تُقَدَّم الصين باعتبارها العدو الوجودي الجديد للغرب، تمامًا كما كان الإسلام قبل 20 عامًا.

كتب الصحفي بيتر أوبورن مقالًا في موقع «ميدل إيست آي» حول التنُّمر الغربي الجديد بالصين على خلفية تفشي فيروس كورونا، ويرى الكاتب أن الغرب في سعيه لإيجاد عدو بديل للإسلام، تلك العداوة التي استمرت عشرين عامًا، وقع اختياره على الصين لتكون هذا العدو الجديد.

تاريخ

منذ شهر
معركة بريفيزا 1538.. أحد أكبر الانتصارات الإسلامية البحرية في البحر المتوسط

يستهل المقال بالإشارة إلى مرور أكثر من ربع قرن تقريبًا، منذ أن كتب العالم السياسي الأمريكي صامويل هنتنجتون مقالته الشهيرة عن صدام الحضارات، التي هيأت الأجواء لسلسلة من الحروب. كتب هنتنجتون مقالته بعد سقوط جدار برلين ونهاية الحرب الباردة بين روسيا السوفيتية والغرب. وبدلًا من أن يسود عهد السلام، توقع هنتنجتون صراعًا جديدًا بين ما اعتبره عدوين لا يمكن التوفيق بينهما: الإسلام والغرب.

أكد هنتنجتون أن الهوية، وليس الأيديولوجية، تكمن في قلب السياسة المعاصرة. وسأل: «من أنت؟ وكما نعلم، من البوسنة إلى القوقاز إلى السودان، فإن الإجابة الخاطئة عن هذا السؤال يمكن أن تعني رصاصة في الرأس». وأضاف: «الإسلام له حدود دموية».

«صراع الحضارات».. قادة الغرب وإعلامه على خُطا هنتجنتون

سار السياسيون الغربيون مثل الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن ورئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير على خطا هنتنجتون. وخلال ربع القرن الماضي، كانت العديد من الدول الإسلامية في بؤرة استهداف الولايات المتحدة وحلفائها.

في هذه الأثناء، جرى تصوير المسلمين في وسائل الإعلام الغربية في كثير من الأحيان على أنهم أيديولوجيون خارجون عن القانون ومتطرفون ويمثلون تهديدًا وجوديًا للعالم. وأدى ذلك إلى ظهور رهاب الإسلام (الإسلاموفوبيا) الخبيث في الغرب مع صعود الأحزاب السياسية اليمينية المتطرفة في أوروبا.

هل يخفت العداء ضد الإسلام بعدما تضع الجائحة أوزارها؟

يقول بيتر أوبورن، كبير كتاب الأعمدة السياسية سابقًا في صحيفة «ديلي تيليجراف»: سأدفع اليوم بأن الكثير من هذا العداء المؤذي قد يخفت قريبًا في أعقاب مأساة فيروس كورونا. ويعود ذلك جزئيًا إلى أن التضحيات التي قدمها المسلمون (وخاصة في بريطانيا) واضحة للغاية وكانت كبيرة جدًا، لدرجة أن هذا قد يؤدي إلى تغيير متأخر في الاتجاهات العامة. إذ كان أول أربعة أطباء يموتون بسبب تفشي المرض كلهم من المسلمين.

ولكن هناك عامل ثان له تأثيره: إن جائحة فيروس كورنا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية. والغرب يريد، وربما يحتاج إلى، عدو، وآخر هدفًا له هي: الصين.

المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية في مؤتمر صحفي حول كورونا – فبراير 2020

الصين في بؤرة الاستهداف.. تغيّر العدو والأبواق واحدة

تُقَدَّم الصين على أنها العدو الوجودي الجديد، تمامًا كما كان الإسلام قبل 20 عامًا. ونفس الأشخاص الذين ألبسوا الإسلام ثوب العدو بالأمس، هم أنفسهم الذين يخلعون على الصين اليوم الخُلعَة ذاتها. كتاب أعمدة الصحف أنفسهم، ومراكز الأبحاث نفسها، والأحزاب السياسية نفسها، ووكالات المخابرات نفسها.

بعد مقال هنتنجتون الشهير الذي قاد الهجوم ضد المسلمين -أو ما يسمونه غالبًا بالإسلام الراديكالي- ها هم يوجهون انتباههم الآن إلى الشرق الأقصى.

بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قائد الهجوم على المسلمين، الآن في مهاجمة الصين، مثلما هاجم سلفه الجمهوري بوش العراق في عام 2003 و«محور الشر» قبل 20 عامًا. وخلال حملته عام 2016، اتهم الصين «باغتصاب» الاقتصاد الأمريكي، غير أن هجمات ترامب، منذ تفشي كوفيد-19، اكتسبت سرعة وزخمًا. إذ اتهم الصين بالتستر على الفيروس والكذب بشأن حصيلة الوفيات.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، أوقف حتى التمويل الأمريكي لمنظمة الصحة العالمية، واصفًا إياها أيضًا بأنها «متمركزة حول الصين». وقامت الصحف البريطانية، التي استهلكت أوراقها غابات بأكملها للتنفيس عن سخطها ضد المسلمين، بتحويل دفة تركيزها إلى التهديد الصيني.

نشرت صحيفة «ذا صن»، التي كانت تقرع الطبول لغزو العراق في عام 2003، تقريرًا يدعي أن الفيروس طورته الصين عمدًا «لكي تثبت أنها أعظم من الولايات المتحدة في مكافحة الأمراض الفتاكة». وساعدت وكالة الاستخبارات الخارجية البريطانية MI6، لإقامة الحجة الداعمة لهجوم بلير المفجع على العراق، في الملف سيئ السمعة بشأن أسلحة الدمار الشامل في العراق.

الآن توجد الصين في مرمى البصر.

هل هذه وجهة النظر الرسمية للحكومة البريطانية؟

يتابع بيتر أوبورن مقاله: أدهشني رئيس الاستخبارات الخارجية البريطانية السابق السير جون ساورز كثيرًا، أثناء حديثه في برنامج «توداي» على قناة «بي بي سي»، بإبداء التعاطف مع وقف ترامب تمويل منظمة الصحة العالمية. وقال: «هناك غضب عميق في أمريكا حول ما يرون أنه ضرر ألحقته الصين بنا جميعًا، بينما تتهرب الصين من قدر كبير من المسؤولية عن أصل الفيروس، لفشلها في التعامل معه في البداية».

في بريطانيا، يُنظر دائمًا إلى تصريحات قادة وكالات الاستخبارات السابقين على أنها تمثل وجهة النظر الحالية داخل الوكالة.

من ناحية أخرى، قال رئيس الوزراء البريطاني بالإنابة دومينيك راب إنه بعد الانتهاء من «فيروس كورونا» لن يكون هناك «شك» في أن «الأمور لن تسير على النحو المعتاد» مع الصين. واستخدمت ميلاني فيليبس، إحدى كبار كتاب الأعمدة في الصحف، والتي دأبت على انتقاد ما يسمى بـ«الإسلام المتطرف»، عمودها في صحيفة التايمز للتحذير من أن الغرب لم يعد بإمكانه «غض الطرف» عن الصين.

Embed from Getty Images

رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون في استقبال الرئيس الصيني شي جين بينج في زيارته لبريطانيا  

التستُّر.. تهمةٌ لا تلاحق الصين وحدها

بالطبع، هناك أسباب وجيهة لانتقاد الصين. وهناك أدلة تشير إلى أن الصين لم تتصرف بشفافية خلال المراحل الأولى من تفشي المرض أو تفصح عن العدد الحقيقي لحالات الإصابة لديها. من ناحية أخرى، فإن العديد من الدول الأخرى (بما في ذلك بريطانيا) مذنبة بالتستر والخداع أيضًا. هذا ما يجعل تغيير الأجواء بشأن الصين ملحوظًا للغاية. حتى المراكز البحثية التابعة للمحافظين الجدد، التي حرضت ضد مظاهر الإسلام لفترة طويلة، وجدت خصمًا جديدًا.

كانت جمعية هنري جاكسون HJS واحدة من أكثر المنتقدين ثباتًا لما تحب أن تصفه بـ«الإسلام الراديكالي» أو الإسلاموية. الآن، تتصدر الركب بسلسلة حديثة من التقارير والبرامج الإعلامية التي تهاجم الصين. والواقع أن هجماتهم على الصين في الأشهر الأخيرة ازدادت زيادة هائلة.

وكان آخر الأنشطة استطلاع أجرته جمعية هنري جاكسون، وشكل أساس مقال نشر في صحيفة التايمز الأسبوع الماضي، ووجد أن «أكثر من 80 في المئة من البريطانيين يريدون من بوريس جونسون الضغط من أجل تحقيق دولي حول تعامل الصين مع التفشي الأولي لفيروس كورونا».

وكتب جون هيمينجز، وهو زميل في جمعية هنري جاكسون، في صحيفة تيلجراف يدعم سحب ترامب التمويل لمنظمة الصحة العالمية، وحذر من النفوذ الصيني «الخبيث» المتزايد. وأطلق ماثيو هندرسون، مدير مركز دراسات آسيا في جمعية هنري جاكسون، سلسلة جديدة من مقاطع الفيديو مع صحيفة «ذا صن» بعنوان قضايا ساخنة Hot Takes.

الحلقة الأولى تتساءل «هل تفشي فيروس كورونا هو تشيرنوبل الصينية؟».

كما كان تقرير لجمعية هنري جاكسون أيضًا هو الذي وفر الأساس لمقال في صحيفة «ميل أون صنداي» يقترح على بريطانيا ملاحقة بكين في المحاكم الدولية، للحصول على مبلغ قدره 351 مليار جنيه إسترليني (437 مليار دولار) تعويضًا عن تفشي المرض. وقام معهد جيتستون بإجراء مقارنة سافرة بين الصين والإسلام المتطرف. ووصف المعهد على نحوٍ مثير للسخرية تفشي فيروس كورونا بأنه «لحظة 9/11 أخرى بالنسبة للغرب». 

يكمل الكاتب: صديقي القديم كون كوجلين، هو محرر الدفاع والشؤون الخارجية في صحيفة تليجراف وزميل كبير بارز في معهد جيتستون. دعم الرجل حرب العراق بحماسة، وهو الآن يدعو رئيس منظمة الصحة العالمية «الموالي للصين» إلى الاستقالة.

تواصلت «ميدل إيست آي» مع جمعية هنري جاكسون للحصول على تعليق لكنها لم تتلق ردًا.

«خط الصدع» الجديد

قد يقول البعض: إنه منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، كان الغرب بحاجة إلى عدو بديل. 

عليك أن تضع في اعتبارك تحذير هنتنجتون المتعلق بصراع الحضارات من أن «خطوط الصدع بين الحضارات ستكون هي خطوط معركة المستقبل»، وهذا لا يتعلق فقط بالحضارة الإسلامية، بل حذر هنتنجتون من حضارة «منافسة» ثانية إلى جانب الإسلام. والصين، وفقًا لهنتنجتون، هي أقوى تهديد طويل الأجل للغرب.

يضيف بيتر أوبورن: لن يتغير كل شيء بين عشية وضحاها. أشعر أن إيران ستبقى في مرمى البيت الأبيض، مثلما ستبقى قوة العلاقة الشخصية بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

ولكن ربما نكون قد وصلنا الآن إلى نهاية الفترة الطويلة التي كان فيها «خط الصدع» الرئيسي هو: الإسلام. ربما يكون الغرب قد وجد لنفسه الآن عدوًا جديدًا. وإذا كان الأمر كذلك، يمكن للمسلمين أن يتنفسوا بحرية أكبر.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد