نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية تحليلًا للكاتبة ديشا جيرود، أستاذة مشاركة في جامعة «جورج تاون»، تناولت فيه كيف أن القوى الغربية لها اليد العليا في أفغانستان على الرغم من الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية وحلفائها وسيطرة حركة طالبان على البلاد، مشيرةً إلى أن الغرب يمكنه التأثير على طالبان لكي تصبح حركة أكثر اعتدالًا وتجمع شمل الأفغان بمختلف أطيافهم.

طالبان ومستقبل أفغانستان

في مستهل تحليلها، تشير الكاتبة إلى أن مؤسسة السياسة الخارجية في واشنطن عادةً ما تكون حافلة بتحليلات عن القادة الجدد لدول العالم. لكن التقارير الواردة عن حركة طالبان شحيحة، ولا يزال المراقبون يحاولون تخمين هل أصبحت الحركة، التي استولت على أفغانستان حاليًا، «دنيوية ومتسامحة» أم أنها ليست كذلك، وهل هناك أي شيء يستطيع الغرب فعله للتأثير في تصرفات طالبان.

دولي

منذ أسبوعين
«واشنطن بوست»: بالنسبة لبايدن.. الحرب في أفغانستان لم تنتهِ بعد

وتدريجيًّا، ستقدِّم تصرفات طالبان إجابات قاطعة على هذه التساؤلات. ولكن حتى يحين ذلك الوقت، يُمكن أن تقدم العلوم السياسية بعض الرؤى التي تساعد في التنبؤ بآفاق المستقبل الأفغاني.

تقول الكاتبة إنها نشرت في عام 2015 كتاب «شرح إعادة الإعمار بعد انتهاء الحرب» والذي يُسلط الضوء على الأسباب التي تجعل بعض قادة الدول تنجح في إعادة إعمار بلدانهم اقتصاديًّا بينما لا ينجح قادة آخرون في ذلك. وتطرح الدراسة البحثية ثلاثة أسئلة تجريبية والتي يُمكن من خلالها توضيح كيف ستتصرف طالبان وغالبًا هل سيكون للغرب أي نفوذ على الحركة أم لا. وخلُصت الإجابات جميعها إلى أن الولايات المتحدة وحلفاءَها ستكون لهم اليد العليا، وأنهم بدؤوا يدركون بالفعل كيفية استخدامها.

إشكالية التمويل والبدائل المتوفرة

توضح الكاتبة أن بعض زعماء الدول والقادة يقدِّمون جدًّا قيمة البقاء السياسي (البقاء في السلطة) على ما سواها، خاصةً في الدول التي تعاني من ضغوط سياسية واقتصادية، والتي يكون فيها خطر احتمالية وقوع الانقلابات العسكرية كبيرًا. ولتعزيز السلطة وتوطيدها، يحتاج قادة الدول هؤلاء إلى الحصول على المال وبصورة عاجلة.

إذ يكونوا بحاجة إلى تمويل شبكات المحسوبية وتعزيز القدرات العسكرية لردع الخصوم ودحرهم إذا اقتضى الأمر. وبالإضافة إلى ذلك، يحتاج مثل هؤلاء القادة إلى تهيئة كل تفاصيل أمنهم الشخصي، خشية انقلاب الجيش ضدهم. ولا شك أن المصدر الأكثر سهولة للحصول على الموارد المالية هو عائدات الموارد الطبيعية ذات الربحية العالية والتي تتطلب الحد الأدنى من العمالة (في صناعة النفط) أو الحد الأدنى من رأس المال (تصنيع الكوبالت) للتعدين.

Embed from Getty Images

أما الخيار البديل الثاني الأفضل لرؤساء الدول التي ليس لديها ريع من عائدات الموارد الطبيعية هو تلقي المساعدة من الجهات المانحة ذات المصالح الجيوسياسية في البلاد. وتشبه هذه المساعدات ريع الموارد، لأن الجهات المانحة تعتقد أن أولوية دعم المستفيد من التمويل مقدَّمة على تحقيق التنمية أو إرساء دعائم الديمقراطية. على سبيل المثال، ربما سعَت الولايات المتحدة إلى نشر الديمقراطية خلال الحرب الباردة، لكن ضمان ولاء متلقي المساعدات كان أكثر أهمية من وجهة نظرها.

ونتيجةً لذلك، تغض الولايات المتحدة الطرف عن الممارسات القمعية التي يقوم بها بعض متلقو المساعدات المطيعين، مثل موبوتو سيسي سيكو رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية، ضد شعوبهم.

ولفتت الكاتبة إلى أن حروب أمريكا بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) وحملات مكافحة (الإرهاب) على حدٍّ سواء أدَّت إلى تحويل الدول الواقعة في جنوب الكرة الأرضية، وخاصةً أفغانستان، إلى دولٍ مستفيدة من المساعدات وذات أهمية إستراتيجية. ونتيجةً لذلك، عادت الولايات المتحدة للعمل بديناميكيات المساعدات أثناء الحرب الباردة. وربما تنكَّبَت الحكومات الأفغانية المتعاقبة منذ عام 2001 طريق الإصلاح المُكلِّف سياسيًّا، لأن واشنطن لم تكن لتفرض شروطها وتخاطر بانهيار الحكومة.

وباختصار، لا يمكن لواشنطن في واقع الأمر التهديد بوقف المساعدات. كما أوضح ذلك رونالد إي نيومان، السفير الأمريكي السابق في أفغانستان، في عام 2008 قائلًا إن: «الجدل الدائر بشأن إمكانية الانسحاب من أفغانستان إذا لم يفعل الرئيس الأفغاني (آنذاك) حامد كرزاي ما نمليه عليه هو جدال يتَّسم بالغباء».

ولنفترض أن هناك رئيسًا لإحدى الدول التي ليس لديها ريع من الموارد الطبيعية أو تفتقر إلى تمويل الجهات المانحة ذات المصالح الإستراتيجية. في هذه الحالة، سيكون الخيار الثالث الأفضل هو الحصول على أموال من جهاتٍ مانحة ليس لديها مصلحة إستراتيجية مع الحكومة، أي تلقي المساعدة من جهات مانحة تكون الديمقراطية أو التنمية على رأس أولوياتها.

وعلى النقيض من الجهات المانحة التي تقدِّم المساعدات لتحقيق مصالح إستراتيجية، يمكن للجهات المانحة التي تقدِّم المساعدات دون أن يكون لها أهداف إستراتيجية التهديد حقًا بالانسحاب والتراجع عن تقديم المساعدات إذا فشل المستفيد من المساعدات في تحقيق أهداف الرعاية الاجتماعية.

الأهمية الإستراتيجية والمصالح الجيوسياسية

على سبيل المثال، فقدت حكومات الدول الواقعة في جنوب الكرة الأرضية، مع نهاية الحرب الباردة، فجأة أهميتها الإستراتيجية من وجهة نظر القوى العظمى. ولضمان استمرار تدفق المساعدات، كان ينبغي على هذه الحكومات تلبية مطالب الجهات المانحة التي تقدِّم المساعدات دون أن يكون لها أهداف إستراتيجية، وفعَل معظمها ذلك إلى حدٍّ كبير. وبالإضافة إلى استمرار تدفق المساعدات، كان يُتوقع أن يؤدي الالتزام بتحقيق هذه الأهداف إلى جذب الاستثمار الأجنبي المباشر.

Embed from Getty Images

وصحيحٌ أن المساعدات الغربية تنطوي على مشكلات، لكن في الوقت الذي توفرت فيه دوافع الجهات المانحة للالتزام باتفاقيات المساعدات في تسعينيات القرن العشرين، توفرت كذلك دوافع المستفيدين من المساعدات للامتثال من أجل تحقيق الأهداف المطلوبة. وفي ظل هذا التوافق المحفِّز، دعمت هذه المساعدات الديمقراطية والنمو الاقتصادي في الدول الواقعة في جنوب الكرة الأرضية على نطاق غير مسبوق قبل حقبة التسعينيات.

وتنوه الكاتبة إلى أنه بالنظر إلى الأنماط التاريخية، فإن السؤال الأول الذي ينبغي طرحه بشأن طالبان يتعلق بمدى قدرة الحركة على الوصول إلى ريع الموارد الطبيعية المربحة. وإذا تمكَّنت من ذلك، فسيمكنها تجاهل المطالب الخارجية والانكفاء على ريع مواردها لتمويل بقائها السياسي والمادي. وتمتلك أفغانستان ثروة معدنية تقدر تقريبًا بحوالي تريليون دولار، لكن كثيرًا من هذه الثروة لا يزال في باطن الأرض، ولذلك، فإن هذه الثروة ليست متوفرة ببساطة. ومع ذلك، فإن ريع زراعة الأفيون والاقتصاد غير الرسمي بوجه عام يمكن أن يحمي طالبان من نقص الدعم الأجنبي على المدى القصير على الأقل.

وتشير الكاتبة إلى أن السؤال الثاني يتعلق بمدى الأهمية الإستراتيجية لأفغانستان من وجهة نظر القوى العظمى. لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن طالبان ذات قيمة جيوسياسية لباكستان. ونتيجةً لذلك، تتلقى طالبان من باكستان تمويلًا ضخمًا ومعلومات استخباراتية وخبرات عسكرية. لكن يبدو أن هذا أقصى مدى يمكن أن يصل إليه الدعم الخارجي الذي تحصل عليه طالبان.

وينظر الغرب إلى أفغانستان على أنها فخ إستراتيجي، ويبدو أن الصين أيضًا تنظر إليها هكذا. وعلى الرغم من أن الصين أدرجت أفغانستان في مبادرة الحزام والطريق، فشلت الاستثمارات الصينية في تحقيق العائدات المتوقعة، لأن أفغانستان كانت غير مستقرة تمامًا. وانطلاقًا من أن أفغانستان هي «مقبرة الغزاة والإمبراطوريات»، فقد ترى الصين أن الاستثمار هناك لا يستحق التكلفة الباهظة لتوفير الأمن.

وقد تساعد روسيا طالبان وتضغط عليها لهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية في شمال أفغانستان، بالقرب من مصالح روسيا الإقليمية. وقد تحاول روسيا أيضًا إجبار طالبان على إبطاء وتيرة تهريب المخدرات، والتي تمثل إحدى مخاوف موسكو طويلة الأمد. لكن من غير المرجح أن تتورط روسيا بصورة أكثر عمقًا بالنظر إلى تاريخها في أفغانستان. وخلاصة القول، لا توجد قوة عظمى لديها مصلحة إستراتيجية مباشرة في البلاد، فضلًا عن الحقيقة المؤكدة أن أفغانستان ليست قاعدة للإرهاب الدولي.

Embed from Getty Images

وتخلص الكاتبة إلى أن طالبان تبدو في الوقت الراهن في وضع جيوسياسي واقتصادي يشبه ما كانت عليه خلال مدة حكمها الأول في أواخر التسعينيات: الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي والتمويل من باكستان. لكن هيكل الدعم ذلك لم يكن كافيًا لضمان بقائها السياسي والمادي في عام 2001، وهو الأمر الذي يطرح سؤالي الثالث: إلى أي مدى ترى طالبان أن إستراتيجيتها الأولية التي كانت تتبناها لضمان البقاء السياسي منذ التسعينيات كانت خطأ ينبغي عليها أن تتجنب تكراره؟

 شروط اتفاقيات تلقي المساعدات

وإذا لم ترَ طالبان تلك الإستراتيجية خطأً، فقد تعود الحركة على الأرجح إلى أسلوب الحكم الذي يبغضه الغرب. لكن إذا عدَّت طالبان هذه الإستراتيجية خطأً يجب تجنب الوقوع فيه من جديد، فلابد أن يتمتع الغرب بنفوذ كبير في أفغانستان. وبعبارة أوضح، ستحتاج طالبان إلى الغرب أكثر مما يحتاج الغرب إليها.

وتضيف الكاتبة أنه إذا قررت الجهات المانحة الغربية التعامل مع طالبان، فإن شروط السياسة المرتبطة بالمساعدات يجب أن تكون خلَّاقة وعملية، وذلك اعتمادًا على إدارة طالبان للحكم أثناء الحرب. لقد كانت طالبان براجماتية طوال العقد الماضي. ويوضح الخبراء أن «صنع السياسات في الحركة كان مدفوعًا بالضرورات العسكرية والسياسية». وفي بعض المجتمعات، سمحت طالبان للفتيات بمواصلة الدراسة وسمحت للمنظمات غير الحكومية بتقديم الخدمات الأساسية، وكل هذه التصرفات ساعدت الحركة على كسب الدعم المحلي.

وتؤكد الكاتبة على ضرورة أن تحدد الجهات المانحة السياسات التي تعزز الحقوق والتي يمكن لطالبان تبريرها لمؤيديها بصورة مقنعة. ومن غير المحتمل أن تُستنبط هذه الشروط من النظريات الغربية للحداثة أو التحرر أو إرساء الديمقراطية أو الحكم الرشيد. لكن يمكن استنباطها على الأرجح من التعاملات المتبادلة بين طالبان والمجتمعات المحلية.

وأفاد تقرير صادر عن مؤسسة «معهد التنمية لما وراء البحار» البحثية أن الأفغانيات، على سبيل المثال، يفضلن الذهاب إلى الطبيبات أكثر من الأطباء. وعندما حلَّ الأطباء الذكور محلَّ الطبيبات في مجتمع خاضع لسيطرة طالبان في ولاية هلمند بأفغانستان، «اعترضت طالبان على ذلك. لأن النساء لن يكون بمقدورهن الذهاب إلى العيادة ما لم تكشف عليهن طبيبة». ولهذا السبب، قد تكون طالبان مستعدة لتعليم النساء ليصبحن طبيبات. ويجب أن تنظر شروط المساعدات إلى مثل هذه الفرص.

Embed from Getty Images

بيد أن فَهْم طالبان للشروط على النحو الدقيق المطلوب لن يكون كافيًا. إذ يجب على الجهات المانحة أن تبين بوضوح أنها سوف تسحب دعمها فورًا إذا لم تمتثل طالبان لتنفيذ الشروط. وقد يؤدي استمرار أي تمويل بعد عدم الامتثال إلى إضعاف مصداقية التهديدات المستقبلية بسحب المساعدات. والأكثر من ذلك، أن ضعف إنفاذ التهديدات سيؤدي إلى تقويض دوافع طالبان للامتثال بالأساس.

كيف يكون للقوى الغربية اليد العليا في أفغانستان؟

وترى الكاتبة أن الغرب لديه اليد العليا بالفعل أثناء التفاوض مع طالبان. إذ جمدت وزارة الخزانة الأمريكية الاحتياطيات الأجنبية لأفغانستان، وقال رئيس الوزراء الكندي إن حكومته «لا تعتزم» الاعتراف بطالبان رسميًّا. وأوقف الناتو مساعداته، وعلَّق صندوق النقد الدولي احتياطيات الطوارئ التي التزم بتقديمها لأفغانستان، كما أوقف البنك الدولي مساعداته.

دولي

منذ أسبوعين
«فورين بوليسي»: قائد «المقاومة الأفغانية» ضد طالبان.. ما هي فرص أحمد مسعود؟

وفي الوقت نفسه، سَعَت المملكة المتحدة إلى تبني القوى الغربية سياسة مشتركة لمعاقبة طالبان إذا انتهكت حقوق الإنسان أو وفرت ملاذًا للإرهاب الدولي. ووافق الرئيس الأمريكي جو بايدن على هذا المقترح، قائلًا إن: «الأمر يعتمد على تصرفات طالبان».

وفي ختام تحليلها، تبرز الكاتبة دليلًا إضافيًّا على أن للغرب اليد العليا في أفغانستان، إذ طلبت طالبان، بعد استيلائها على السلطة، من القيادات التابعة لها أن تدير البلاد وتحكمها بمسؤولية لأنهم يخضعون «لمراقبة» الأفغان الذين تحت سيطرتهم، والذين ليسوا تحت سيطرتهم، فضلًا عن مراقبة جهات أجنبية فاعلة يمكنها الاعتراف بالحركة وربما دعمها.

وعلى نحو مماثل، وبعد استيلائها على السلطة، التقت طالبان ببعض خصومها، مثل حامد كرزاي، الرئيس الأفغاني السابق، للنظر في تشكيل حكومة موحدة بدلًا من إعلان حكومة من طرف واحد. وبدلًا من ذبح المدنيين، تحاول طالبان طمأنتهم. وبدلًا من قتل المسؤولين الحكوميين السابقين، أصدرت طالبان عفوًا عنهم وطالبتهم بالعودة إلى العمل.

واختتمت الكاتبة تحليلها بالتشديد على أنه يجب على القوى الغربية أن تتعامل مع طالبان بريبة، لكن يجب أن تظل متيقِّظة تمامًا لممارسة تأثيرها لتشجيع طالبان على أن تكون أكثر اعتدالًا و«توافقية مع الجميع».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد