كتب سودارسان راجافان، مدير مكتب صحيفة «واشنطن بوست» في القاهرة، والذي يغطي شمال أفريقيا واليمن، تقريرًا نشرته الصحيفة الأمريكية حول اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بحق المغرب في سيادته على الصحراء الغربية، مسلطًا الضوء على تداعيات هذا القرار على المنطقة، وما سيسفر عنه من تداعيات.

ترامب يؤجج الصراعات والتوترات

توقَّع الكاتب في مستهل تقريره أن يؤدي قرار الرئيس ترامب بالاعتراف بسيادة المغرب على منطقة الصحراء الغربية المُتنازَع عليها إلى تأجيج الصراعات والتوترات في المنطقة ويهدد مئات الآلاف من سكان المنطقة بالحرمان من حقهم في تقرير المصير. وعلاوةً على ذلك، سيضع هذا القرار الولايات المتحدة من جديد في مواجهة مع معظم دول العالم.

Embed from Getty Images

وأوضح الكاتب أن الولايات المتحدة أصبحت منذ إعلان يوم الخميس، القوة الكبرى الأولى والوحيدة التي تعترف بالسيادة المغربية على منطقة الصحراء الغربية، وهو الإجراء الذي سعى إليه المغرب منذ سنوات، وذلك في مقابل موافقة المغرب على بدء تطبيع العلاقات مع إسرائيل.

وبحسب بعض المحللين، يرى المغاربة أن الاعتراف الأمريكي بمثابة خطوة أولى أساسية في مسار إقناع القوى الكبرى الأخرى، مثل الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين، باتخاذ القرار نفسه. تقول سامية الرزوقي، صحافية مغربية سابقة ومرشحة حالية لنيل شهادة الدكتوراة، والتي تتابع عن كثب قضية منطقة الصحراء الغربية، إن: «الفائدة من وراء هذا القرار تتمثل في دعم قوة عالمية كبرى لمطالب المغرب بالسيادة على هذه المنطقة، وهو الأمر الذي يفتقر إليه المغرب حتى الآن. ومن المرجح أن يستخدم المغرب هذا القرار في العلاقات الدبلوماسية المستقبلية مع غيره من الدول».

معارضة قرارات الأمم المتحدة

ويستدرك الكاتب قائلًا: بيد أن اعتراف مزيد من الدول بسيادة المغرب على المنطقة المُتنازَع عليها يعني معارضة قرارات الأمم المتحدة التي تمنح السكان الأصليين الصحراويين في منطقة الصحراء الغربية وجبهة البوليساريو، الحركة الانفصالية المؤيدة للاستقلال، والتي تقاتل بالنيابة عن هؤلاء السكان، حق السيادة على المنطقة.

وفي الوقت الراهن، تعترف 38 دولة، معظمها في قارة أفريقيا وأمريكا اللاتينية، بدولة «الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية»، التي أصبحت عضوًا في الاتحاد الأفريقي في عام 1984، أو تحافظ على إقامة علاقات دبلوماسية معها. وفي إشارة إلى الاعتراف الأمريكي، قال سيدي عمر، ممثل جبهة البوليساريو في الأمم المتحدة، «لن يكون لهذا القرار أي تأثير على الإطلاق على طبيعة قضيتنا القانونية. إذ لا تعترف الأمم المتحدة بسيادة المغرب على هذه المنطقة».

لماذا تصاعدت التوترات من جديد؟

أشار الكاتب إلى أن القرار الأمريكي يأتي متزامنًا مع تصاعد التوترات بين قوات الأمن المغربية وجبهة البوليساريو المدعومة من جارتها الجزائر. وقد أعلن المتمردون الشهر الماضي حالة الحرب وأنهوا حالة وقف إطلاق النار التي دامت لمدة 29 عامًا بعد اتهامِهم المغرب بإطلاق عمليات عسكرية في منطقة فاصلة بين الحدود في الصحراء الغربية.

بينما قال المغرب إن تحركاته جاءت على خلفية مزاعم تفيد باعتراض المتمردين طريق الناس والبضائع، وإزعاج قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وهو ما نفته الأمم المتحدة في وقت لاحق.

Embed from Getty Images

ولفت الكاتب إلى أن العداء بين المتمردين والمغرب انتقل يوم الخميس إلى وسائل التواصل الاجتماعي؛ إذ كتب عمر، ممثل البوليساريو، تغريدة شديدة اللهجة أعلن فيها أن اعتراف ترامب «يُظهِر أن النظام في المغرب على استعداد لبيع روحه للحفاظ على احتلاله غير القانوني لأجزاء من الصحراء الغربية».

من جانبها، أعلنت جبهة البوليساريو المتمردة في بيان لها أن الاتفاقية تُعد «انتهاكًا صارخًا لميثاق الأمم المتحدة وقرارات الشرعية الدولية». وأضافت الجبهة أن هذه الخطوة «تعرقل جهود المجتمع الدولي للتوصل إلى حل يضع حدًّا لهذا الصراع».

تشريد الآلاف بسبب الصراع

وألمح الكاتب إلى أن المغرب ضمَّت منطقة الصحراء الغربية، وهي مستعمرة إسبانية سابقة، إلى حدودها في عام 1975. وأدَّت هذه الخطوة إلى اندلاع صراع دام قرابة ستة عشر عامًا بين المتمردين والحكومة المغربية حتى لعبت الأمم المتحدة دور الوسيط في الاتفاق للتوصل إلى هدنة في عام 1991. ويسيطر المغرب حاليًا على حوالي ثلاثة أرباع منطقة الصحراء الغربية، بينما تشرف جبهة البوليساريو و«الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية» على بقية المنطقة. وتعترف الأمم المتحدة بالمنطقة بالكامل على أنها «إقليم غير متمتع بالحكم الذاتي».

جديرٌ بالذكر أن أكثر من 100 ألف شخص فرُّوا من الصراع والقمع الذي عانوا منه في منطقة الصحراء الغربية ويعيشون حاليًا بوصفهم لاجئين في ظروف عصيبة في الصحراء الجزائرية. وقد تطلع كثيرون منهم وعلَّقوا آمالهم على التعهد بإجراء استفتاء للحصول على الاستقلال، وهو الاستفتاء الذي كُلِّفت الأمم المتحدة بالإشراف عليه، لكنه لم يُجرَ بعد. وبات مستقبل هؤلاء المشردين غير واضح المعالم أكثر من ذي قبل.

ونوَّه الكاتب إلى أن احتمالات إجراء هذا الاستفتاء للحصول على الاستقلال تتضاءل شيئًا فشيئًا مع استخدام الولايات المتحدة لحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وإذا حذَا مزيدٌ من الدول حذو الولايات المتحدة في الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، فسيصبح الاعتراف الدولي بإقامة دولة صحراوية مستقلة أمرًا بعيدَ المنال.

تمدد التوترات عبر الحدود

تقول سامية الرزوقي: «إن الاعتراف الأمريكي يضع المسمار الأخير في نعش أي استفتاء محتمل. وسيُؤثر عدم إجراء الاستفتاء في الإجراءات المستقبلية التي ستتخذها جبهة البوليساريو واللاجئون. وكما رأينا في الأشهر القليلة الماضية، خيار الحرب ليس مطروحًا على الطاولة».

دولي

منذ شهر
ياريف الباز.. مهندس «صفقة التطبيع» المغربية الذي يخطط «لغزو» أفريقيا

ورجَّح الكاتب أن التوترات يمكن أن تمتد عبر الحدود. وصحيحٌ أن الجزائر، الراعي الرئيس لجبهة البوليساريو المتمردة، لديها مشكلاتها الداخلية الخاصة التي ينبغي لها التعامل معها، ومن بينها الأزمة الاقتصادية والاضطرابات السياسية والاجتماعية، بالإضافة إلى رئيس البلاد الذي يُعالج في المستشفى من جراء إصابته بفيروس كورونا المستجد منذ أواخر أكتوبر (تشرين الأول)، لكنها قد تتدخل إذا استُهدِفت جبهة البوليساريو بقوة.

المواقف لن تتغير بشأن القضية

وفي تحليله الذي أرسله عبر البريد الإلكتروني، قال هاميش كينير، محلل شؤون شمال أفريقيا في شركة (فيريسك مابليكروفت أو Verisk Maplecroft)، وهي إحدى الشركات الرائدة في مجال الاستشارات المتخصصة في مجال تحليل المخاطر السياسية، إن: «المغرب، الذي شجَّعه على ما يبدو التأييد الأمريكي، سيشعر بالحرية لمواصلة جهوده الحربية ضد جبهة البوليساريو، والتي قد تدعو الجزائر إلى التدخل، لأنها الراعي الخارجي الرئيس لهذه الجبهة».

Embed from Getty Images

واستبعد كينير «أن يؤدي اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على المنطقة المُتنازَع عليها إلى تغيير في موقف القوى الكبرى بين عشية وضحاها»، مشيرًا إلى أنه حتى فرنسا، أحد الحلفاء المقربين للمغرب، تتفق مع الأمم المتحدة بشأن وضع الصحراء الغربية.

واختتم الكاتب تقريره بقول سيدي عمر: «مهما كان اختيار الدول الأخرى بشأن هذه القضية، فهذا شأنها. لكننا سنواصل كفاحنا حتى نحقق حريتنا».  وأوضح عمر أن جبهة البوليساريو ما زالت تأمل في أن تُلغِي الإدارة الأمريكية المقبلة بقيادة الرئيس المنتخب، جو بايدن، «القرار الذي اتخذه دونالد ترامب، والذي ينتهك القواعد الأساسية للقانون الدولي». لكن كينير ومحللين آخرين استبعدوا اتخاذ مثل هذه الخطوة لأنها على الأرجح ستنسف اتفاقية التطبيع بين المغرب إسرائيل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد