بشكل غريب أن تكون مواطنًا لدولة صغيرة وغير مهمة عالميًا».

أما فالنتينا بالتاج، من مولدافيا، وهي دولة صغيرة أخرى أعلنت استقلالها في شهر أغسطس (آب) من العام ذاته، فقد عرفت بما حدث عن طريق نشرة الأخبار. وقالت بالتاج: «كان عمري حينها 23 عامًا، وكنت قد ولدت وتربيت في الاتحاد السوفييتي، ومن ثمَّ فقد بدت الفكرة سخيفة بالنسبة لي. لكنني سألت نفسي، لاحقًا: من الذي قرر أننا سوف نستقل؟ لم تكن لدي أدنى فكرة، ولا أعتقد أنَّ أحدًا قد شرح هذا الأمر قط».

بعض الناس جاءهم خبر إعلان الاستقلال خلال يوم عادي غير مميز، بينما كانوا في المدرسة، أو أثناء عملهم في معسكر كشافة أو بينما كانوا يلعبون التنس.

وعلى الرغم من الخوف والقلق الذين صاحبا الانهيار البطيء للاتحاد السوفييتي، فإنَّ معظم القراء، بحسب الجارديان، قالوا إنَّ التغيرات التي نتجت عن هذا الانهيار كانت في مجملها تغيرات إيجابية، بما في ذلك سهولة الوصول للمعلومات، والتعرض لثقافات مختلفة، وفرصة السفر لأول مرة.

وقالت تانيا، من كييف، والتي أرادت التصريح باسمها الأول فقط: «لحسن الحظ أنَّ الاتحاد السوفييتي قد انتهي في الوقت المناسب تمامًا لي. لقد كان هذا نظامًا جيدًا للأطفال، لا البالغين. كنت لأجنّ لو كان لي أن أقضي فترة شبابي مقيدة من قبل الجهاز الذي يروج للرداءة والمجتمع الكافكاوي (الدرامي)».

بالنسبة لمواطني الدول الثلاث من دول البلطيق، التي عقدت أقوى الروابط مع أوروبا منذ الاستقلال، كانت أكثر الذكريات التي ذكرها القراء، متعلقة بموجة من الرخاء الاقتصادي، والمعركة التي تلت ذلك الاستقلال واستمرت 25 عامًا، من أجل التخلص من سمعة هذه البلاد كدول ما بعد الاتحاد السوفييتي.

وقالت فيتاليجا كالفيليني، وهي أم وحيدة من ليتوانيا، عن حياتها في الحقبة السوفييتية، إنَّها كانت تستطيع «بالكاد أن تعيش من شهر إلى آخر، على الرغم من الخرافات الشائعة عن نظام الرخاء الاشتراكي القوي».  وقالت إنَّ ظروفها الاقتصادية قد «تحسنت بشكل ملحوظ» بعد الاستقلال.

أما في لاتفيا، فقد كانت تجربة مايا هازان مع الانفصال مختلطة. تتذكر هازان ما حدث قائلة: «نقص في كل شيء، وكان لا بد من الوقوف في طوابير من أجل الحصول على الخبز والسكر والملح… لم يكن لدى المصانع مال لدفع الرواتب، وبدأ الأقارب في جمع الجوارب والصابون والأحذية للمستقبل».

الآن، وقد انتقلت هازان للعيش في الولايات المتحدة، فإنها تنظر إلى سنوات طفولتها ومراهقتها في الاتحاد السوفييتي بمنظار وردي. فقالت هازان: «كان هناك تركيز قوي على نمط الحياة الصحي، والشعور الوطني، ووحدة الـ15 جمهورية».

بالنسبة لأتيير، قارئة من إستونيا، فقد كان الانتقال متعلقًا بالاقتصاد أكثر من أي شيء آخر. كان الأمر عاطفيًا. قالت أتيير: «كنا سعداء وفرحين باستعادة حريتنا، والوقوف أمام (المتنمر الكبير). لقد استعدنا الكريسماس وعيد الفصح» ذلك أنَّ الدين والاحتفال بالمناسبات الدينية كانا محظورين بشدة تحت الحكم السوفييتي.

بالنسبة للكثيرين في دول البلطيق، لا زال تصنيفهم بـ«بدول ما بعد الاتحاد السوفييتي»، حتى بعد مرور 25 عامًا، مشكلاً بالنسبة لهم. فقالت أتيير: «سوف يكون رائعًا لو أصبح بإمكان إستونيا أن تكون إستونيا فحسب، دون إلصاق عبارة: البلد الذي كان محتلاً سابقًا من قبل الاتحاد السوفييتي. ليس هذا أهم ولا أكبر فصل من فصول تاريخنا. بالعكس: لقد كانت تلك فترة قصيرة وحزينة من تاريخنا ونحن نريد أن نتجاوزها».

بالنسبة لتاتيانا بونش أوسمولوفسكايا، التي كانت في موسكو طول عام 1991، لم يكن الرجوع للكريسماس هو ما يستحق الاحتفال، وإنما عودة «كتب أفضل، والمزيد من الثقافة، والمزيد من الديمقراطية، والمزيد من الجينز، والسجائر والواقيات الذكرية».

ذهبت تاتيانا لدراسة الأدب، وافتتحت دار نشر، قبل أن تهاجر عندما أدركت أنَّ «المجتمع في روسيا لا يمكن تغييره للأفضل».

أما ميخائيل مالشانوف، مقيم في كييف، فلديه مشاعر مختلطة حول قدوم العادات الغربية. فقال إنَّ الناس: «خدعوا باعتقادهم أنَّ حياتهم سوف تتحسن بشكل كبير. وحدهم الناس الذين عاشوا في النظامين يستطيعون تقدير الوظيفة المضمونة، والمسكن المضمون (غالبًا)، والرعاية الصحية المجانية، والتعليم المجاني. إنَّ المجتمع الرأسمالي لن يكون بمقدوره أبدًا أن يصل لأي من هذه الأشياء. لقد بعنا حقنا في الاتحاد السوفيتي في مقابل الجينز وتسجيلات فرقة آيرن مايدن الموسيقية».

رسم القراء من آسيا الوسطى، هم أيضًا، صورة مختلطة من تبدل الحظوظ في السنوات التي تلت هذا انهيار الاتحاد السوفييتي. فقال حميديون مولو، من طاجيكستان إنَّ بلده «غرقت في حرب أهلية استمرت من عام 1992 حتى عام 1994، وهو ما أدى إلى تأخير فرصة بناء ديمقراطيتنا واقتصادنا».

المسلمون في آسيا الوسطى.. ما الذي تعرفه عنهم؟

حصدت هذه الحرب أرواح 20 ألف شخص، ومع أنَّ طاجكستان لا زالت واحدة من أفقر بلاد وسط آسيا، وتعتمد بشكل كبير على موسكو، فإنَّ مولو لا زال يعتقد أنَّ: «قيمة الاستقلال بحد ذاتها، مهمة جدا، وأفضل من النجاح الاقتصادي».

وفي الجارة أوزبكستان، تحسنت حياة نيلوفار شاريبوفا بعد اعتناق والديها للرأسمالية، فقالت: «تغير مستوى حياتنا بين عشية وضحاها. اشترينا سيارة ثانية، وبيتًا جديدًا، ولم أعد مضطرة لارتداء ملابس أختي. عندما أنظر إلى الوراء أفكر في أنَّ نمط حياتنا كان يشبه نمط حياة الناس في كوريا الشمالية الآن. ومع أنَّ الكثير من السوفييت السابقين لا زالوا يكرهون ميخائيل غورباتشوف إلا أنني ممتنة جدًا لما حدث».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد