الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإسرائيل وغيرها من الأطراف الضالعة في مجال الطاقة قد تكون هي المستفيد الأول من العمليات العسكرية الكبرى الدائرة في سوريا لتقليص قوة تنظيم الدولة، وربما نظام بشار الأسد كذلك.

الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإسرائيل وغيرها من الأطراف الضالعة في مجال الطاقة قد تكون هي المستفيد الأول من العمليات العسكرية الكبرى الدائرة في سوريا لتقليص قوة تنظيم الدولة، وربما نظام بشار الأسد كذلك.

كانت إحدى الشركات العالمية المتخصصة في خدمات النفط، مدعومة من الحكومة الفرنسية ومقربة من الإدارة البريطانية التي يهيمن عليها المحافظون، قد أجرت دراسة نُشرت في خضم أحداث الربيع العربي، وخلُصت إلى الإشادة بالموارد الضخمة من “احتياطيات الهيدروكربون” في المياه السورية.

نُشرت الدراسة التي أُجريت عام 2011 في مجلة جيو أرابيا (GeoArabia)، وهي دورية متخصصة في الصناعات البترولية تُصدرها الشركة الاستشارية جالف بترو لينك (GulfPetroLink) والتي تحظى برعاية العديد من شركات النفط الكبرى في العالم، مثل: تشيفرون (Chevron)، وإكسون موبايل (ExxonMobile)، وأرامكو السعودية (Saudi Aramco)، وشيل (Shell)، وتوتال (Total)، وبي بي (BP).

جدير بالذكر أن المحتوى المنشور على جيو أرابيا لا يخضع لأي نظام توزيع مفتوح، وبالتالي يقتصر توزيعه على شركات الطاقة متعددة الجنسيات، والشركات الراعية، والمنظمات ذات الصلة، فضلاً عن بعض الجامعات.

وحددت الدراسة التي أجراها عالم الجيولوجيا البارز ستيفن باومان لصالح شركة جي سي سي فيريتاس (CGGVeritas) “ثلاثة أحواض رسوبية تقع في المياه السورية، وأطلقت عليها أسماء الشام وقبرص واللاذقية” كما أشارت إلى أن “الصور التي التقطتها الأقمار الصناعية تقدم دليلاً كبيرًا على وجود نظام بترولي نشط في المياه السورية، إلى جانب كميات ضخمة من النفط، والغاز في منطقة الساحل، كما لوحظ وجود مؤشرات هيدروكربونية مباشرة (DHI) في مناطق الرشح الزلزالي والنفطي”.

علاقة فرنسا السرية مع بشار الأسد

في الوقت الذي كانت الاضطرابات تجتاح فيه الأراضي السورية، وقعّت شركة جي سي سي فيريتاس عقدًا مع وزارة النفط والثروة المعدنية في حكومة نظام بشار الأسد.

وتعد الشركة الفرنسية واحدة من كبرى شركات المسح الزلزالي على مستوى العالم. وكانت الشركة، التي تحظى بدعم الحكومة الفرنسية المالكة لنسبة 18% من حقوق التصويت في الشركة، قد حصلت على بيانات مسح زلزالية عام 2005 تفيد بوجود موارد في المياه السورية، ومنذ ذلك الحين صارت الشركة هي المزوّد الرئيس للبيانات الجيولوجية والجيوفيزيائية نيابةً عن النظام السوري.

ثم وقّعت الشركة الفرنسية بعد ذلك، عام 2011، عقدًا حصريًا مع الحكومة السورية تتولى بموجبه تقديم خدمات الدعم الفني في المؤتمر الدولي لعطاءات التنقيب في المياه السورية، والذي انعقد في هذا العام أمام الشركات الراغبة في التنقيب عن النفط والغاز وتطويرهما وإنتاجهما من ثلاثة مربعات بحرية في البحر المتوسط قبالة الساحل السوري.

كان باومان قد كتب موضحًا أن “أنشطة التنقيب في منطقة شرق المتوسط قد ازدادت خلال السنوات المنصرمة في أعقاب سلسلة من اكتشافات الغاز الكبرى التي تقدر بتريليونات الأقدام المكعبة (TFC) في مياه البحر جنوب حوض ليفانتين. وكان من المقرر أن يُعلن عن مواعيد مؤتمرات منح تراخيص التنقيب خلال عام 2011 بخصوص المناطق الواقعة في المياه السورية واللبنانية والقبرصية، والتي يُعتقد أنها تتمتع بخصائص جيولوجية قوية مماثلة لتلك الاكتشافات”.

كان باومان، الذي سبق له أن شارك في عمليات تقييم بيانات موارد الطاقة في ليبيا التي أجرتها شركة سي جي جي فيريتاس، قد وصف المياه السورية بأنها “منطقة حدود تنقيب ثمينة”، مشيرًا بذلك إلى اكتشاف العديد من “مناطق الموارد المحتملة” والتي، إن صحّت البيانات الواردة بشأنها، “ستمثّل مناطق حفر تستهدف استخراج بلايين البراميل/تريليونات الأقدام المكعبة من النفط والغاز بالنظر إلى نطاق الهياكل التي تحيط بهذه المناطق وحجمها”.


شركات الطاقة الغربية العملاقة تغازل بشار الأسد

حصلت شركة سي جي جي فيريتاس على رخصة من الحكومة البريطانية كذلك للتنقيب في بحر الشمال، تلك المنطقة التي تولّى باومان خلال السنوات الماضية مهمة تقييم إمكانية العثور على موارد بها وكذلك تنسيق أنشطة مؤتمرات منح التراخيص.

نشرت وزارة الداخلية الأمريكية، عام 2012، استقصاءً جيولوجيًا بعنوان “النشرة السنوية للموارد المعدنية (Minerals Yearbook)” ذكرت فيه أن الشركة السورية للنفط المملوكة لحكومة بشار الأسد:

“… تعاونت مع العديد من شركات النفط الدولية، كشركة ناشونال بتروليوم الصينية (Chinese National Petroleum Co.)، وشركة جالف ساند بتروليوم (Gulfsands Petroleum) البريطانية، وشركة أويل آند ناتشورال جاز ريسورسيز (Oil and Natural Gas Resources Corp.) الهندية، وشركة رويال داتش شيل (Royal Dutch Shell plc) البريطانية، وشركة توتال إس إيه (Total SA) الفرنسية عبر شركات فرعية”.

قبل عامين من هذا التاريخ، استضافت العاصمة السورية دمشق النسخة السابعة من المعرض السوري الدولي للنفط والغاز، والذي عقدته وزارة النفط في حكومة بشار الأسد. وتعهّدت هذا المعرض بالرعاية كلٌ من شركة ناشونال بتروليوم الصينية وشركة شل وشركة توتال الفرنسية، وحضره ما يربو عن 100 ممثل عن الشركات الدولية، 40% منها تقع مقراتها في القارة الأوروبية.

كانت شركة المتضامنة للمعارض (Allied Expo)، التي تولت مهمة تنظيم المعرض بالنيابة عن وزارة النفط السورية، قد طرحت مسوّدة في عام 2010 تفصّل فيها كيف خططت شركة شيل البريطانية للتعاون مع نظام بشار الأسد لتطوير إنتاج الغاز السوري، حيث نصّت المسودة على الآتي:

“ستضع شركة شيل خطة رئيسية لتطوير قطاع الغاز في سوريا في أعقاب توقيع اتفاقية مع وزارة النفط”، وذلك بحسب ما ورد في العرض التقديمي، والذي طُرح في أكتوبر من عام 2010 بهدف الترويج لخطط معرض النفط والغاز التالي في عام 2012. “وتتضمن الاتفاقية تقييمًا لإجمالي موارد الغاز غير المكتشفة بعد في سوريا، وكذلك تقييم إمكانيات زيادة إنتاج الغاز، والحاجة لإنشاء شبكات لنقل الغاز وتوزيعه…”

صورة من العرض التقديمي الذي قدمته وزارة البترول السورية عام 2010 (الخطأ في الجملة الأخيرة من المصدر)

وعلى صعيد آخر، عقد مسئولو شركة شيل العديد من الاجتماعات مع وزراء الحكومة البريطانية خلال عام 2010. حيث التقى مسئولو الشركة بديفيد كاميرون في شهر يوليو لمناقشة “المشكلات التجارية”، كما التقوا بوزير الخارجية ديفيد هويل لمناقشة “شئون الطاقة العالمية”، والتقوا كذلك بتشارلز هيندري، وزير الدولة لشؤون الطاقة والتغير المناخي.

صورة من العرض التقديمي الذي قدمته وزارة البترول السورية عام 2010

استمرت الاجتماعات مع الإدارات الحكومية المختلفة وعشرات من كبار المسئولين الحكوميين في الانعقاد بشكل شهري حتى نهاية العام التالي، باستثناء شهر يونيو 2010. وضمت هذه الاجتماعات لقاءات مع بيتر ريكيتس مستشار الأمن الوطني لرئيس الوزراء؛ ووزير التجارة فينس كيبل، والعديد من وزراء لجنة الطاقة والتغير المناخي بهدف مناقشة “مشكلات الطاقة” المتعلقة بدولة قطر، بالإضافة إلى عقد العديد من الجلسات مع ديفيد كاميرون ووزير الخزانة جورج أوزبورن.

صورة من العرض التقديمي الذي قدمته وزارة البترول السورية عام 2010

بعد اندلاع مظاهرات عام 2011، وبينما كان الأسد يقتل المتظاهرين بوحشية في الشوارع، أصرت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون على منع أي تدخل عسكري ضده، وصممت كذلك على اعتبار الديكتاتور السوري “إصلاحيًا” – وهو ما رآه البعض ضوءً أخضر لتصعيد القمع ضد المتظاهرين.

وبينما أخذت دائرة العنف في الاتساع، بدأت الحكومات الغربية في قطع علاقاتها بالأسد، بعدما صار جليًا لها أن نظام حكمه لم يعد مستقرًا. ومع اندلاع الحرب الأهلية، توقفت خطط شيل وشركات النفط العملاقة الأخرى الرامية للتنقيب عن الموارد في المياه السورية دون سابق إنذار.

تدخل عسكري لحماية النفط والغاز في البحر المتوسط

تسببت الأزمة السورية المفاجئة في توقف الجهود المبذولة من فترة طويلة للتنقيب عن موارد الطاقة الغنية واستخراجها من شرق المتوسط.

كان التقرير الذي نشره معهد الدراسات الإستراتيجية (SSI) التابع للجيش الأمريكي في ديسمبر من عام 2014 قد تضمن دليلاً قاطعًا على أن إستراتيجيات الدفاع الأمريكية والبريطانية والخليجية ترى في البحر المتوسط فرصة سانحة لوقف اعتماد أوروبا على الغاز الروسي، وكذلك تعزيز الاستقلال الإسرائيلي في مجال الطاقة.

وأفاد التقرير بأن التدخل العسكري، في سياق هذه العملية، يُعتبر إجراءً واردًا من أجل تأمين موارد الغاز غير المُستغلّة في المياه السورية، والتي تتداخل مع المياه الإقليمية للعديد من الدول الأخرى المُطلة على البحر المتوسط، كإسرائيل ومصر ولبنان وقبرص واليونان وتركيا.

في تقرير أعدّه محمد الكتيري، مستشار وزارة الدفاع الإماراتية حاليًا، والذي شغل في السابق منصب مدير قسم الأبحاث بمجموعة التقييم والبحث المتقدمة (ARAG) التابعة لوزارة الدفاع البريطانية، أوضح بجلاء أن مرحلة ما بعد الصراع في سوريا ستفتح الآفاق أمام إمكانيات جديدة للتنقيب عن الطاقة.

وكتب الكتيري أنه “بمجرد حل الأزمة السورية، فإن احتمالات الإنتاج في المياه السورية ستكون عالية، شريطة وجود موارد تجارية. حيث يرى أن بالإمكان تطوير موارد النفط والغاز “بصورة أسهل نسبيًا بمجرد أن يسمح الوضع السياسي بتنفيذ عمليات تنقيب جديدة في مياهها الإقليمية”.

وذكر التقرير الصادر عن معهد الدراسات الإستراتيجية التابع للجيش الأمريكي أن الموارد الموجودة في المياه السورية تمثّل جزءً من مصفوفة أكبر لمستودعات النفط والغاز في منطقة حوض ليفانت، والذي يضم مناطق المياه الإقليمية لهذه الدول المتنافسة.

حيث تُقدّر الموارد الموجودة بالمنطقة بما يقرب من 1.7 بليون برميل نفط و122 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، وهو ما لا يشكّل سوى ثُلث الموارد الهيدروكربونية في منطقة الحوض.

وخلُص التقرير إلى أن التدخل العسكري بقيادة الولايات المتحدة سيلعب دورًا رئيسًا في “إدارة” النزاعات والتوترات في منطقة شرق البحر المتوسط، وبالأخص احتمال “انزلاق الوضع السوري المضطرب إلى حرب أهلية فعلية”.

كما أشار التقرير إلى أن “الدعم العسكري والدبلوماسي الأمريكي يلعب دورًا محوريًا في المشهد الجيوسياسي المُعقّد في منطقة شرق البحر المتوسط، وستزداد أهمية هذا الدور بزيادة قيمة الموارد الطبيعية المتنازع عليها:

“قد يكون الدعم العسكري والأمني المقدّم من أمريكا لحلفائها الرئيسين في حالة اندلاع صراع على الموارد الطبيعية في منطقة شرق البحر المتوسط ضرورة من أجل إدارة الصراع المحتمل في المستقبل”.

المحافظون الجدد يضعون ثروة النفط بمرتفعات الجولان السورية نصب أعينهم

أحد أهم الصراعات الرئيسية المحتمل اندلاعها والتي أشار إليها التقرير هو الصراع السوري الإسرائيلي الذي قد ينجم عن تراخيص التنقيب عن النفط التي منحتها الحكومة الإسرائيلية للشركات من أجل التنقيب عن النفط في مرتفعات الجولان.

كانت إسرائيل قد احتلت مرتفعات الجولان عام 1967، ثم أعقبت ذلك بإعلان ضم الهضبة لأراضيها عام 1981 من خلال طرح قانون إسرائيلي للإقليم.

أقر التقرير بخطر “اندلاع صراع مسلح آخر بين الطرفين في حال اكتشاف موارد هيدروكربونية ضخمة”.

جدير بالذكر أن الشركة التي حصلت على حقوق التنقيب في مرتفعات الجولان هي شركة جيني للنفط والغاز (Genie Oil and Gas)، واحدة من كبرى الشركات الأمريكية. وكانت البيانات التي حصلت عليها شركة أفيك للنفط والغاز (Afek Oil and Gas) الإسرائيلية، التابعة لشركة جيني، من الحقول الاستكشافية قد أكدت وجود كميات نفط وغاز “ضخمة” بعد الحفر لعمق 1150 قدم، حيث تقدر بأنها “عشر أضعاف المتوسط العالمي”.

حيث كشف يوفال بارتوف، كبير الخبراء الجيولوجيين لدى شركة أفيك، لجريدة الأيكونوميست مؤخرًا أن شركته قد اكتشفت خزانًا نفطيًا “يُحتمل اشتماله على مليارات البراميل من النفط”.

وتضم قائمة مالكي أسهم شركة جيني للنفط والغاز، المالكة لشركة أفيك، روبرت مردوخ إمبراطور الإعلام العالمي.

وكان روبرت مردوخ قد تحالف مع اللورد جيكوب روتشيلد في أواخر عام 2010 لشراء حصة تقدر بنسبة 5.5% في شركة جيني، وبلغت قيمة الصفقة آنذاك 11 مليون دولار. ويترأس اللورد روتشيلد شركة آر آي تي كابيتال بارتنرز، وهي شركة استثمارية يُقدّر رأس مالها بـ 3.4 مليار دولار وارتبطت في السابق ببنك روتشيلد الاستثماري.

تتركز الاستثمارات الرئيسة لشركة آر آي تي كابيتال في الأسهم العامة، وأسواق السندات، والأسهم العقارية، والذهب والنفط، وأيضًا “القطاعات التي تكون الشركة على دراية كبيرة بها” مثل “الطاقة، والموارد الطبيعية، والخدمات المالية، والتقنيات والإعلام والاتصالات، والقطاعات الاستهلاكية”.

جدير بالذكر أن روبرت مردوخ هو مالك شركة نيوز كوربوريشان (News Corporation)، والتي تعد ثاني أكبر تكتل إعلامي في العالم قبل انقسامها عام 2013 إلى شركة نيوز كورب (News Corp)، حيث يشغل مردوخ منصب الرئيس التنفيذي، وشركة توينتيز سينشاري فوكس (21th Century Fox)، حيث يشغل منصب الرئيس التنفيذي المساعد، ويعاونه في إدارة المؤسسة ولداه لاشلان وجيمس.

نتيجة لما سبق، يهيمن مردوخ على الصحف وجهات النشر وشبكات التلفاز في الإعلام الناطق بالإنجليزية، نذكر منها ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ بي سكاي بي، وذا تايمز، وذا صن في المملكة المتحدة؛ وشبكة قنوات فوكس والتي تضم فوكس نيوز، وداو جونز، وذا وول ستريت جورنال، ونيويورك بوست، وناشونال جيوجرافيك في الولايات المتحدة؛ وذا أوستريليان، وذا ديلي تليجراف، وهيرالد صن في أستراليا.

في سياق توضيح أسباب استثماره في هذه الشركة صرح مردوخ قائلاً “أنا على يقين بأن تراخيص التنقيب عن النفط الصخري والتقنيات التي تمتلكها شركة جيني لديها قدرة حقيقية على إحداث تحوّل جيوسياسي عالمي مثالي عبر نقل جزء كبير من إنتاج النفط الجديد إلى أمريكا وإسرائيل وغيرها من الدول الغربية ذات التوجهات الديمقراطية”.

وكشف تحقيق ليفيسون عن العديد من الاجتماعات السرية التي عقدها إمبراطور الإعلام العالمي مع رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، حيث اتضح وجود علاقة وثيقة تربط كاميرون بمردوخ والعديد من كبار المسئولين بشركة نيوز كورب.

كما عمل كلٌ من روتشيلد ومردوخ معًا كذلك في المجلس الاستشاري الاستراتيجي لشركة جيني. وضم المجلس إلى جانبهما كلاً من لاري سامرز، الرئيس السابق للمجلس الاقتصادي الوطني في إدارة الرئيس أوباما؛ وجيمس وولسي الرئيس السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، والذي شغل كذلك منصب نائب الرئيس السابق لشركة بوز آلين هاميلتون إحدى الشركات المتعاقدة مع وكالة ناسا، ومدير مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات ذات التوجهات المحافظة، وعضو المجلس الاستشاري لمعهد جيتستون، والذي يقدم نفسه باعتباره مجموعة مناهضة لكراهية المسلمين، وراعي دولي لجمعية هنري جاكسون؛ وأيضًا ديك تشيني، نائب الرئيس السابق في إدارة جورج دبليو بوش؛ وبيل ريتشاردسون، وزير الطاقة السابق في إدارة كلينتون، وحاكم ولاية نيو ميكسيكو، والمُرشح من قِبل أوباما لتولي منصب وزير التجارة.

تقسيم سوريا لتجنب الوصول لذروة إنتاج النفط

من بين الشركات الفرعية التابعة لشركة جيني للنفط والغاز هناك شركة النفط الصخري الأمريكية (American Shale Oil)، وهي مشروع مشترك بين جيني والعملاق الفرنسي توتال إس إيه. وكما نعلم فإن توتال كانت إحدى الشركات الراعية للمعرض الدولي للنفط والغاز الذي عقده نظام الأسد عام 2010 في دمشق.

تعمل شركة النفط الصخري الأمريكية (واختصارها إيه إم إس أو) في مُركّب النهر الأخضر بولاية كولورادو، وأشارت التقديرات إلى احتوائه على 3 مليارات برميل من النفط القابل للاستخراج.

نشرت الشركة بيانًا استثنائيًا على موقعها على الإنترنت تعرض فيه أسباب تركيزها على موارد النفط والغاز غير التقليدية في الولايات المتحدة وإسرائيل:

“يشكّل الوصول لذروة الإنتاج النفطي تحديًا أمام الولايات المتحدة والعالم. ومن ثم يجب اتخاذ إجراء عنيف لتجنب تكبّد خسائر سياسية واجتماعية واقتصادية غير مسبوقة”.

هذا البيان المُبهم يوضّح أن النوايا الكامنة خلف اعتراف شركة جيني بـ “ذروة إنتاج النفط” تتعارض مع طبيعة الصناعة. فذروة الإنتاج النفطي لا تعني أن النفط سينفد من العالم، بل تعني نهاية عهد النفط الرخيص وسهل الاستخراج نتيجة لانخفاض إنتاج النفط التقليدي، وبالتالي إحداث تحول متزايد نحو عهد جديد يكون فيه النفط صعب الاستخراج وغالي الثمن.

أكدت الوثائق السرية المنشورة بالإضافة إلى تصريحات كبار المسئولين البريطانيين والأمريكيين المشاركين في غزو العراق واحتلالها عام 2003 أن المخاوف من الوصول لذروة الإنتاج النفطي قد لعبت دورًا محوريًا في خطط إدارتي بوش وبلير للحرب.

يوضح ذلك أن الأنشطة التي تقوم بها شركة جيني في سوريا عبر إسرائيل تظل جزءً لا يتجزأ من هدف استراتيجي أشمل يرمي إلى السيطرة على موارد النفط والغاز المتبقية في العالم بحجة المخاوف من آثار “الوصول لذروة الإنتاج النفطي”.

ويبدو أن أوباما لا يعارض كثيرًا فرضية قيام شركة جيني للنفط والغاز بأنشطة التنقيب عن النفط في مرتفعات الجولان السورية، ما يعني أن الإقليم سيُمنح لإسرائيل في نهاية الأمر.

وفقًا للصحفي جوناثان كوك المقيم في مدينة الناصرة، فإن “بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي قد استغل فرصة اجتماعه بأوباما – كان الاجتماع الأول لهما منذ 13 شهرًا – لطرح مسألة تقسيم سوريا” في أوائل شهر نوفمبر.

وبحسب ما أورده مسئولون إسرائيليون اطلعوا على المحادثة، فإن:

“نتنياهو أوضح أن على واشنطن أن تبدي موافقتها المتأخرة على ضم إسرائيل غير القانوني لمرتفعات الجولان، والتي سبق لها أن احتلتها في حرب عام 1967… وادعى نتنياهو أن سوريا لم تعد دولة مستقرة، وهذا الأمر يسمح لنا “بالتفكير بشكل مختلف”.

وجاء رد أوباما لافتًا للنظر – حيث لم يبد لنتنياهو بوضوح أن مسألة تقسيم سوريا أمرًا غير مطروح للنقاش:

“أكد مسئول بالبيت الابيض لم يذكر اسمه أن نتنياهو قد طرح هذا الأمر، وأضاف المسئول “أعتقد أن الرئيس رأى أنه غير مُلزم بالرد على هذا الطرح. فلم يكن واضحًا مدى جدية نتنياهو في هذا الشأن”.

هناك إذن رابط قوي وعام يجمع المصالح الأمريكية والبريطانية والفرنسية والإسرائيلية، يضم قطاعات الدفاع والأمن والطاقة والإعلام، ويدفع باتجاه تقسيم سوريا.

الدافع الرئيس إذن وراء هذه العملية هو السيطرة على موارد النفط والغاز الهائلة غير المُستغّلة المحتمل وجودها في سوريا ومنطقة شرق المتوسط عمومًا. ولا ننسى هنا أن الولايات المتحدة وبريطانيا تسعيان إلى تقليص النفوذ الروسي الإيراني في المنطقة.

وفقًا للتقرير الجيولوجي الصادر عام 2012 عن وزارة الداخلية الأمريكية بعنوان “النشرة السنوية للموارد المعدنية” حول الشأن السوري، فإن الحرب الأهلية السورية قد وضعت حدًا لطموحات بشار الأسد في تحويل سوريا إلى محور نقل شحنات الغاز إلى أوروبا من خلال التحالف مع إيران وروسيا.

“وقعت إيران وسوريا والعراق، في صيف عام 2011، مذكرة تفاهم حول مد خط أنابيب بطول 5000 كيلومترًا، على أن يطلق عليه اسم خط أنابيب الغاز الإسلامي. وكان من المفترض أن ينقل خط الغاز المقترح موارد الغاز من حقل بارس الجنوبي في إيران، على أن يمر في العراق، ثم سوريا، ثم لبنان، لينتهي في أوروبا، بعد أن يمر بالطبع أسفل البحر المتوسط. واقترحت إيران أن يكون خط الغاز الإسلامي بديلاً لخط أنابيب نابوكو المدعوم من قبل الاتحاد الأوروبي، والذي كان مقررًا له أن يزوّد أوروبا بموارد الغاز عبر تركيا والنمسا”.

أما البديل الآخر فكان خط الغاز المقترح المدعوم من الولايات المتحدة، والذي سينقل الغاز من الجزء المملوك لقطر في الحقل الذي تشترك معها فيه إيران، والمعروف باسم حقل الشمال.

بالنظر لسعته البالغة 872 تريليون قدم مكعب، فإن حقل الشمال يشتمل على ثالث أكبر احتياطي مؤكد من الغاز الطبيعي في العالم. ومعًا، يشكل حقل الشمال القطري وحقل بارس الجنوبي الإيراني أكبر مستودع غاز طبيعي في العالم.

ومن المفترض أن يمر خط الأنابيب القطري عبر المملكة العربية السعودية وسوريا وتركيا حيث يتم نقله من هناك إلى أوروبا. وجدير بالذكر أن شركة إكسون موبيل الأمريكية وشركة توتال الفرنسية من بين الشركات المشاركة في تطوير حقل الشمال القطري.

كما أن شركة سي جي جي فيريتاس، المدعومة من الحكومة الفرنسية والتي سبق لها أن وقّعت اتفاقًا مع نظام بشار الأسد لتقدير الموارد الموجودة في المياه السورية، شرعت في إجراء عمليات مسح زلزالية في حقل الشمال لصالح قطر، وأعقبت ذلك بتعاقد لإجراء مسح في حقل دخان القطري.

وتسبب الصراع الذي اجتاح سوريا بعد فترة من توقيع الأسد مع إيران اتفاقية خط الأنابيب بدعم من روسيا في إلغاء مشروع خط الأنابيب الإيراني السوري، والذي كان مقررًا له أن يكتمل في عام 2016.

وبحسب ما ورد في التقرير الجيولوجي الأمريكي “كان للحرب والعقوبات أثر سلبي على نشاط قطاع الهيدروكربون السوري، فيما يتعلق بالتطوير والتنقيب والتصدير والإنتاج والنقل والتوزيع”.

كما أضاف التقرير “مع استمرار الحرب في البلاد، تقلصت بشّدة فرص سوريا في أن تصبح محطة نقل الطاقة إلى العراق ومنطقة البحر المتوسط”.

تنظيم الدولة؛ ورقة التوت التي تُغطي تفكك منطقة البحر المتوسط

على الرغم مما سبق، أو ربما بسبب كل ما سبق، عزمت روسيا على أن تجد لنفسها موطئ قدم في المنطقة. فبدأت شركة سويوز نفط غاز (SoyuzNefteGaz) الروسية في سبتمبر 2015 عمليات للتنقيب عن النفط جهة الساحل الغربي السوري – وهي نفس المنطقة التي أجرت فيها شركة سي جي جي فيريتاس مسحًا لتقدير الموارد من قبل.

وتأتي هذه العمليات نتيجة للاتفاقية المبرمة بين سوريا وروسيا عام 2013، وبموجبها ستضخ شركة سويوز نفط غاز ما يقرب من 90 مليون دولار كاستثمار مبدئي.

وعلى الأرجح، فإن التواجد العسكري الروسي المتنامي داخل سوريا، والذي يُبرر بأنه للحرب على تنظيم الدولة، هو في الواقع دعم لاستمرار بشار الأسد على رأس دولة علوية صغيرة مستقلة حليفة لإيران.

كما يأتي اتهام بوتين لتركيا بتسهيل بيع نفط تنظيم الدولة، والذي جاء في أعقاب إسقاط تركيا للمقاتلة الروسية، ليوضح كيف يُستخدم التنظيم المتطرف ذريعة لتبرير التدخل العسكري.

وبحسب ما أوردته دورية إنسيرجينتيليجانس (INSURGEintelligence) من قبل، فهناك دليل هام يشير إلى ضلوع مسئولين كبار بالحكومة التركية وأجهزة المخابرات في توفير سبل الدعم المختلفة للجماعات المتطرفة في سوريا، ومنها تنظيم الدولة، ومن بينها السماح ببيع النفط في السوق السوداء.

ولكن، لماذا لم يفصح بوتين عن امتلاك روسيا لمعلومات استخبارية تكشف رعاية الدولة التركية لتنظيم الدولة إلا بعد مقتل الطيار الروسي؟

ربما يظن البعض أن بوتين كان راغبًا في الحفاظ على العلاقات مع تركيا سعيًا لإنشاء محور نقل غاز لأوروبا، والذي من أجله خطط بوتين وأردوغان لبناء خط أنابيب روسي تركي بتكلفة تقدّر بمليارات الدولارات، هذا المشروع الذي عُرف باسم السيل التركي، والذي عُلّق بعد الأزمة الدبلوماسية الأخيرة.

وقد تشابهت العمليات العسكرية الأمريكية والبريطانية والفرنسية في عدم تناسقها وعجزها – دون سبب واضح – عن تدمير خطوط تنظيم الدولة للإمداد بالنفط المتجهة إلى تركيا، وكذلك في فشلها في قصف البنى التحتية النفطية الهامة لتنظيم الدولة، والتي تشمل قوافل الشاحنات التي تنقل نفط السوق السوداء، وأخيرًا في رفضها تسليح القوات الكردية العلمانية التي تحارب التنظيم.

وصار من الواضح أن إستراتيجية التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة تهدف في الأساس إلى احتواء طموحات التوسع الإقليمي للتنظيم داخل سوريا.

حيث صرّح باراك أوباما قبل هجمات باريس بفترة قصيرة قائلاً:

“كان هدفنا منذ البداية هو احتواء التنظيم، ولقد نجحنا في ذلك. فلم يتوسعوا في أي أراضي في العراق. وكما دخلوا سوريا، سيخرجون منها. لم نعد نرى هذا التقدّم الممنهج لتنظيم الدولة على الأرض”.

تتماشى هذه الاستراتيجية مع الواقع الذي يقول أن تقسيم سوريا يصب في مصلحة مكاسب المحافظين الجدد في مجالي الدفاع والطاقة والتي سبق لنا أن أشرنا إليها.

وبينما توسّع روسيا وجودها العسكري في المنطقة تحت ذريعة محاربة تنظيم الدولة، تسارع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا لحجز موطئ قدم لجيوشهم في سوريا – وهدفهم من وراء ذلك هو تعزيز موقفهم للاستفادة مما ستؤول إليه الأمور في مرحلة ما بعد الصراع. فبحسب ما ورد في التقرير الجيولوجي الأمريكي “النشرة السنوية للموارد المعدنية”:

“من المتوقع ألا يعود أغلب المستثمرين الدوليين – الذين خرجوا من سوريا بعد تدهور الوضع الأمني هناك – إلا بعد انتهاء الصراعات العسكرية والسياسية”.

عطفًا على هذا السياق، وبينما تشدد روسيا وإيران قبضتيهما على سوريا من خلال نظام بشار الأسد – مُطالبتين بحصتهما في الموارد السورية غير المُستغّلة في البحر المتوسط – فإن وتيرة العمليات العسكرية الغربية المتسارعة تقدم للنظام السوري الجزرة والعصا: فالجزرة تعني تهديد الأسد لدفعه نحو تسوية سياسية تتماشى مع مخططات الطاقة الإقليمية الغربية؛ أما العصا فيُقصد بها الاستبدال به ممثلا أكثر توافقًا مع الغرب من داخل قوات المعارضة التي تحظى برعاية الحلفاء الغربيين ودول الخليج وتركيا، بينما تواصل في الوقت ذاته سياسة احتواء الفصيل الخبيث، ونعني هنا تنظيم الدولة.

من المستبعد أن تحظى هذه الإستراتيجية الدموية الرامية للانتصار على روسيا وإيران والظفر بثروات الطاقة في البحر المتوسط بأي فرصة للنجاح.

بل يُحتمل على الأرجح – بالنظر لماضي المنطقة القريب – أن تشتعل الأوضاع على نحو لا يمكن التنبؤ به، أو السيطرة عليه.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات