قال صامويل راماني في تقرير لمجلة «فورين بوليسي» إن منطقة الساحل في غرب أفريقيا، وهي منطقة شبه قاحلة جنوب الصحراء الكبرى تمتد من السنغال إلى إريتريا، تشهد أزمة أمنية كبيرة.

منذ عام 2016، تضاعفت الهجمات الإرهابية خمسة أضعاف في بوركينا فاسو ومالي والنيجر. وفي فبراير (شباط)، ذكرت وكالة الأمم المتحدة للاجئين أن 4 آلاف شخص في بوركينا فاسو يتعرضون للنزوح كل يوم بسبب العنف السياسي. وقد استمر مسار العنف المتصاعد هذا على الرغم من جائحة كورونا، ويهدد الانقلاب العسكري الذي أطاح الرئيس المالي إبراهيم بوبكر كيتا من السلطة في 18 أغسطس (آب) بمزيد من زعزعة الاستقرار في منطقة هشة بالفعل.

مع استمرار تدهور الوضع الأمني في منطقة الساحل – يضيف راماني – تجري مناقشة أسباب تصاعد العنف، لكن لا أحد يتخذ الإجراءات المناسبة لمواجهته.

اقتصاد الناس

منذ 4 شهور
خُمس سكانها «جائعون».. حكاية إفقار أفريقيا المستمرة منذ الثمانينات

تؤكد وزارة الخارجية الأمريكية بشكل روتيني على دور الجماعات الإرهابية العابرة للحدود، مثل القاعدة وداعش، في إشعال الأزمة الأمنية في الساحل. وتسلط التقارير الواردة من وكالات التنمية ومراكز الفكر الضوء بانتظام على مؤسسات الدولة الهشة، والاستبداد، وتغير المناخ باعتبارها عوامل تسبب عدم الاستقرار. ومع ذلك، يختلف صناع السياسة حول ما إذا كان ينبغي تخصيص الموارد لجهود مكافحة الإرهاب أو لمبادرات التنمية.

على الرغم من هذه المناقشات المكثفة، غالبًا ما يجري تجاهل أحد العوامل الحيوية التي تساهم في انعدام الأمن في منطقة الساحل: أزمة الحوكمة الدولية. بدلاً من اتخاذ خطوات بناءة لمعالجة مجموعة التحديات التي تواجه منطقة الساحل، تعمل القوى العظمى والمؤسسات الإقليمية على تفاقم مشاكل المنطقة.

التدخلات الخارجية سبب الأزمة

نظرًا لتركيزها الشديد على المنافسة الجيوستراتيجية واستعدادها للمساواة بين الاستبداد والاستقرار – يشير راماني – فقد عملت القوى العظمى مثل فرنسا والولايات المتحدة وروسيا والصين، على إدامة الظروف التي تساهم في تصاعد العنف السياسي في الساحل. فاقمت المؤسسات الإقليمية مثل الاتحاد الأفريقي والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (ECOWAS) من أزمة الحكم بسبب الافتقار إلى التنسيق الاستراتيجي واستخدامهم غير الفعال للموارد العسكرية.

على الرغم من اشتداد المنافسة بين القوى العظمى في منطقة الساحل في السنوات الأخيرة، تظل فرنسا القوة الأمنية المهيمنة في المنطقة. في يناير (كانون الثاني) 2013، استجابت فرنسا لطلب رسمي من الحكومة المالية للحصول على المساعدة من خلال إطلاق عملية سيرفال – وهو تدخل لمكافحة الإرهاب أوقف تقدم المسلحين الإسلاميين المتطرفين من شمال مالي إلى وسطها. في أغسطس 2014، شرعت فرنسا ودول الساحل الخمس (G-5) (بوركينا فاسو وتشاد ومالي وموريتانيا والنيجر) في حملة لمكافحة الإرهاب على مستوى المنطقة تسمى عملية برخان.

أدت ضربة فرنسية يوم 3 يونيو (حزيران) هذا العام إلى مقتل عبد المالك دروكدال زعيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. كما تعاونت فرنسا عسكريًّا مع بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في مالي. تنشر هذه البعثة ما يصل إلى 13289 جنديًا و1920 ضابط شرطة في منطقة الساحل، وترصد انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها الجماعات المسلحة في المنطقة.

Embed from Getty Images

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستقبل رئيس النيجر محمدو إيسوفو 

على الرغم من هذه النجاحات العسكرية – يستدرك راماني – أدى نهج فرنسا في مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل إلى تفاقم الأزمة الأمنية. ومع أن العمليات العسكرية الفرنسية تعتمد على الاستخبارات الأمريكية والدعم اللوجستي من حوالي 800 فرد أمريكي منتشرين في النيجر، فإن تفضيل فرنسا للأحادية في غرب أفريقيا قد حد من قدرتها على العمل مع واشنطن على تطوير استراتيجية أمنية إقليمية. في عام 2017، قدمت فرنسا اقتراحًا للأمم المتحدة يدعو إلى نشر قوة أمنية أفريقية قوامها 5 آلاف رجل في منطقة الساحل، مما أزعج المسؤولين الأمريكيين لعدم التشاور معهم بشأن خططها.

أصبحت العواقب السلبية للأحادية الفرنسية واضحة في الأشهر الأخيرة. يؤكد توسع العنف السياسي في منطقة الساحل، على الرغم من زيادة الوجود العسكري الفرنسي من 4500 إلى 5100 جندي في فبراير، عجز فرنسا عن حل الأزمة الأمنية في الساحل بمفردها ويزيد من خطر التمدد العسكري الفرنسي المفرط في غرب أفريقيا.

انفراد فرنسا بالنفوذ أضر بالمنطقة

ينتشر قرابة 5100 جندي في منطقة الساحل عبر مالي وتشاد والنيجر وبوركينا فاسو وموريتانيا – يؤكد راماني – كما نشر الجيش الفرنسي ألف جندي في ساحل العاج للمساعدة في مكافحته للتطرف الإسلامي، فضلًا عن أن دعم فرنسا القوي للقادة الاستبداديين في المنطقة، مثل الرئيس التشادي إدريس ديبي، يخلط بين الاستبداد والاستقرار ويغرس بذور السخط الذي يغذي التطرف في المنطقة.

أدى ضعف التزام الولايات المتحدة بتحقيق الاستقرار في منطقة الساحل إلى تفاقم التوسع المفرط لفرنسا وقلل من قدرة المجتمع الدولي على مكافحة التطرف في غرب أفريقيا. وعلى الرغم من معارضة الحزبين والاعتراضات الشديدة من وزيرة الدفاع الفرنسية فلورنس بارلي، ألمح وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر بقوة في 27 يناير إلى سحب قوات مكافحة الإرهاب الأمريكية من منطقة الساحل.

في أبريل (نيسان)، قلص البنتاجون رحلات الإجلاء الطبي للقوات الأمريكية التي تقاتل في غرب أفريقيا. ولدى المسؤولين الأمريكيين أيضًا وجهة نظر متشككة بشأن بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في مالي، على الرغم من أنها كانت بمثابة مانع جزئي للعنف السياسي في المناطق الوسطى من البلاد. وضع هذا الموقف الرافض إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مسار تصادمي مع فرنسا في وقت كان فيه زيادة التعاون أمرًا ضروريًا.

وعلى الرغم من أن الأحادية الفرنسية وانسحاب الولايات المتحدة كانا أهم المساهمين في أزمة الحوكمة الأمنية في منطقة الساحل – يكشف راماني – إلا أن مقاربات روسيا والصين للأمن الإقليمي قد فاقمت هذه المشكلة أيضًا. يعزز نهج روسيا المتساهل في بيع الأسلحة بغرب أفريقيا جهود فرنسا لجعل الاستبداد الترياق المضاد للتطرف. لا تهتم اتفاقيات التعاون العسكري الروسية مع بوركينا فاسو وتشاد والنيجر ومالي بحالة حقوق الإنسان هناك، ودعمت موسكو الرئيس الغيني ألفا كوندي على الرغم من قمعه المتظاهرين السلميين.

ربما تكون اتفاقية التعاون العسكري بين روسيا ومالي في يونيو 2019 قد أدت إلى تدريب العسكريين الماليين المتورطين في انقلاب 18 أغسطس، ولكن هناك أيضًا تقارير تفيد بأن الحكومة الأمريكية دربت مدبري الانقلاب. أما بالنسبة لبكين، على الرغم من رغبتها في توسيع نطاق مبادرة الحزام والطريق إلى منطقة الساحل، إلا أن الصين لم تقدم سوى تضامن خطابي غامض مع أهداف مكافحة الإرهاب لكتلة الدول الخمس الأفريقية.

على الرغم من أن عدم قدرة القوى العظمى على تطوير استراتيجية أمنية منسقة لمنطقة الساحل قد ألهم دعوات «لحل المشكلات الأفريقية بطرق أفريقية»، إلا أن المؤسسات الإقليمية لم تصعد لمواجهة التحدي. في 27 فبراير، تعهد الاتحاد الأفريقي بنشر 3 آلاف جندي في منطقة الساحل، لكن سفير جنوب أفريقيا لدى الاتحاد الأفريقي، إدوارد إكسوليسا ماكايا، صرح لاحقًا أنه لم تعرض أي دولة التطوع بقوات، ولا يزال من غير الواضح كيف سيجري تمويل عملية الاتحاد الأفريقي؟

وقد انتقد العديد من المراقبين الاتحاد الأفريقي لعدم نشره القوة الاحتياطية الأفريقية في منطقة الساحل – يقول راماني – حيث تفضل بعض الدول الأعضاء عمليات نشر مخصصة على المدى الطويل.

كما أن استجابة المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا للأزمة الأمنية في الساحل قد شابها عدم الترابط الاستراتيجي. بدلاً من استنباط رؤية متماسكة لمكافحة التمرد في منطقة الساحل، أسندت الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا مسؤولياتها الأمنية إلى مبادرات مثل مجموعة جدول الساحل الخمس وفرقة العمل المشتركة متعددة الجنسيات، التي تسعى إلى تحقيق الاستقرار في منطقة بحيرة تشاد.

بسبب تخليها عن مسؤوليتها، فإن تعهد المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا بإنفاق مليار دولار على أمن الساحل من 2020 إلى 2024 انتشر بشكل ضئيل وترك مبادرات مكافحة الإرهاب الفردية تفتقر إلى الأموال. وقد أدى فشل المجموعة في التخفيف من الأزمة السياسية المستمرة في مالي إلى تقويض مصداقيتها بوصفها مزودًا للأمن في منطقة الساحل.

بعد اجتماع قادة المجموعة للمفاوضات في باماكو في 23 يوليو (تموز)، أعلن محمود ديكو، زعيم حركة 5 يونيو المعارضة في مالي، أنه لم يتم إحراز أي تقدم في المحادثات. كما أن تهديد المجموعة بفرض عقوبات على الفصائل السياسية المالية التي تعطل التسوية السلمية لم يردع الانقلاب.

على الرغم من أنه من غير المرجح أن يتم التوصل إلى حل شامل لأزمة الحوكمة الأمنية في منطقة الساحل قريبًا – يؤكد راماني – إلا أن هناك خطوات بناءة يمكن للقادة اتخاذها على الفور. يجب على الولايات المتحدة وفرنسا التأكيد على تعاون القوى العظمى؛ ويجب على واشنطن وقف جهودها لتقويض مهمة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في مالي؛ وأن تساعد ماديًا في جهود فرنسا لهزيمة جماعة نصر الإسلام والمسلمين، شريك القاعدة في مالي، بدلاً من مجرد السعي لاحتواء نموها.

نظرًا لأن الولايات المتحدة والصين تشعران بالقلق إزاء الإرهاب العابر للحدود الناشئ من منطقة الساحل، يمكنهما استغلال أزمة مالي باعتبارها فرصة نادرة لإيجاد أرضية مشتركة. ويجب على فرنسا الامتناع عن دعم الأنظمة الاستبدادية في منطقة الساحل، وتشجيع شركائها الأوروبيين على المساهمة بقوات مكافحة الإرهاب في المنطقة، وبحث أمن غرب أفريقيا في حوارها الاستراتيجي مع روسيا.

من أجل الحد من المخاوف من الاستعمار الجديد في منطقة الساحل وتجنب رد الفعل العكسي الناتج عن عمليات مكافحة الإرهاب الأمريكية الأحادية في الصومال، يجب أن تقترن مشاورات القوى العظمى بالمشاركة الإقليمية. يمكن أن تعزز المساعدة المالية الدولية فعالية كتلة مجموعة الدول الخمس والمبادرات الأخرى التي حلت محل المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، في حين يمكن للدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة دعم الجهود الإقليمية للتوسط في الأزمات الإقليمية.

ويجب على القوى العظمى أيضًا دعم مبادرات مثل وساطة المغرب أثناء أزمة مالي وجهود التحكيم الجزائرية الدورية في منطقة الساحل. أخيرًا – يضيف راماني – نظرًا لأن الأسلحة المستخدمة خلال الحرب الأهلية الليبية عام 2011 فاقمت الأزمة في مالي من عام 2012 إلى عام 2013، وأن أمن الساحل يتوقف على الاستقرار في شمال أفريقيا، ينبغي على الولايات المتحدة أن تضطلع بدور دبلوماسي أكثر نشاطًا في ليبيا.

مع دخول انتشار العنف السياسي في غرب أفريقيا عامه الخامس، وكون مستقبل مالي السياسي على المحك، يجب على القوى العظمى والجهات الفاعلة الإقليمية معالجة أزمة الأمن والحوكمة في منطقة الساحل بدلاً من تدليل المستبدين سعيًا وراء الاستقرار لتحقيق أهدافها الجيوستراتيجية الضيقة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد