اختار الأمير تشارلز وزوجته كاميلا مصر لتكون أول وجهة خارجية لهما منذ تفشي الجائحة. وبغض النظر عن إرث الاستعمار البريطاني فقد رأوا شيئًا جديدًا حسب ما جاء في تقرير أعدَّته فيفيان يي ونشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية.

تلفت المراسلة في مطلع تقريرها إلى أن الزيارة الملكية صُمِّمت بعناية شديدة؛ فقد أغلقت السلطات المصرية الطرق وأزالت القمامة وأبعدت سائقي العربات التي تجرها الحيوانات والباعة الجائلين والسياح، وذلك حرصًا منها على أن تبدو الأهرامات في أبهى صورة أمام أعين الأمير تشارلز وزوجته كاميلا دوقة كورنوال، لكن لم يضع أحد في حسبانه ذلك الكلب الضال الذي بدا في المشهد.

مشهد غير متوقع

وأشارت الكاتبة إلى أن هيئة الكلب القذرة بدت جلية للغاية، إذا كان يتجول عبر الطريق ويهز ذيله، بالضبط في الوقت الذي اقتربت فيه سيارة بي إم دبليو الملكية السوداء من الهرم الأكبر. وعندها علا صراخ محموم، وهرول الكلب، وتنفَّس الرجال مرتدو البذلات الرسمية الصعداء. وتوقف أصحاب السمو الملكي وابتسما، ثم انطلقا في جولة بصحبة المرشدين، بينما يمسك تشارلز بذراع كاميلا لمساعدتها على أن تخطو فوق الصخور.

Embed from Getty Images

كانت الجولة بعد ظهر يوم الخميس هي أول زيارة للعائلة المالكة لمصر منذ عام 2006، وهي أول رحلة للعائلة خارج بريطانيا منذ بدء تفشي جائحة فيروس كورونا، وهي رحلة وجدها المهتمون بشؤون العائلة المالكة أكثر جاذبية بالنظر إلى الحالة الصحية الهشة لوالدة تشارلز، الملكة إليزابيث الثانية، التي تنازلت عن واجبات السفر لابنها.

مصر مختلفة

لكن – وبحسب ما تستدرك المراسلة – مصر التي رآها تشارلز لم تكن هي مصر نفسها التي رآها قبل 15 عامًا، ولا هي مصر التي زارها أمير ويلز سابقًا على ظهر الجِمال في عام 1889، بعد سبع سنوات من غزو بريطانيا لمصر وبدء احتلالها الطويل الذي دام ستة عقود.

وعلى الرغم من ظهور الكلب الضال في المشهد، إلا أن مصر الآن ليست مستعمرة لأحد، بحسب التقرير.

ولفتت المراسلة إلى أن المحطة التالية للعائلة المالكة بعد الأهرامات يوم الخميس قالت كثيرًا عن المكان الذي ترى مصر فيه نفسها، في ظل حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي: مطعم جديد أنيق يطل على الأهرامات وهو إحدى ثمار الحملة التي قادتها الحكومة لتجميله، حيث تسهم القمامة المتساقطة على جانبيه، والباعة الجائلون المتلهِّفون للحصول على الزبائن في طمس روعته.

عربي

منذ 4 أسابيع
«نيويورك تايمز»: بعد إلغاء «الطوارئ».. مصر توسع الصلاحيات الأمنية للرئيس والجيش

والواقع أن السيسي لديه تغيير مخطط له في كل أنحاء مصر تقريبًا. ففي اندفاعه إلى تحديث الدولة الأكبر عربيًّا من حيث عدد السكان في العالم العربي، يعمل على بناء عاصمة جديدة مترامية الأطراف، وإنشاء طرق وجسور (كباري) جديدة عبر وسط القاهرة، وهدم الأحياء الفقيرة العشوائية، بل حتى القضاء على مركبات التوك توك، وهي سيارات الأجرة ذات العجلات الثلاث المستخدمة في عديد من البلدان الفقيرة.

وبعد سنوات من الاضطرابات السياسية وأعمال العنف التي أعقبت ثورة مصر عام 2011، أعاد السيسي، الجنرال السابق الذي تولى السلطة بعد انقلاب عسكري أطاح بالرئيس المنتخب في عام 2013، مكانة البلاد باعتبارها قوة إقليمية لها وزنها، فهي مضيف قمة المناخ المقبلة للأمم المتحدة، ومنافس صاعد في صناعة الغاز الطبيعي، ووجهة تجارية لعمالقة الطاقة والدفاع الأوروبيين، وشريك مهم للولايات المتحدة في القضية الإسرائيلية الفلسطينية.

تصدير صورة جديدة

ونقلت الكاتبة عن حفصة حلاوة، باحثة مصرية – عراقية – بريطانية غير مقيمة في معهد الشرق الأوسط، قولها: «فيما يخص مصر، تمثل هذه الزيارة خطوة تالية مهمة، إذ يواصل النظام تشكيل صورة جديدة». وقالت: إن الزيارة «تصادق على ثقة النظام المتزايدة بنفسه». كل هذا على الرغم من القمع المتصاعد وانتهاكات حقوق الإنسان التي شكَّلت حكم السيسي. فقبل يوم من وصول تشارلز وكاميلا، حكمت محكمة مصرية على ثلاثة شخصيات معارضة بارزة بالسجن لمدد طويلة.

Embed from Getty Images

ونوَّهت الكاتبة إلى أنه كان هناك توتر بسيط يحيط بوصول العائلة المالكة، وذلك في ضوء أن البلدين لهما مثل هذا التاريخ الحافل، فقد حكمت بريطانيا مصر باعتبارها مستعمرة كاملة ما عدا الاسم حتى الخمسينات من القرن الماضي، وجنَّدت العمال الفلاحين، وقمعت المعارضة بعنف وسيطرت على الموارد المالية لمصر. (جاءت الاعتراضات الرئيسة من الجانب المصري من أنصار الأميرة ديانا، الذين ضايقتهم الزيارة بسبب معاملة تشارلز لزوجته السابقة).

ولم تزل آثار الحكم البريطاني حاضرة في القاهرة، بداية من نادي الضباط البريطانيين السابق حيث لم يزل بإمكان المصريين من الطبقة العليا لعب الكروكيه، إلى ميدان وسط البلد الذي سمي على اسم تحرير مصر. ولكن من المرجح أن يسمع البريطانيون في مصر المصريين، وهم يتغنون بـ«مانشستر يونايتد» ومحمد صلاح، نجم كرة القدم المصري الذي يلعب لصالح فريق ليفربول، أكثر من الشكوى من سيطرة بريطانيا الطويلة على قناة السويس. حتى أن بعض المصريين يثنون على البريطانيين لبناء السكك الحديدية وغيرها من البنى التحتية، على الرغم من أنها بُنِيت في الأصل لخدمة المصالح الاقتصادية البريطانية، بحسب التقرير.

Embed from Getty Images

وفي إشارة إلى اهتمام تشارلز بالتنوع الديني، انتقل أفراد العائلة المالكة من لقاء السيسي يوم الخميس إلى الأزهر، وهو المركز الأكثر تأثيرًا لتعليم المسلمين في الإسلام السني. ثم انتقلت العائلة إلى الأهرامات، حيث جلبت الحكومة واحدة من كبرى الشركات في مصر لبناء مطاعم جديدة ومركز زوار جديد، وتطوير عرض للصوت والضوء ونقل السياح في جميع الأنحاء بنظام حافلات كهربائية جديد.

وعلى مسافة ليست بالبعيدة يوجد المتحف المصري الكبير، المقرر افتتاحه في الأهرامات العام المقبل بعد تأخير لسنوات عديدة بوصفه واحدًا من أكبر المتاحف في العالم. كل أسبوع، يُنقل مزيد من كنوز المتحف القديم بالشاحنات إلى المتحف الجديد. ويشاهد البعض بأسى تفريغ المبنى، بسحره النبيل المهترِئ. لكن من الصعب إنكار الجاذبية الرمزية لنقل التراث الفرعوني المصري بعيدًا عن مؤسسة حلم بها الأوروبيون، مبنى يحمل أسماء بعض علماء المصريات الأوروبيين الذين نقلوا العديد من القطع الأثرية الأكثر أهمية في مصر إلى أوروبا، وإلى متحف شُيِّد في مصر.

نقطة مؤلمة

وقالت المراسلة إن حيازة أوروبا الدائمة لبعض الآثار المصرية الأكثر شهرة، بما في ذلك حجر رشيد، الموجود في المتحف البريطاني، تعد مجرد نقطة مؤلمة في علاقة مصر المضطربة بالغرب.

ويميل المجتمع المصري، أو المستويات العليا منه على الأقل، نحو الغرب منذ أن أعاد الخديوي إسماعيل، حاكم مصر آنذاك، تشكيل وسط القاهرة بشوارع على الطراز الباريسي، وواجهات على الطراز الأوروبي في ستينات القرن التاسع عشر. واليوم يشتري المصريون الأثرياء منازل في مجتمعات مسورة (كمبوندات) تحمل أسماء مثل بيفرلي هيلز، ويسعون حثيثًا لضمان أن يتعلم أطفالهم اللغة الإنجليزية، حتى لو كان ذلك على حساب اللغة العربية الفصحى، في مدارس دولية خاصة لتحمل كذلك أسماء مثل مالفيرن كوليدج.

Embed from Getty Images

وكتب الروائي المصري يوسف رخا في مقال نُشر عام 2020 بعنوان «برا وزمان»: «عندما تقول برا، «الخارج» بالعامية المصرية، فإن المعنى الضمني الذي يأتي تلقائيًّا إلى ذهنك هو مكان ما أفضل».

يتوق السيسي أيضًا إلى القبول من الغرب، كما تشهد محاولاته للحصول على لقاء وجهًا لوجه مع الرئيس بايدن. لكن حكومته تهاجم الغرب أيضًا لحشد المصريين حول نظامه، وإلقاء اللوم على المعارضة في التدخل الأجنبي، ومحاكمة الجماعات المدافعة عن حقوق الإنسان بتهم ذات دوافع سياسية بتلقي تمويل أجنبي، وصد الانتقادات الغربية لسجل مصر في مجال حقوق الإنسان.

وقد يكون تشويه سمعة الغرب أكثر من مجرد صخب قومي الآن، لكنه متجذر في صراع محتدم ضد الاحتلال البريطاني. ولقمع المعارضة، كان البريطانيون أول من ابتدع التكتيكات القمعية العديدة التي استخدمها السلطويون المصريون لاحقًا ضد مواطنِيهم.

يقول آرون جيكس، أستاذ التاريخ في المدرسة الجديدة الذي كتب كتاب: «احتلال مصر: الاقتصاد الاستعماري وأزمات الرأسمالية»: «المفارقة هنا هي أن العديد من الأساليب والمؤسسات التي استخدمتها الدولة المصرية للاعتقال والتعذيب والقتل في بعض الأحيان لأعدائها المفترضين نُفِّذت وطوِّرت للحفاظ على الحكم الاستعماري البريطاني الفعلي».

واستخفَّ المحتلون البريطانيون بالمصريين باعتبارهم متخلفين وغير مؤهلين لحكم أنفسهم. وغالبًا ما يبدو أن السيسي لا يفكر كثيرًا في المصريين، الذين كثيرًا ما يحثهم على إنقاص الوزن والتوقف عن إنجاب كثير من الأطفال. وربما كان هذا هو السبب في أن السلطات أمضت الساعات التي سبقت وصول تشارلز وكاميلا إلى الأهرامات في إبعاد معظم المصريين.

وتختم الكاتبة تقريرها بالإشارة إلى أن الطريق الذي جرى إفراغه قبل الزيارة من العربات التي تبيع القهوة وبائعي البطاطا الحلوة المشوية اصطف على جانبيه بدلًا عن ذلك ضباط الشرطة والأعلام البريطانية المرفرفة. وغابت الجِمال عن الأهرامات ولو لمرة واحدة، ولكن حضرت الكلاب الضالة فقط.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد