نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية تقريرًا لبينديكت روجرز، محلل شؤون شرق آسيا في «منظمة حقوق الإنسان الدولية (CSW)» ونائب رئيس لجنة حقوق الإنسان التابعة لحزب المحافظين في المملكة المتحدة، تناول فيه الأوضاع بدولة ميانمار في أعقاب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالحكومة ورئيسة الوزراء المنتخبة؛ ما يشكِّل اعتداءً صارخًا على الديمقراطية؛ الأمر الذي يستدعي تدخلًا حاسمًا من جانب الغرب لضرب جنرالات الانقلاب ضربةً موجعة وعدم السماح لهم بالبقاء أو الاستمرار في الانقلاب مهما كانت إخفاقات رئيسة وزراء البلاد أون سان سو تشي.

انقلاب الجيش أصاب الديمقراطية في مقتل

يستهل الكاتب تقريره بالقول: إن تاريخ ميانمار حافل بالانقلابات، لكن الانقلاب الذي وقع يوم الاثنين الماضي لم يسبق له مثيل. إنه انقلاب من الجيش على دستوره، وسُمْعته، وسلطته، وهو انقلاب أيضًا ضد شعب ميانمار، والعملية الديمقراطية العرجاء التي كانت جارية خلال العقد الماضي. إن انقلاب الجيش أشبه بمن يطلق النار على قدمه، لكنه في الواقع أطلق النار على رأس الديمقراطية وأصابها في مقتل.

ويوضح الكاتب أن الصدام بين أهداف القائد العام للقوات المسلحة في ميانمار، الجنرال مين أونج هلاينج، والرئيسة السياسية الفعلية لحكومة ميانمار، أون سان سو تشي، هو صراع بين القِيَم بكل تأكيد، ولكنه أيضًا صراع بين الأنا؛ معركة بين شخصين طموحين يريد كل منهما أن يصبح رئيسًا للدولة. ولكن على مستوى أعمق بكثير، لا يتعلق الأمر بالشخصيات، بل بالمبادئ والمؤسسات والهياكل. إن الأمر يتعلق بالديمقراطية.

Embed from Getty Images

ولهذا السبب وبغض النظر عن الانتقادات التي تستند إلى أسس سليمة لفشل أون سان سو تشي خلال السنوات الأخيرة – لا سيما دفاعها الواضح عن الجيش المتهم بارتكاب إبادة جماعية في محكمة لاهاي شهر ديسمبر (كانون الأول) عام 2019 – يجب على المجتمع الدولي الوقوف بقوة في وجه هذا الانقلاب. ومن الممكن تمامًا أن نربط بين خيبة الأمل العميقة من سجلها في الحكم على مدى السنوات الست الماضية، أو نحو تلك، وبين الغضب من محاولة عزلها ووضعها رهن الإقامة الجبرية مرةً أخرى، على الرغم من فوزها الساحق في الانتخابات التي جرَت في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. ومن ثم سيبدو الغرب متسقًا تمامًا وصادقَا مع نفسه في انتقاده لسجلها في منصب رئاسة وزراء ميانمار، وفي الوقت ذاته انتقاد الإطاحة بها من المنصب على نحو غير قانوني.

أطياف متنوعة من المجتمع قيد الاعتقال

يشير الكاتب إلى أن تنوع النشطاء الذين تعرَّضوا للاعتقال هذا الأسبوع يُظهِر أن هذا الانقلاب هجوم شامل على الديمقراطية، وليس مجرد هجوم على أون سان سو تشي أو حكومتها. ومن بين المعتقلين قادة حركة جيل 88 (حركة بورمية مؤيدة للديمقراطية معروفة بنشاطها ضد الطغمة العسكرية في البلاد. وسجنت الحكومة البورمية عددًا من أعضائها بتهمة الاستخدام غير القانوني لوسائل الإعلام الإلكترونية، وتشكيل منظمة غير مشروعة) مثل مين كو نينج، وميا آي، بالإضافة إلى الرهبان البوذيين الذين انتقدوا الجيش، مثل مياوادي سايادو، وشوي نيا وور سايادو، وآشين سوبيثا، ونشطاء المجتمع المدني، وكُتّاب، وموسيقِي، ومخرج، فيما لجأ عدد من الصحافيين والنشطاء إلى الاختباء بعيدًا عن الأنظار.

دولي

منذ شهرين
«فورين بوليسي»: هل تدعم الصين انقلاب ميانمار؟

ويلفت الكاتب إلى أنه في عام 1958 تولَّى الجنرال ني وين السلطة في ميانمار مؤقتًا في نهاية حكومة ديمقراطية هزيلة. وعاد إلى السلطة بعد عامين، ليستولي بعدها على السلطة في عام 1962 في انقلاب دموي أسفر عن أكثر من نصف قرن من الحكم العسكري بأشكال مختلفة. وجرى تجاهل نتائج الانتخابات التي عُقدت عام 1990 – وكانت الأولى منذ عقود – وسُحِق المتظاهرون بمنتهى الوحشية، وسُجنِت أون سان سو تشي وتعرض أعضاء الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية التي تنتمي إليها للسجن أو النفي أو الحرمان من مناصبهم. واستغرق الأمر أكثر من 15 عامًا من الإقامة الجبرية بالنسبة لأون سان سو تشي، وأحكامًا بالسجن على رفقائِها، لنصل إلى نقطة – قبل 10 سنوات أو أكثر – توصَّل الجيش بموجبها إلى حل وسط يتضمن إطلاق سراح السجناء وإجراء بعض الإصلاحات. 

حلول عسكرية لا تحتمل عودة الديمقراطية

يقول كاتب التقرير إنه قبل عقد من الزمان، وبصفتي ناشط منذ أمد طويل من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في ميانمار، كنتُ واحدًا من أوائل المروِّجين لخطاب جنرالات العسكر الإصلاحي ولموافقة أون سان سو تشي على الحوار معهم.

ويضيف: كنتُ أرى أنه عندما يقدِّم نظام سيئ بعض الإصلاحات بعد طول انتظار، ينبغي أن نرحب به ونشجِّعه أكثر. وشهِدتْ تلك العملية إطلاق سراح السجناء السياسيين، والتفاوض على وقف إطلاق النار مع الجماعات العِرقية المسلحة، وتخفيف القيود المفروضة على المجتمع المدني ووسائل الإعلام. وشهِد العقد الماضي انفتاحًا متأرجحًا مترنحًا متعثرًا هشًّا على الرغم من العقبات الهائلة التي ظهرت في الطريق.

Embed from Getty Images

وشهدت البلاد إجراء انتخابات ديمقراطية، لم تكن على أكمل وجه، ولكن لم يتوفر بالتأكيد دليلٌ على ارتكاب أخطاء واسعة النطاق فيها، وحاولت حكومة ديمقراطية مدنية جاهدة أن توازن بين التزاماتها في مجال حقوق الإنسان وتفاهماتِها مع الجيش. لكنها فشلت فشلًا ذريعًا في الأولى وكانت حريصة جدًّا إلى درجة التنازل والرضوخ في الثانية. ومع ذلك، وبعد كل هذه التنازلات، قرر الجنرال مين أونج هلاينج التعبير عن غضبه واحتجاجه على نحو غير مسؤول وأطاح بمن حوله وألقى بهم في غياهب السجون إلى الأبد، أو إلى أجل غير مسمى.

وهذا هو جوهر الانقلاب. لقد كان عقدًا من الزمان خُدِع فيه العالم الحر، لقد كان عقد ديمقراطية زائفة هشة، لقد كان عقدًا بُنِيت فيه من الآمال صروحًا، ثم سرعان ما تبين أنها صروحٌ من خيالٍ فهَوَت في الساعات الأولى من الأول من شهر فبراير (شباط). وبذلك لا يمكن أن يكون هناك أي شك في الرد (من جانب القوى الغربية)، ويجب التحرك على وجه السرعة وبكل قوة.

هل رفع الغرب العقوبات قبل الأوان؟

يشير التقرير إلى أن الغرب تعجَّل رفع العقوبات عن ميانمار بسبب ما بدا من آفاق الإصلاح، لكن يمكن القول إنه رفع العقوبات قبل الأوان، وبسرعة كبيرة، وقبل تأمين النتائج. ومع ذلك سَعَت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إلى تحقيق فوز سهل – وحققته بالفعل.

ولذلك فإن الرد الأول على الانقلاب العسكري – كما اقترح الرئيس الأمريكي جو بايدن بالفعل – يجب أن يكون قويًّا. ولا يجب أن تقف الأمور هذه المرة عند حد الحديث القاسي، بل يجب فرض عقوبات أكثر صرامة واستهدافًا وقوة على الإطلاق – لتوجيه ضربة موجعة لا لشعب ميانمار، بل لجيش ميانمار، ومؤسساته، وأصوله، وأرباحه. إذ يحتفظ الجيش، أو (تاتماداو)، بإمبراطورية تجارية خاصة به مترامية الأطراف، لا سيما في مجال الأخشاب، والسياحة، والبنوك، والبناء، وتعدين اليشم (حجر صلب، عادةً ما يكون أخضر اللون، يستخدم لصنع المجوهرات والحلي)، والغاز – وقطاعات كبيرة من هذه الأنشطة غير مشروعة. وعندما تتضرر ميزانية الجيش في ميانمار وتُفرَّغ جيوب قادته، سيتوقف حينها فقط ويفكر في جدوى ما يُقدِم عليه.

وبِناءً على ذلك، يجب على الولايات المتحدة تحت قيادة بايدن، إلى جانب المملكة المتحدة، والاتحاد الأوروبي، واليابان، وكندا، وأستراليا، وغيرها من الدول، توضيح أنه ما لم يتراجع الجنرال مين أونج هلاينج عن هذا الانقلاب، ويطلق سراح المعتقلين، ويُعِيد الوزراء المخلوعين إلى مناصبهم، ويتخلى عن السلطة، ويعيد السلطة الكاملة إلى ممثلي الشعب المُنتخبين، ستكون هناك عواقب وخيمة: تتمثل في فرض عقوبات مباشرة، وموجَّهة، وصارمة، ومدمرة ضد مؤسسات الجيش والشركات التابعة لها.

هل يتحرك المجتمع الدولي ومنظماته ضد الانقلاب؟

يخلُص التقرير إلى أنه يجب أن يكون هناك أيضًا جهد معزز في منظمة الأمم المتحدة لجعل أجهزتها – مثل مجلس الأمن، والجمعية العامة، ومجلس حقوق الإنسان – تتداعى فوق رأس ميانمار كما لو كانت جبلًا من الطوب. وينبغي أن يشمل ذلك إيجاد آلية للعدالة والمساءلة – بما في ذلك تعزيز الدعم للقضية التي بدأتها جامبيا بالفعل أمام محكمة العدل الدولية والدعوات المطالبة بإحالتِها إلى المحكمة الجنائية الدولية. ولا شك أن الصين وروسيا ستستخدِمان «حق النقض» ضد مثل هذه الخطوة، وربما يُحبِطان أيضًا الجهود الأخرى الرامية لحمل الأمم المتحدة على التحرك، ولكن مجرد المحاوَلة يساعد في إرسال إشارة (احتجاج على الانقلاب).

Embed from Getty Images

وإذا لم تستطع الأمم المتحدة التحرك، فيجب على الديمقراطيات المتقدمة أن تفعل ذلك. ذلك أن الإخفاق في القيام بما هو أكثر من إصدار بيانات شديدة اللهجة لن يشجِّع الجنرالات في ميانمار فحسب، بل سيرسل إشارة إلى الطغاة الآخرين في جميع أنحاء العالم بأنه عندما يُطاح بعملية دستورية وديمقراطية، فإن العالم الحر لن يفعل شيئًا. وسيكون لذلك عواقب وخيمة على الديمقراطية في كل مكان.

وفي هذا الصدد نُذكِّر بأنه عندما اقتحم الغوغاء الكونجرس الأمريكي في السادس من شهر يناير (كانون الثاني)، كان ذلك بمثابة صدمة للديمقراطية الأمريكية. لكن دستور الولايات المتحدة ومؤسساتها صمدت وانتصرت، وتأكدت نتيجة الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي جرت في شهر نوفمبر. وبالمثل يجب احترام نتائج انتخابات نوفمبر في ميانمار أيضًا، ومن مصلحة الجميع توضيح أنه لا يمكن السماح باستمرار الانقلاب أو نجاحه.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد