منذ أن نشر داروين نظرية التطور الطبيعي في كتابه القرن الماضي، أُثير جدل واسع وأحيانًا صراع بين المؤسسات الدينية المسيحية والإسلامية وبين دعاة التطور ونظرية النشوء (الخلق). جدلٌ استمر عقودًا طويلة بين اتجاهين أولهما حقيقة الخلق والثاني نظرية التطور الطبيعي.

ومع صعود الاتجاهات العلمانية وتقلص دور المؤسسة الدينية المسيحية في السياسة حتى فصله تمامًا دستوريًا عن التأثير على المقررات الدراسية، كان هناك جدل بين النواب في أمريكا في السبعينيات من القرن الماضي، بعد أن تقدم ليمون بدعوى وصلت للمحكمة الدستورية العليا بشأن تدخل الحكومة لحذف المقاطع التي تدعو للتطور، رُفِضَت الدعوى في نهاية المطاف لأسباب ثلاثة يمكن تلخيصها بأن الحكومة لا تتدخل بالحذف أو بإضافة جزء لأسباب دينية من مناهج العلوم.

أثير جدل مماثل في تركيا منذ وقت قريب لدى إصدار الحكومة قرارًا بحذف المقاطع التي تتناول نظرية التطور من المناهج التعليمية حتى المرحلة الثانوية. نشر موقع «نوتيلوس»  تقريرًا كتبه «برايان جالاجير» يتناول فيه تحليلًا للقرارات التركية وانعكاسها على التكوين العقلي للطلاب والأمية العلمية، ودلالة القرار على مدى التزام الحكومات بعلمانية وحرية التعليم أو مدى تأثير أيديولوجية الحكومات على المناهج والذي قد ينتهي بوجود سلطة أيديولوجية دينية على المناهج.

اقرأ أيضًا: «عن الحب والجنس وبدء الخلق».. أشهر الأساطير الإغريقية عبر التاريخ

حقيقة الخلق تتقدم على نظرية التطور

يقول «برايان» إن آخر ضحايا نظام رجب طيب أردوغان «الاستبدادي» ليس مجرد صحفي أو أكاديمي معارض، بل مفهوم التطور نفسه؛ إذ أصدرت حكومته قرارًا بإلغاء نظرية التطور التي تعتبر أساسية في علم الأحياء من المناهج الدراسية للمرحلة الثانوية، وجدير بالذكر أن القرار يبدأ تطبيقه في سبتمبر (أيلول) القادم، وفي حال خسرت القضية المرفوعة ضد القرار، فإن نظرية التطور ستظل تدرس في فصول الجامعة.

يرى «برايان» هذا القرار نزعة إلى طريق تمجيد الدين وأسلمة المناهج العلمانية التركية، ويذكر أنه لطالما كانت هناك إشارة للدين الإسلامي في المناهج الدراسية، وتصاعدت منذ عام 2012، كما هو الحال مع زيادة عدد المدارس الدينية؛ إذ صرح أحد أساتذة الفيزياء في كلية أسطنبول للتكنولوجيا لموقع «ذي أتلانتك» أنه يعتقد «أن 90% من الطلاب إما لا يعرفون ما هي نظرية التطور أو لا يؤمنون بها»، لكن الوضع أسوأ من ذلك في جامعات أخرى.

يريد مدرسو علم الأحياء إلى حد ما تجنب غضب الآباء الذين يعانون رهاب الداروينية.

كما صرح «ألب أسلان دورموش» -رئيس المجلس الوطني للتعليم- الشهر الماضي معللًا سبب الحذف أن «طلابنا ليس لديهم الخلفية العلمية اللازمة، والسياق المعرفي الأساسي المطلوب لفهم الجدل حول نظرية التطور». إضافة إلى ذلك، قال «فريا إيتكين أيدوغان» الذي يرأس اتحاد المعلمين العلمانيين في تركيا لـ«نيويورك تايمز» إنه «تم استئصال بقايا فتات العلم العلماني من التعليم».

يشبه «برايان» الحال الذي وصلت له تركيا العلمانية بالهدف الذي أرادت الأصولية المسيحية تحقيقه في الولايات المتحدة الأمريكية القرن الماضي، على الأقل منذ صدور كتاب «In His Image» لمؤلفه «وليام جينينجز براين»، والذي تصدر قائمة المبيعات في العشرينيات من القرن الماضي، وتحديدًا فصل بعنوان «تهديد الدارونية»، والذي أعيد نشره بعد فترة وجيزة في كتيب منفصل حيث ناقش قضية أن نظرية التطور ربما تكون موضع شك عقلاني، ولا ينبغي أن يتم تدريسها رسميًا على نفقة الحكومات، فضلاً عن أنها قد تمثل مفسدة أخلاقية للأفراد والمجتمع برمته إذا ما تم قبولها. مثل تلك الحجج ساعدت في إشعال فتيل الجدل بين الأصوليين والحداثيين، ووفقًا لموسوعة الدين في السياسة الأمريكي فإن مثل تلك الحجج حرضت «اللاهوتيين المحافظين الذين سعوا لامتثال المذهب العقائدي» ضد «الليبراليين أو الحداثيين الذين يسعون لتوفيق المسيحية مع كل من ثقافة الحداثة والتفكير العلمي».

ويؤكد «برايان» على أن الجدل حول تلك القضية لم يفتر مطلقًا، وذلك من عدة نواح؛ إذ فشلت محاولات المؤمنين بحقيقة الخلق التي استهدفت حظر نظرية التطور لصالح التفسير الحرفي لسفر التكوين «جينيسيس»، ولعل السبب في ذلك تبني المحكمة العليا لما يدعى بقضية «اختبار ليمون ضد كورتزمان» في عام 1971، ما جعل من شبه المستحيل أن يحمي الدستور معتقد «حقيقة الخلق». أولًا، لأنه ليس لديه غرض تشريعي دنيوي/علماني، وثانيًا، لأن أثره الابتدائي يتمثل في تقدم الدين مقابل الاتجاهات العلمانية، وثالثًا، لأنه يتسبب في التشابك الحكومي المفرط مع الدين. إلا أن حقيقة الخلق ما تزال باقية في المدارس العامة عبر البلاد.

يرى «جون تايلور» -أستاذ القانون في جامعة ويست فرجينيا- أن سبب بقائها حتى الآن يرجع لأنها «بقيت تحت الأرض، متوارية عن الأنظار»، إذ طالب المؤمنون بحقيقة الخلق بتخصيص «وقت مساوٍ» لها في الفصول الدراسية، أو على الأقل التبرؤ من الكتب المدرسية التي تذكر نظرية التطور بادعاء أنها «مجرد نظرية وليست حقيقة»، لا سيما تغيير اسم حقيقة الخلق إلى «التصميم الذكي» والتي تقضي بأن التطور كان عملية وجهها الإله، وأن بعض الميزات في الكائنات الحية لا يمكن تفسيرها إلا بمسبب ذكي، وليس بسبب غير موجه مثل الانتقاء الطبيعي، علاوة على أنها تقدمت باعتبارها بديلًا ذي مصداقية لنظرية التطور يُطرح للمناقشة في الفصول الدراسية لأجل الحرية «الأكاديمية».

إلا أن تلك التكتيكات والأساليب التي اتبعها المؤمنون بحقيقة الخلق أو «التصميم الذكي» لم تلق نجاحًا كلها، ففي عام 2008 في ولاية لويزيانا، ومن بعدها في عام 2012 تينيسي، تم تمرير قوانين تسمح بمناقشة «أوجه القصور» المزعومة في نظرية التطور، وهي ثغرة ظن المدافعون عن التعليم العلمي أن من خلالها ستتسلل فكرة حقيقة الخلق مجددًا. ويبدو أن هناك سببًا وجيهًا لذلك الاعتقاد، ففي عام 2008، كشف استفتاء ممثل وطنيًا لمدرسي الأحياء في المدارس الثانوية أن ما يقرب من نصف الردود اتفقت أو اتفقت بشدة مع كون حقيقة الخلق أو «التصميم الذكي» «بديلًا علميًا صالحًا» لنظرية التطور. بينما كانت ردود 15% من إجمالي الردود متمسكة بنظرية تكوين الأرض الشابة -كانت عبارة عن كرة من الحمم وصولًا لتكون طبقة الغلاف الجوي-، وقالت نسبة 18% إنهم يدعون بصراحة وعلانية لنظرية التطور سواء في الفصول الدراسية أو أيدوها بشكل عابر.

ادعى كل من «مايكل بيركمان» و«إيريك بلتزر» -اثنين من الباحثين الذين أجروا الاستفتاء- في ورقة بحثية عام 2011 أنه بالتبعية تعد العقبة الأكبر لمدرسين الأحياء هي «نسبة الـ60%من المدرسين الذين لا يؤيدون نظرية التطور »، ولعل السبب في ذلك أنهم إلى حد ما يرغبون في تجنب غضب الآباء الذين يعانون من رهاب الداروينية، فضلا عن أنهم إلى حد ما لا يفهمون تمامًا الداروينية ونظرية التطور والطرق العلمية، لذلك هم غالبًا لا يناقشوها مطلقًا، وحتى إذا ناقشوها، لا تُقدم باعتبارها محورًا لعلم الأحياء، لكن باعتبارها أمرًا على الطلاب معرفته لمجرد اجتياز السنة الدراسية. فكانت النتيجة، حسب رأي «بلتزر» و«بيركمان» أن « تحفظات الـ60% من المدرسين ربما تلعب دورًا أضخم وأهم في مكافحة الأمية العلمية في الولايات المتحدة، من مقابلها النسبة الضئيلة للداعين لحقيقة الخلق صراحة».

اقرأ أيضًا: مترجم: الجمال والانتقاء الجنسي .. كيف تفسر نظرية التطور دور الجمال؟

كيف نصلح ذلك؟

يقول الباحثون إن الولايات المتحدة الأمريكية في أمس الحاجة إلى خضوع مدرسين الأحياء المستقبليين لدورة تعليمية حول نظرية التطور، والذي لخصته «آن كامبل» -عالمة في الإثنولوجيا (علم الأعراق) وعلم النفس- في بضع كلمات خلابة بأنها «تنوع جيني عشوائي وانتقاء غير عشوائي». إلا أن« بيركمان» و«بلتزر» يعتقدان أن تعلمها ليس شرطًا؛ لأن معظم المدرسين على الأغلب نالوا درجاتهم العلمية من مؤسسات غير بحثية، مؤسساتٍ ليس لديها الموارد الكافية لتقديم دورات عن نظرية التطور.

لكن إذا ما كانت شرطًا، فإنها أولًا ستَمُد المدرسين «بثقة أكبر في تدريس التطور مباشرة، حتى في المجتمعات حيث يتعاطف الرأي العام مع حقيقة الخلق»، وثانيًا ستساعد في اجتثاث جذور الخلقيين الذين يريدون تدريس الأحياء في المرحلة الثانوية إما عن طريق تحويل قناعاتهم بحقيقة الخلق، أو تشجيعهم على «ملاحقة وظائف بديلة». وقد استنتج الباحثون أن تقليل «الدعم للمدرسين الذين يجذبون -على نحو خاص- اهتمام أكثر المقاطعات التعليمية تحفظًا» سيوهن «عجلة الجهل».

ويقول برايان إنه على سبيل المثال كان أحد أولئك المدرسين، لكنه تخلص من قناعته بـ«حقيقة خلق الأرض الشابة» بعد أن تلقى دورة تعليمية في الجيولوجيا قبل التخرج، والتي أدت به إلى البحث في نظرية التطور، لأن التنوع الملحوظ بين أشكال الحياة المنقرضة والموجودة الآن يتطلب مدى زمنيًا هائلًا -بعضها يصل إلى 4 مليار سنة- كي تنشأ.

ويذكر «برايان» أنه قَبِلَ نظرية التطور عندما توصل لفهم متعمق أساسي لسلالات وأصول الحياة المشتركة. وبمجرد أن بدأ في التفكير والاستماع لصوت العقل بأن الذي يربطه بوالده هو وجه الشبه الجيني الكبير بينهما، لم يستطع تجنب الاستنتاج القائل بأننا إذا ما تتبعنا شجرة الحياة بدرجة كافية قد تبلغ الألف عام، نلحظ أعضاء آخرين متماثلين جينيًا. وإذا استمررنا في الرجوع حتى ستة أو سبعة ملايين سنة، سنجد أن أول سلف مشترك بيننا هو القرود؛ إذ يشتركون مع البشر في 98.8% من الحمض النووي. وبأخذ تلك النسبة في الاعتبار، يصعب عدم النظر للقرود باعتبارها ذات صلة قرابة بالبشر.

ويضيف برايان أنه نجح في إقناع عدد من أصدقائه المسيحيين الذين يخشون نظرية التطور، من خلال توجيههم لتلك الفكرة، إلا أن الاقتناع بأننا ذوي صلة قرابة بـ «لوكا» – أول سلف مشترك شامل- يتطلب أكثر من مجرد الخيال. وفقا لدراسة تحليلية، أجريت عام 2016، قامت بتحليل شجرة الحياة الكبرى لـ 6.1 مليون بروتين شفرة جينية، فإن «لوكاLUCA» هو كائن عضوي يشبه البكتيريا عاش في الفوهات الحرارية المائية في قاع البحار.

يرى «برايان» أن التكتيك العقلي النفسي قد يكون فعالًا وبنائًا؛ ففي دراسة نشرت في شهر مايو (أيار)، وجد الباحثون في جامعة باث بإنجلترا أن هناك طريقة أخرى تساعد في كسر عجلة الجهل بشأن نظرية التطور، وتتمثل في تدريس الجينات قبل التطور. إذ يرى القائمون على الدراسة أن «تدريس الجينات قبل التطور يساهم في تحسين فهم من 5% إلى 10% من الطلاب لنظرية التطور. إلا أنهم حذروا أيضًا من أن طريقة «الجينات أولًا لم تختلف كثيرًا عن طريقة التطور أولًا» في جعل الطلاب يقبلون نظرية التطور، فضلًا عن فهمها.

يعتقد الباحثون أن ما يراه الطلاب «سلطة» يتدخل ويعترض الأمر، إذ يقولون إن الأمر«بدا مهمًا للطلاب الذين لديهم خلفية دينية. وكما كان متوقعًا، أعطوا الأولوية للنص الديني، ما شكل معوقًا لقبول نظرية التطور أسبابه دينية». وكما وصفها أحد الطلاب موضع الدراسة «أنا شخص متدين إلى حد ما؛ لذلك أرى تصديقها أمرًا صعبًا».

يعتقد «شون رايس» -منظر في علم الأحياء الرياضي والتطور في جامعة تكساس للتكنولوجيا- أن جهود ولاية تكساس للتقليل من تعليم نظرية التطور «مقلقة للغاية». هناك مشروع قانون بشأن الكتب المدرسية تم اعتماده، وصار قانونًا بالفعل الشهر الماضي، وله على الأقل ممثل واحد من الحزب الديموقراطي، وتدعى «ألما آلن» التي وصفته بأنه «مرعب إلى حد ما» إذ أنه يسمح لمجلس التعليم في الولاية بالقيام بتعديلات في المناهج الدراسية، مع العلم أن أعضاء المجلس قد يفتقرون للخبرة الأكاديمية والتعليمية التي تؤهلهم لذلك، ولذلك ترى أن القانون «يسمح لأعضاء المجلس بضخ أيديولوجيتهم الخاصة أو رفض الكتب لأسباب أخرى».

إلا أن «رايس» يثير ملحوظة تبعث على التفاؤل، إذ يزعم أن الأطفال الذين يتلقون فصولا تعليمية حول حقيقة الخلق يبدو أنهم يتبنون تلك النظرة من منطلق جهلهم وليس من منطلق قناعة دينية. وقد أضاف في مقابلة عبقرية له أن «السبب ليس أنهم أمعنوا التفكر فيها، وقرروا أن يسلكوا هذا الطريق «السبب يرجع إلى أنهم لم يسمعوا أي شيء عن التطور. فهم عندما يدرسونها لا يوجد هناك تضارب أو معوقات».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد