في مقالها في باب الشؤون الخارجية بمركز ستراتفور الاستخباراتي الشهير، تحدثت المحللة الأمريكية أيسة مهدي عما وصفته بأنه صناعة دائرة خالية من التعاطف مع الإسلام والمسلمين في الإعلام الأمريكي والأوروبي، وكيف يمكن أن يهدد مثل هذا النهج استقرار تلك المجتمعات.

“علينا أن نتحدث أكثر عن عجزنا عن التعاطف وعدم قدرتنا على وضع أنفسنا مكان شخص آخر لرؤية العالم من خلال أنظار أولئك الذين يختلفون عنا، بداية من الأطفال الجائعين إلى عاملي الصلب المشردين إلى المرأة المهاجرة التي تقوم بتنظيف غرفة النوم الخاصة بك”.

وقد استهل مهدي مقالها بهذا الاقتباس المنقول عن الرئيس الأمريكي باراك أوباما، في خطاب بدء عمله في جامعة نورث وسترن في عام 2006، عندما كان لا يزال سيناتورًا في الكونغرس، حيث لفت أوباما أنظار الخريجيين عن العجز في الميزانية الفيدرالية نحو شيء كان يراه أكثر مركزية بالنسبة إلى الروح الأمريكية.

وتعلق الكاتبة على كلمات أوباما بالتأكيد على أنه «من المحتمل أن المهاجرة كانت من أمريكا الجنوبية في ذلك التوقيت، ولكن اليوم ربما تكون من الصومال أو سوريا. ونحن نحاول إبعادها بسبب خوفنا المتنامي، كأمة، من المسلمين». مشيرة إلى أن هناك العديد من القوى التي تدفع الأمريكيين في هذا الاتجاه. بوعي أو بغير وعي، مؤكدة أن وسائل الإعلام هي إحدى هذه القوى.

ووفقا للمقال، فإنه يتم صناعات الخيارات من خلال تخطيط الصحيفة أو ترتيب القصص في نشرات الأخبار الإذاعية أو التلفزيونية. بفعل قطع الأنباء هذه، فإن الشعب يجد نفسه يفيض بالغضب ضد المسلمين المتطرفين في نفس الوقت الذي يشعر فيه بقليل من الأسف لضحاياهم. تحكي الأعمدة المكتوبة بالأقلام اليمينية بالتفصيل عن الفظائع المروعة التي ارتكبتها الجماعات الإسلامية مثل «الدولة الإسلامية» وبوكوحرام وسائر هذه الجماعات التي لا يزال يتم إدراجها تحت تصنيف «الجهاديين»، في الوقت الذي يشعر فيه الناس بوخز الحزن وهم يقرؤون  بشكل يائس عن الناس الذين يموتون جوعًا في بلدة مضايا السورية.

وتشير الكاتبة بالقول إن مرتكبي هذه الجرائم هم من المسلمين. ولكن معظم الضحايا هم من المسلمين أيضًا، ولكنهم على عكس الجناة، لا يتم تعريفهم عن طريق الدين ما لم يكونوا مسيحيين أو يهوديين أو يزيديين، بل يعرفون بحسب جنسياتهم: سوريين وعراقيين وأتراكًا. وأشار المقال إلى أنه عندما هاجمت جماعة متطرفة مثل الدولة الإسلامية مدينة حلب السورية، فقد قتل أعداد من المسلمين، وعانى الكثير منهم واضطروا إلى النزوح. ولكن الناس عرفوا الضحايا بأنهم سوريون. وتشير الخرائط والرسوم البيانية أن أكثر ضحايا الدولة الإسلامية وطالبان وحركة الشباب وجماعة بوكوحرام هم من المسلمين، ولكن لا يتم تعريفهم على هذا النحو في وسائل الإعلام، التي تقوم على نحو فعال بخلق وإدامة منطقة معلومات خالية من التعاطف حول المسلمين.

وتشير الكاتبة إلى أن هذا ينعكس بدوره على اللغة، سواء أكانت مكتوبة أو منطوقة. حيث يمكن للغة أن تقوم بخلق تجارب عاطفية عميقة وفق ما تنقله عن عالم الأعصاب «جورج لاكوف»، مؤكدة أن هذا هو سبب قيام الناس بقراءة الروايات أو الذهاب إلى السينما أو مشاهدة البرامج التلفزيونية. مع القراءات والمشاهدات المتكررة، يتم توليد مجموعة من الحقائق والثوابت عن الآخرين، يمكن أن تثير الثناء الجماعي أو العقاب الجماعي، كما يمكنها إثارة عقلية تكاد تكون غوغائية. وتشير الكاتبة إلى أن المناظرات الرئاسية الأخيرة تقوم بترديد أصداء غاضبة ضد المرشحين وبعضهم البعض أو حتى ضد الآخرين، وأبرزهم المسلمون، مؤكدة أن  هذا ليس جيدًا للأمة أو للعلاقات الدولية في العالم الذي يتقلص أكثر من أي وقت مضى.

وتؤكد الكاتبة أن وسائل الإعلام والنقاد يتلاعبون بمعايير الدقة والمصطلحات بطريقة تهدد المنظور العام لـ”مشكلة المسلمين”. حيث يتم تفسير هجرة اللاجئين المذعورين الذين فروا إلى أوروبا بعدما فقدوا كل شيء بما في ذلك أفراد أسرهم، باعتبارها قضية إسلامية بدلا من كونها قضية إنسانية. وتشير إلى أن ما يعرف بـ« العالم المتحضر» يبدو أنه لم يتعلم  بعد من تجربة المحرقة أن الترحيب وليس الرفض هو الذي بإمكانه أن يعمل في مواجهة الاضطهاد. وأشارت إلى مقولةٍ أخبرها بها طبيب يهودي لأمراض النساء  قبل عشرين عاما بخصوص تلك الحرب المروعة في البوسنة، حيث كان الاغتصاب يستخدم باعتباره سلاحًا معترفًا به رسميًّا في الحرب. حيث أشار بالقول: «إذا كانت النساء اليهوديات هن من يتعرضن للاغتصاب، فإن الولايات المتحدة لم تكن لتقف على الحياد».

ووفقا للمقال، فإنه بالإمكان إضافة التقارير غير الدقيقة إلى هذا المزيج. وضربت مثالا على ذلك بالتقارير التي تقدم الإسلام والمسلمين على أنهم جدد على الغرب وربما يحملون قيمًا غريبة أو مهددة. هذه التقارير تثير قلق الغربيين على فرنسا التي يبلغ عدد سكانها المسلمين نسبة 10 في المائة من سكانها، وتحولها  بشكل مفاجئ ومغلوط إلى أكبر دولة مستضيفة للمسلمين في أوروبا. وهي في ذات الوقت تتناسى الحقيقة وهي أن الأمر ليس هكذا، حيث تبلغ نسبة المسلمين في ألبانيا ما يقرب من 80 في المائة، بينما تبلغ نسبتهم في البوسنة أكثر من 60 في المائة، وفي مقدونيا ما يرقب من 35 في المائة، وفي الجبل الأسود أكثر من 18 في المائة. وحتى في الدول الشقيقة لفرنسا داخل الاتحاد الأوروبي، فإن بلغاريا تبلغ نسبة عدد سكانها المسلمين حوالي 13 في المائة، وهي نسبة تفوق بوضوح نسبة المسلمين في فرنسا. والفرق هنا، وفقا للكاتبة، هو أن (المسلمين البلغار مثل نظرائهم في الدول المرشحة للانضمام للاتحاد الأوروبي المذكورة أعلاه قد عاشوا في أوروبا لأكثر من 600 عام)، وهم متداخلون في جميع المستويات الثقافية والاجتماعية والحكومية.

ويؤكد المقال بالقول إن الإسلام ليس جديدًا على أوروبا. وقد جاء إلى القارة مع المسلمين على مدار 700 عام بين القرن الثامن والخامس عشر، حين كان المسلمون يتمتعون بذروة حضارية لم تكن معروفة عند غيرهم في ذلك التوقيت. كما يشير إلى قدوم الإسلام إلى الأمريكتين مع المستكشفين المسلمين على متن سفن كريستوفر كولومبس، ثم وصل مليونان آخران منهم على سفن العبيد. ويقول العلماء إن 20 في المائة من الأفارقة الذين تم جلبهم عبيدًا إلى الشواطئ الأمريكية كانوا من المسلمين. وقد استقر المهاجرون المسلمون السوريون بالولايات المتحدة على طول نهر الأرز في أواخر القرن الثامن عشر.

ورغم ذلك، تؤكد الكاتبة على أن السياق الذي نتعرف فيه على هؤلاء الجيران هو مزيج من الغيرية والخوف. حيث تضع الهجرة عبر البحار إلى الشواطئ الأوروبية الشعوبَ الغربية أمام ازدواجية في الخيارات العاطفية: ما بين التعاطف مع العائلات التي تسعى ما يسعون إليه أيضًا بحثًا عن الأمل والمستقبل لأطفالهم، أو تغليب الخوف بشأن هجمة لنظام غير مألوف من القيم. وتنقل الكاتبة في هذا الصدد قول «لاكوف» أن  “الخوف هو، كما تعلمون، واحد من العواطف الطبيعية لدينا”، والذي يضيف بالقول: «طالما يسيطر عليك الخوف فإن ما تفعله هو الحفاظ على سلامتك عبر إغلاق كافة أشكال التعاطف مع مصادر الخطر المحتملة».

وتشير الكاتبة أن هذا الأمر يكون صحيحًا حتى بالنسبة إلى الصحفيين، حيث يكون الهدف الذي يسعون إليه هو مواجهة المخاوف والتي يمكن أن تضيف، دون وعي، لهذا النهج الإخباري الخالي من التعاطف مع المسلمين. إضافة المخاوف الإنسانية إلى السياق الثقافي الذي يثبط التعاطف، يقوي خطاب تلك الدورة المضادة للتعاطف التي تترك هكذا دون انقطاع. ومثل هذا قد يكون ضارا بسلامة الجميع. وفقا للكاتبة.

وتنقل الكاتبة عن «جيفري ساكس» في كتابه «ثمن الحضارة.. إعادة بعث الفضيلة والازدهار الأمريكيين» قوله:

«ونحن في مطلع القرن الحادي والعشرين، فإننا بحاجة إلى إعادة التعرف على فكرة المجتمع الصالح وإيجاد مسارات إبداعية نحو ذلك. والأهم من ذلك، علينا أن نكون على استعداد لدفع ثمن الحضارة من خلال التحلي بأخلاق المواطنة الصالحة وتذكر أن الرحمة الغراء هي التي تربط هذا المجتمع ببعضه البعض».

وتختتم الكاتبة مقالها بالتأكيد على أن بعضًا من أكبر مشاكل الأمريكيين ليس على مستوى الدولة ولكنها على مستوى الأشخاص؛ التعصب والعنصرية والفقر والانتقام والصدمات النفسية. مشيرة إلى أنه يجب البدء بتوطين التعددية على المستوى الفردي وتوسيع ذلك في السياسات الوطنية والخارجية التي تتطلب التعاطف. مؤكدة أن قطع تلك الدائرة الخالية من التعاطف في صناعة الأخبار حول الإسلام والمسلمين هو أمر ضروري للحفاظ على الحضارة الأمريكية.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد