لا بد أن الأخبار قد وصلت إلى وزارة الشؤون الخارجية في موسكو بسرعة وأحدثت ضجة، فقد أُعلن أن الدبلوماسيين الروس غير مرغوب فيهم في جميع أنحاء العالم، وهذا ردًّا على مهاجمة سيرجي سكريبال، وهو عميل روسي مزدوج سابق يعيش في المملكة المتحدة، بغاز الأعصاب. فقد أعلنت كندا طرد أربعة دبلوماسيين روس وإرسالهم إلى بلادهم، وأما في أستراليا كان العدد اثنين، وفي جميع أنحاء أوروبا كان المجموع 55، وفي الولايات المتحدة طردت وزارة الخارجية 60 دبلوماسيًّا، وأغلقت قنصلية واحدة.

هذا ما بدأ به سكوت غيلمور -دبلوماسي سابق ورجل أعمال اجتماعي- تقريره المنشور في مجلة «ماكلينز» الكندية عن حال أمريكا التي تتجه إلى العزلة، وروسيا التي تنشر الصور الساخرة على تويتر، وبكين التي تعمل على تشكيل نظام عالمي جديد.

وفي هذه الأثناء في واشنطن، كان جون بولتون يدخل البيت الأبيض ليبدأ اليوم الأول له في العمل مستشارًا جديدًا للأمن القومي للرئيس دونالد ترامب. كان السياسيون والنقاد في الولايات المتحدة وخارجها يشعرون بالقلق بسبب تعيينه في تلك اللحظة الراهنة، وهو أمر أدهش بولتون، لم يكن أي من أسلافه متشددًا، ولم يشارك في معارضة نظام التعددية الدولي بعد الحرب.

وفي بكين، بينما كان بولتون يستقر في مكتبه الجديد، أُغلقت عدة شوارع لتصبح ممرًا يخضع لحراسة مشددة للسيارات الخاصة، كانت التكهنات في الصين وخارجها هي أن هذه الزيارة كانت من قبل كم جونغ أون ديكتاتور كوريا الشمالية.

يذكر غيلمور في تقريره أن هذه الأحداث الثلاثة توضح تحولًا ملحوظًا في تاريخ العالم، حددت موسكو وواشنطن الشؤون العالمية على مدى سبعة عقود من خلال التحالف المضطرب للحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، فكان من الضروري النظر إلى الكرملين، أو البيت الأبيض بعد سقوط الاتحاد السوفيتي من خلال العالم أحادي القطب في أمريكا باعتباره «القوة المفرطة» الوحيدة لفهم أي قضية دولية مهمة فهمًا صحيحًا، لكن تلك الحقبة انتهت الآن فعليًّا.

تراجع روسيا كان سريعًا بعد سقوط جدار برلين. كما جرت العادة ما تزال روسيا في كثير من الأحيان تعد قوة عالمية، ولكن في الحقيقة تم تقليصها إلى قوة متوسطة، إن اقتصادها مهترئ، وتحتل المرتبة الخامسة من حيث القوة الناعمة في أوروبا، وليست ذات تأثير اجتماعي أو ثقافي بين العديد من جيرانها المباشرين، والتي تحولت الآن باتجاه الاتحاد الأوروبي.

الكرملين عاجز عن إبراز قوته على الصعيد العالمي، وقد تحول إلى شكل من أشكال الحرب الباردة غير المتكافئة، لا يمكن لروسيا التنافس عسكريًّا باستثناء ترسانتها النووية غير القابلة للاستخدام إلى حد كبير، وبسبب الأعطال المتكررة سافرت حاملة الطائرات الأخيرة مع زورق للسحب.

والجدير بالذكر أنه لا يمكن الاعتماد على اقتصادها للتأثير في قوى أجنبية أخرى. إن الاتحاد الأوروبي يستورد أكثر من سويسرا، والتهديدات بقطع صادرات الطاقة أقل تصديقًا؛ لأن موسكو تعتمد بشكل متزايد على تلك المبيعات للحفاظ على مصدر الكهرباء الخاص بها.

وبصورة دبلوماسية، لم تعد موسكو تقود كتلةً دوليةً واسعةً من الدول ذات التفكير المماثل. إن قائمة الدول التي ستظل تسير خلف الكرملين قصيرة، بما في ذلك فنزويلا وأوسيتيا الجنوبية وسوريا. والأدوات الدبلوماسية الوحيدة التي تبقت لروسيا أو تستطيع تحمل تكاليفها هي الأجهزة الإلكترونية الذكية، ومشاركة الصور الساخرة عبر فيسبوك، وحسابات تويتر الوهمية.

على سبيل المقارنة، جاء تراجع واشنطن بشكل تدريجي ثم فجائي. بعد انتهاء الحرب الباردة، تمتعت الولايات المتحدة بترف نظام الأحادية الجديد. لم يعد وجود حلفاء الحرب العالمية الثانية أمرًا ضروريًّا للغاية، مما جعل متابعة الحروب أو السياسات التي لا تحظى بشعبية أسهل بشكل كبير. وجدت كندا والأصدقاء التقليديين الآخرين أنه من الأسهل قول «لا»، وتحديد العلاقة الثنائية من خلال الاختلافات، وليس القواسم المشتركة.

انتهى القرن الأمريكي رسميًّا عندما وصل ترامب للرئاسة. عداؤه تجاه النظام الدولي بعد الحرب وضع واشنطن في المركز؛ مما أجبر العالم على إعادة تركيب نفسه، لم يعد البيت الأبيض في حالة القيادة. في أحسن الأحوال، كان مراقبًا غير مكترث، وفي أسوأ حال كان من الممكن أن يكون مفسدًا محتملًا.

تعيين بولتون هو رمز لهذا الانخفاض، سعى مستشارو الأمن القومي السابقون إلى وضع واشنطن في مركز كل شيء؛ لتعريف الولايات المتحدة على أنها «أمة لا غنى عنها»، مما يجعل مشاركتها ضرورية لحل أي من المشاكل العظيمة التي تواجه العالم، هدف بولتون هو عكس ذلك تمامًا، وهو عزل أمريكا ووضعها خلف الجدران، وقطعها عن أي تحالفات غائرة.

جون بولتون

وفي الوقت نفسه، نمت بكين بشكل سلطوي وأكثر تأثيرًا. إنهم الآن أكبر اقتصاد في العالم. عندما تدرس أي دولة سياساتها مع الصين، يجب عليها أولًا أن تنظر في تأثير العلاقات التجارية. وفي أنحاء العالم النامي، تقدم بكين رشى أو تشتري بشكل صريح صداقة البلدان التي كانت تستقطبها واشنطن وموسكو.

يختتم غيلمور تقريره بأن الوقت الذي ترسل فيه روسيا رسائل استفزازية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وبينما يستعد بولتون لانسحاب أمريكا من الاتفاق النووي الإيراني، يجتمع كم جونغ أون مع شي جين بينغ. وبينما يتحدث الاثنان، فإنهما سيشكلان حتمًا مستقبل شبه الجزيرة الكورية وآسيا والعالم.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات