ثمة خبران أثارا الجدل في جميع أنحاء المنطقة العربية في الآونة الأخيرة. بينما عزز أحدهما الصور النمطية للخليج، سلط الآخر الضوء على مبادرة جريئة خارج الصندوق. كان الأول هو زيارة رسمية للعاهل السعودي الملك سلمان تستمر يومين للعاصمة الأمريكية واشنطن، مصطحبًا معه حاشية كبيرة بما يكفي لتحتل فندق جورج تاون الكبير.

أما الثاني فكان عرضًا ضخمًا تقدم به رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس لشراء جزيرة متوسطية وتزويدها بالبنية التحتية بحيث يمكن للاجئين السوريين أن يبنوا حياة جديدة هناك. كل من هذين الرجلين لديه ثروة كبيرة تحت تصرفه.

ولكن في حين تم انتقاد المملكة العربية السعودية للإنفاق الملكي المسرف وعدم الاستجابة لأزمة اللاجئين السوريين، قدم ساويرس وغيره حلولًا مستحدثة للاجئين. وتمثل هذه الأمثلة اتجاهين يتواجدان في المنطقة العربية اليوم، في حين يجد المرء بينهما ساحة مزدهرة للعمل الخيري الخاص والاستثمار الاجتماعي.

الكثير من هذا العمل الخيري الخاص والاستثمار الاجتماعي لا يزال غير مشمول ضمن قاعدة البيانات.

يسلط تقريرٌ حديث لبنك كوتس بعض الضوء على الهدايا الكبيرة والمنح التي ساهمت بها الأفراد أو المؤسسات الخاصة في الخليج العربي. معتمدًا بالأساس على تقارير وسائل الإعلام، حدد التقرير أكثر من 75 منحة وعطية بأكثر من مليون دولار من منتصف عام 2013 إلى منتصف عام 2014.

تم تخصيص الغالبية العظمى من تلك المنح والهدايا لقطاعات التعليم، والسكن، والرعاية الصحية للفئات المحرومة. وكانت بعض من أكبر المنح التي تم تقديمها في أي مكان في تلك السنة من المنطقة العربية، بما في ذلك التبرع الكويتي البالغ 300 مليون دولار للتعليم العالي.

كان الاكتشاف المثير للاهتمام هو أن منطقة الخليج العربي قادت الآخرين الذين شملهم استطلاع لحجم المنح والعطايا لأسباب تقع خارج المنطقة. وفي ضوء الميل للعطاء غير المعلن الذي يشجع عليه الإسلام، فمن المرجح أن العديد من التبرعات الكبرى الأخرى هي غير مسجلة.

التقاليد في المنطقة يمكن أن تؤدي إلى أشكال حديثة من العمل الخيري والتي تقع خارج الفئات المعتادة من العطاء. على سبيل المثال، انتعش حيُّنا الهادئ في القاهرة هذا الصيف بأصوات العديد من الأطفال الذين يستمتعون بحمام سباحة أحد الجيران.

اكتشفت لأول مرة أن هذه العائلة قد خصصت مبنى سكنيًّا واستعانت بموظفين مهنيين لرعاية 20 من الأطفال الأيتام من مرحلة الطفولة وحتى التخرج من الكلية – وهو التزام مالي كبير. لم يتم تسجيل هذا النوع من الأعمال الخيرية في مصادر البيانات المتاحة في مصر ولا في أي مكان آخر في المنطقة.

في ظل دعوات عالمية، مستوحاة من خيرين غربيين مثل بيل غيتس ووارن بوفيه، للأثرياء للتخلي عن نسب أكبر من أصولهم، ماذا كان الأثر على العطاء العربي؟ في بعض الحالات يكون هناك اتصال مباشر. في يونيو 2015 أعلن الأمير الوليد بن طلال أنه يتعهد بمنح كامل ثروته – والتي تقدر بـ32 مليار دولار – لمؤسسته.

أرجع الملياردير السعودي الفضل في ذلك لبيل غيتس بتقديم كل من القدوة وبعض التشجيع المباشر. وعزا الأمير تلك المبادرة إلى الرغبة في معالجة المشكلات العالمية الكبيرة مثل القضاء على المرض وضمان أن مؤسسته ستظل لاعبًا رئيسيًا بعد مماته. وأشار إلى أنه وبالإعلان عن هذا القرار، فإنه يأمل في تحفيز الآخرين على التزامات مماثلة.

نجل الأمير وابنته كانا إلى جانبه في المؤتمر الصحفي، وكلاهما عضو في مجلس إدارة المؤسسة، على الرغم من أنهما لا يحملون أصوات الأغلبية. دعم الأسرة لمثل هذه المبادرات هو المهم، لأن قوانين الميراث الإسلامية تعطي الأطفال أغلبية تلقائية من ثروة الآباء بغض النظر عن أحكام الوصية.

بعد إعلان الأمير الوليد بن طلال، واحد على الأقل من رجال الأعمال في دول الخليج الأخرى، عبد الله الغرير؛ أعلن عن خطته للتعهد بالكثير من ثروته للأعمال الخيرية.

ولكن هل ستكون هذه الهدايا والمنح الضخمة “تغيرًا في قواعد اللعبة” بنفس الطريقة التي تسببت بها منح أندرو كارنيجي التي قدمها على نطاق واسع في اندلاع موجة من العطاء المماثل بين أثرياء أمريكا بالغي الثراء منذ قرن مضى؟ من غير المرجح، بالنظر إلى أن أنماط العطاء الكبير بالفعل راسخة في الثقافة العربية.

فبينما يطمح العشرات من أصحاب المشاريع التجارية الناجحة إلى أن يكون لهم تأثير ضخم مع عطائهم، فإن الأمر الأقل وضوحًا هو أنهم يتطلعون إلى لعب دور القدوة خارج المنطقة.

معظم هؤلاء الأشخاص المانحين يقولون إنهم يتبعون سلوك الآباء والأجداد، ولكن على نطاق أوسع. في استطلاع مصغر للمانحين الأثرياء في ستة بلدان في المنطقة هذا الصيف، سمعنا مرارًا وتكرارًا أن “العطاء هو أمر متأصل في جينات الدي إن إيه خاصتنا”، مع أصول في التقاليد البدوية، والواجب الديني، والممارسات الأسرية.

النمط الشائع الذي لاحظناه في بعض السنوات الماضية هو عملية يبدأ فيها الأثرياء العرب بالعطاء بطرق تقليدية إلى حد ما – منح المساعدات العاجلة للمحتاجين في المجتمعات المحلية – وتدريجيًّا يتم توجيههم إلى التفكير إستراتيجيًّا لحل المشاكل الكبيرة التي تواجه المنطقة.

العديد من هؤلاء الأفراد يطبقون الفطنة نفسها التي جلبت لهم النجاح المالي للاستفادة من الأثر الضخم من عطائهم. يرى المرء شهية لارتفاع تأثير العمل الخيري وخاصة بين رجال الأعمال الصغار الذين اكتسبوا ثرواتهم في حين كانوا لا يزالون في مرحلة الثلاثينيات أو الأربعينيات.

يبدو هؤلاء أقرب للتحدث في مجال الاستثمار الاجتماعي بدلًا من العطاء والمنح، واستهداف المشاكل الشائكة مثل بطالة الشباب، والفقر في المناطق الحضرية، أو عدم وجود وسائل الإعلام المستقلة.

كل ما سبق، بطبيعة الحال، يعتمد على النموذج الليبرالي للمجتمع الذي يقدم فيه المواطنون طوعًا دعمهم للمصلحة العامة. والافتراض أن العمل الخيري الخاص سوف يكون مرئيًا في المجالات التي تفشل فيها الحكومات أو تتغافل عنها. وكما أشار الكاتبان بينثال وبيليون – جوردان في 2003 في كتابهما “الهلال الخصيب”، فإنه ومع ذلك، ارتبط العمل الخيري في المجتمعات الإسلامية مع السياسة على مدى قرون عديدة.

سواء تم استخدام التبرعات الخيرية لتملق الحاكم، كما حدث في كثير من الأحيان تحت حكم الديكتاتوريات في تونس ومصر وسوريا، أو تم استخدامه لإسقاط الحكام (كما اعتقد أسامة بن لادن أو جماعة الإخوان المسلمين)، فإن العمل الخيري والسلطة لا وجود لهما وراء الجدران النارية المنفصلة. تمثلت أولى خطوات الحكومات في جميع أنحاء المنطقة في فترة ما بعد الثورات العربية في تقييد تدفق العمل الخيري الخاص الأجنبي. (المساعدات الخارجية لتلك الحكومات، ومع ذلك، هو موضع ترحيب بأذرع مفتوحة). وتبع ذلك لوائح جديدة تجعل من التمويل المحلي للمنظمات المدنية أمرًا صعبًا أو مستحيلًا.

وهكذا، كثير منا ممن يعمل على تعزيز القطاع الخيري يقولون أن المشكلة لا تتمثل في كيفية تحفيز منح العطايا الكبيرة. ما هو مطلوب بشدة هو النقاش العام حول دور مبادرات المواطنين في مستقبل المجتمعات العربية. وهذا يشمل بالضرورة مناقشة التوازن الأمثل بين المساءلة الداخلية مقابل قواعد الدولة.

تعريفات واضحة لا لبس فيها للقوانين (غير السياسية) المسموح بها يجب أن تحل محل القوانين الحالية غامضة الصياغة. كبداية، يمكن للحكومات أن تفصح عن الإحصاءات العامة التي يجمعونها سنويًا بشأن المجتمع المدني والقطاعات الخيرية، كما هو ممارس وشائع في أماكن أخرى. وسيكون لذلك تأثير فوري واحد: إظهار حجم المساهمة الاقتصادية الكبيرة للمجتمع المدني في مقابل الناتج المحلي الإجمالي في كل بلد من بلدان المنطقة.

أخيرًا، يمكننا أن نأمل في أن تستجيب الحكومة اليونانية أو الإيطالية بشكل إيجابي لعرض نجيب ساويرس لشراء الجزيرة للاجئين السوريين. بغض النظر، يجب أن نكون شاكرين للفتته، جنبًا إلى جنب مع كرم الآلاف من المواطنين العاديين في لبنان، والأردن، ومصر، وغيرها الذي يدفع الحكومات إلى بذل المزيد من الجهد لمنع كارثة إنسانية محدقة بين البحر الأبيض المتوسط ​​وأوروبا.

 

 

 

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد