قالت لوري جاريت في تقرير لها على موقع مجلة «فورين بوليسي»: إن اجتماعًا يضم خبراء العالم في مجال فيروس نقص المناعة البشرية «الإيدز» عقد الأسبوع الماضي في أمستردام، وهو المؤتمر الدولي الثاني والعشرون لمكافحة الإيدز. كان العالم قد تفاءل عام 2016 من إعلان الأمم المتحدة قرب القضاء على المرض الفتاك. إذ أكد الخبراء بأنه إذا عولج بشكل صحيح بالأدوية المتاحة، فإن 37 مليون شخص مصاب بالمرض لن يعودوا يواجهون الموت كما كان الحال مع نظرائهم في أيام ما قبل العلاج في الثمانينات والتسعينات.

وأوضحت جاريت أن البشر تمكنوا من محاصرة الفيروس لمدة طويلة؛ لتنخفض أعداد الوفيات إلى مستويات مدهشة، لكن المرض عاود الظهور بقوة، ويستعد لمضاعفة عدد الوفيات العالمي، والذي بلغ 35 مليونًا منذ عام 1981. هناك ثلاثة عوامل تساهم في عودة ظهوره من جديد: استراتيجية الصحة العامة المعيبة، والتحول السريع للديموغرافيا، وتضاؤل الموارد.

استراتيجية السيطرة على الفيروس معيبة

في عام 1996 اكتشف باحثون من عدة مؤسسات أن مجموعة من الأدوية التي تُتناول يوميًا يمكن أن تؤدي إلى انخفاض مستويات فيروس نقص المناعة البشرية بشكل كبير بحيث يمكن للأفراد المتلقين للعلاج أن يعيشوا حياة طبيعية – تشير جاريت. ومنذ أكثر من 10 سنوات تبين أن الأدوية المضادة لفيروس نقص المناعة البشرية كانت فعالة لدرجة أن الفيروسات أُجبرت على الاختباء في أجزاء من الجسم تمنعها من الانتقال عبر التواصل الجنسي، أو من خلال نقل الدم، أو عبر الرحم من الأم إلى الطفل.

وضعت الهيئات العالمية استراتيجية لمكافحة الفيروس تهدف إلى حصول جميع الأشخاص المصابين به على العقاقير المضادة لإنقاذهم من الموت ووقف انتشار الفيروس. وأُعلن أن العام 2030 هو الموعد النهائي لوقف انتشار فيروس نقص المناعة البشرية، ووقف وفيات الإيدز، وولادة أول جيل منذ عام 1980 خالٍ تمامًا من العدوى. وسعيًا إلى تحقيق ذلك – تضيف جاريت – أُنتج مزيج من الأدوية المضادة للفيروس بأسعار زهيدة؛ مما خفض تكلفة العلاج من أكثر من 10 آلاف دولار للشخص الواحد في عام 1996 إلى أقل من 75 دولارًا. وتم إنشاء بنية تحتية بمليارات الدولارات لإيجاد الأفراد المصابين، وتزويدهم بتلك العقاقير، ومراقبة صحتهم.

لكن الاستراتيجية فشلت – تستدرك جاريت – فلم تعالج الأدوية أي شخص – لا يزال المرض يصيب ما يقرب من 22 مليون فرد خضعوا للعلاج بالفعل. إن أي انقطاع في تناول الدواء يسمح للفيروسات المتخفية بأن تفيض في مجرى الدم ثانية؛ مما يعرض المريض للخطر، ويزيد من خطر انتقال العدوى للآخرين. فالحرب، وانهيار وسائل النقل، والعجز المالي الحكومي، ونقص الدعم من المانحين الدوليين، وهجرة المرضى – كلها عوامل يمكن أن توقف العلاج.

علاوة على ذلك لا يزال هناك 15 مليون شخص بدون علاج، ومعظمهم يجهل أنه مصاب بالمرض، ولا يرون أي سبب لإجراء اختبار فيروس نقص المناعة البشرية، ومن غير المرجح أن يتخذوا الاحتياطات اللازمة لحماية الآخرين، مثل استخدام الواقي الذكري أثناء ممارسة الجنس. ونتيجة لذلك – تؤكد جاريت – يستمر الوباء في الانتشار. في العام الماضي توفي قرابة مليون شخص بسبب الفيروس، في حين كان عدد المرضى يبلغ 1.8 مليون شخص.

وقد ظهر المرض في صورة مختلفة يصعب علاجها؛ لأن سلالات الفيروس التي تنتشر اليوم من المرجح أن تكون مقاومة للعلاجات التي تبلغ 75 دولارًا في السنة. وقد أدى ذلك إلى إنتاج أدوية أكثر تكلفة، كما أن سلسلة التوريد الخاصة بعلاجات الخط الثاني والثالث في البلدان الفقيرة ضئيلة في بعض الحالات. عندما يصاب الفرد بسلالة من الفيروس المقاوم بالفعل للأدوية المتاحة، تتأثر جميع جوانب علاج المريض وبقائه حيًا.

كانت منظمة الصحة العالمية قد سجلت إصابات جديدة في 11 بلدًا فقيرًا بين عامي 2014 و2016 – تقول جاريت – ووجدت أن أكثر من 10% من الحالات مقاومة للأدوية. كما وجدت دراسة أجريت بالتعاون بين منظمة الصحة العالمية ومؤسسة بيل وميلندا جيتس أن 6 إلى 11% من الإصابات الجديدة تتضمن أشكالًا مقاومة للعقاقير المضادة للفيروس، لترتفع نسبة المقاومة إلى 23% سنويًا. وبمجرد حصول الأفراد على العلاج اليومي، ارتفعت نسبة مقاومة الأدوية في عام 2017 إلى 90% في بعض البلدان، مما يعني أنه لم يعد من الممكن التحكم في العدوى الجديدة في تلك المناطق باستخدام علاجات الخط الأول التي تبلغ 75 دولارًا في السنة. وقد كشف استطلاع أُجري في الكاميرون مؤخرًا أن غالبية المرضى الذين فشلوا في علاجاتهم الأساسية – حوالي 88% منهم – أصيبوا بسلالات مقاومة من فيروس نقص المناعة البشرية، حيث بلغت معدلات مقاومة الدواء هناك 18% في عام 2018.

وما زاد الوضع سوءًا هو أن مكافحة المرض لم تعد من الأولويات، سواء في التمويل أو العمل الفردي. تنقل جاريت عن تقرير جديد أعدته لجنة الأمم المتحدة المعنية بفيروس نقص المناعة البشرية دعوتها إلى زيادة عاجلة في جهود الوقاية في جميع أنحاء العالم. تشير الإحصاءات إلى أن معدلات الأمراض المنقولة جنسيًا «STDs» – الزهري، والسيلان، والكلاميديا، والهربس، وأشكال مختلفة من التهاب الكبد – تقفز بشكل صاروخي، خاصة بين الشباب المثليين في أوروبا وأمريكا الشمالية. وقد ظهر في أستراليا والمملكة المتحدة نوع من أنواع مرض السيلان غير القابلة للعلاج، ما يسمى بـ(XDR)، بمعنى المقاوم للأدوية على نطاق واسع؛ مما أثار الفزع في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي. إذا كان الشباب الناشطون جنسيًا يستخدمون الواقيات الذكرية ويتبعون إرشادات الجنس الآمن التي من شأنها حمايتهم من فيروس نقص المناعة البشرية، فإن الأمراض الأخرى المنقولة جنسيًا لن تكون طبيعية.

التحدي الديموغرافي

يساهم تغير التركيبة السكانية في عودة ظهور مرض الإيدز – تكشف جاريت – إذ ينمو عدد سكان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بأسرع معدل على وجه الأرض، ومن المتوقع أن يزداد إلى 2.5 مليار نسمة بحلول عام 2050.

يحث البنك الدولي الحكومات الأفريقية على إبطاء النمو السكاني لتقليل عدد الأطفال في المجتمع، ولكن في عام 2018 كان 62% من سكان أفريقيا جنوب الصحراء أقل من 25 عامًا. والمجتمعات الأصغر سنًا في العالم هم من الأفارقة، مع متوسط عمر أقل من 18 سنة.

مساعدات أمريكية لبتسوانا لمكافحة الإيدز

إذا ظل معدل المواليد عاليًا على المستوى الإقليمي خلال السنوات العشر القادمة – تشير جاريت – فمن المحتمل أن يتعرض عشرات الملايين من المراهقين والشباب الذين ينشطون جنسيًا للفيروس بحلول العقد الثالث من القرن الحالي. وإذا استمر الوباء في مقاومة الأدوية، فإن غالبية الإصابات بحلول عام 2025 ستتحدى العلاجات ذات الأسعار المعقولة. ثمة مثار قلق آخر وهو ظهور وباء جديد للإيدز، إذ هناك انفجار سكاني في أفريقيا، وأعلى نسبة بين السكان هي للشبان، وهناك عشرات الملايين من البالغين المصابين حاليًا. إن مثل هذا الوباء سيقلل من حجم أزمة الإيدز اليوم.

شح الموارد

تنقل جاريت عن تقرير صدر حديثًا من برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية أن ثمة عجزًا بما يقرب من 19 مليار دولار من الإنفاق على الوقاية والرعاية والعلاج للفيروس للوصول إلى هدف القضاء عليه بحلول عام 2030. ثمة اعتماد على المانحين الخارجيين، حيث تتحمل الولايات المتحدة مسؤولية نصيب الأسد من التمويل. للأسف انخفض بشدة التمويل الصافي على جهود مكافحة فيروس. ومن غير المتصور أن الدول ذات الحد الأدنى من القواعد الضريبية وأغلبية السكان الذين يعيشون على أقل من ثلاثة دولارات في اليوم سوف تكون قادرة على حشد الموارد اللازمة لمعالجة الوباء دون مساعدة خارجية.

تشير لجنة الأمم المعنية بمحاربة المرض إلى أن هناك حاجة بحد أدنى 36 مليار دولار سنويًا لصنع عقاقير جديدة والحد من الزيادة السكانية. ومع ذلك – تنوه جاريت – فقد خفضت ثمانية من 14 دولة مانحة دعمها خلال السنوات القليلة الماضية، وفي بعض الحالات بشكل كبير. ومن المتوقع أن يتراجع التمويل الأمريكي من خلال خطة الرئيس الطارئة للإغاثة من الإيدز «PEPFAR» وسط موجة لخفض المساعدات الخارجية من قبل إدارة ترامب. لقد حدث تهاون خطير، مدفوعًا جزئيًا بالفكرة الخاطئة التي تقول: إن استخدام العقاقير المضادة لفيروس نقص المناعة البشرية أصبح شائعًا، مثل استخدام حبوب منع الحمل الصباحية التي يأخذها الشباب النشطون جنسيًا، بدلًا عن استخدام الواقي الذكري. بالنسبة للملايين من الشباب حول العالم، فإن هذه الاستراتيجية قد أنتجت نوعًا من التذمر الجماعي حول مخاطر فيروس نقص المناعة البشرية.

يرى الكثيرون من قادة جهود مكافحة الفيروس أن اللوم يقع على المبالغة في التفاؤل. وكما قال كريس باير ، الرئيس السابق للجمعية الدولية لمكافحة الإيدز، «لقد ألحقنا الضرر بأنفسنا عن طريق الترويج إلى السياسيين أو المتبرعين أن هذه المشكلة قد حلت على عكس الواقع».

وتؤكد جاريت أن أهم موردين لمكافحة المرض تلقيا القليل من الاهتمام الخطابي والمالي: اللقاح والعلاج. وبغض النظر عن مدى التفاؤل في النماذج التي تتنبأ بانحسار الوباء في منتصف القرن الحادي والعشرين، فمن المستحيل تخيل أن السيطرة العالمية عليه لا تزال ترتكز في المقام الأول على الأدوية اليومية الممنوحة لعشرات الملايين من الأشخاص. إذا استمرت اتجاهات العدوى الحالية، فإنه بحلول عام 2030 سيصاب 22 مليون شخص آخر. هناك 37 مليون مصاب بفيروس نقص المناعة البشرية اليوم، ويموت منهم مليون في السنة. إذا استمر هذا الاتجاه، ولم يتم توسيع العلاج بشكل جذري، فسوف يموت 12 مليون شخص بحلول عام 2030. وقد يعني ذلك أن ما يقرب من 50 مليون شخص سيحتاجون إلى العلاج اليومي بحلول عام 2030، وسوف يصاب الملايين منهم بسلالات تتحدى العقاقير الرخيصة.

وزارة الصحة الأمريكية تجري اختبارات على المشتبه بإصابتهم بالإيدز

وحتى هذا الرقم قد يكون مبالغًا فيه، حيث لا توجد طريقة لحساب الأثر الذي قد يحدثه التغيير الديمغرافي لأفريقيا على الاستكشاف الجنسي للشباب أو تغييرات سلوكية جماعية أخرى قد تفضي إلى انتقال الفيروس. يبدو المستقبل قاتمًا بشكل مروع.

منذ اكتشاف فيروس نقص المناعة البشرية قبل 40 عامًا – تواصل جاريت كلامها – ظهرت طفرات في البيولوجيا الأساسية. لم يتم اكتشاف تسلسل الجينوم البشري بأكمله فحسب، بل أصبح هناك الآن مجموعات تجارية تسمح بفك الجينوم البشري في غضون ساعات بأقل من 1000 دولار. إن تكنولوجيا تحرير الجينات CRISPR وغيرها من ابتكارات التلاعب في المواد الوراثية تجعل من الممكن تغيير الـDNA والـRNA للميكروبات على مستوى النوكليوتيد الواحد بدقة. إن الأدوات التي استخدمتها البكتيريا لبلايين السنين لدرء الفيروسات المشابهة لفيروس نقص المناعة البشرية يتم تعديلها الآن لأغراض طبية. وقد صنف الباحثون التفاعلات بين الميكروبات الموجودة داخل جسم الإنسان ونظام المناعة المعقد للغاية؛ مما استحضر اكتشافات شبه يومية عن كيفية برمجة خلايا الجسم والكيمياء الحيوية لمحاربة السرطان، واللويحات المسببة لأمراض القلب، والاضطرابات الوراثية والالتهابات.

لقد وصلت الحرب مع الإيدز إلى منعطف خطير وحرج؛ مما فرض إعادة تقييم جماعي للاستراتيجيات المستخدمة لعلاج المصابين ومنع انتشار الفيروس. يجب أن يكون هذا نقطة محورية لإعادة التفكير في المهمة العلمية؛ مما يجلب حيوية جديدة وطاقة قوية للبحث عن استجابة نظام المناعة الفعالة للفيروس القاتل المتغير باستمرار.

يجب النظر إلى استراتيجية العلاج المستخدمة الآن من لندن إلى بريتوريا على أنها فرصة لشراء الوقت، وإنقاذ الأرواح، إلى أن يتم اكتشاف التكنولوجيا التي يمكنها بالفعل درء خطر فيروس نقص المناعة البشرية. لكن رمال الوقت تتدفق من خلال الساعة الرملية بسرعة. ستخون البشرية أطفال اليوم إذا كبروا ليواجهوا نفس المجموعة الصغيرة من الخيارات المستخدمة اليوم لحماية أنفسهم من العدوى.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد