مصر تسير على درب الدول التي تفتت. إذا عذبت شعبك بما يكفي، ستتغذى داعش على جراحهم.

مثلت صور انفجار الفرقاطة المصرية على ساحل سيناء تحذيرًا للسياسيين الغربيين. أجل، نحن ندعم مصر ونحبها، وما ننفك نرسل سياحًا إلى مصر. ونحن مستمرون في دعم الرئيس عبد الفتاح السيسي، وذلك على الرغم من أن حكومته قد زجت بحوالي 40000 شخص في السجون لأسباب سياسية، أكثر من نصفهم من الإخوان المسلمين، الذين حُكم على المئات منهم بالإعدام. وما انفك النظام المصري يساوي بين عدوه اللدود جماعة الإخوان المسلمين وتنظيم داعش. بينما قتلت داعش المئات من جنود الجيش المصري، ستين منهم خلال الأسبوعين الماضيين، حيث أعلن متحدث عسكري في أعقاب ذلك أن سيناء “تحت السيطرة بنسبة 100%”. ولكن بعد تدمير القطعة البحرية يمكننا أن نسأل: من الذي يسيطر على شبه جزيرة سيناء؟

ولكن، وبينما تعد هذه أكبر معركة تشهدها سيناء منذ حرب أكتوبر عام 1973، فإننا نقوم بخنق هذا الصراع عبر مخاوفنا بشأن العراق وسوريا وليبيا واليمن. ونحن في الغرب نشعر بارتياح كبير لأن جنرالًا علمانيًّا حل مكان أول رئيس مصري منتخب ديمقراطيًّا، وبتنا الآن ندعم قيادة السيسي كما دعمنا مرسي من قبل. فقد استأنف الأميركيون تقديم مساعداتهم العسكرية إلى مصر، ولمَ لا ورجال السيسي يقاتلون مجرمي داعش؟

إلا أن الأمر يختلف قليلًا بالنسبة للمصريين. فهم يعامَلون من قبل السيسي بنفس العقلية التي عامل بها صدام حسين شعبه. وهذا يشمل طموحه الكبير في بناء عاصمة جديدة عملاقة تحل محل القاهرة الفقيرة، على أن ينتهي بناؤها خلال سبع سنوات، وهذا ليس بعيدا عن مشروع المجرى الثاني لقناة السويس، المزمع الانتهاء منه خلال 12 شهرًا كحد أقصى. ستبلغ مساحة القاهرة “الجديدة” 700 كم2 وستكلف حوالي 30 مليار جنيه إسترليني. ورافق الكشف عن هذا المشروع المنافي للعقل حضور توني بلير، الذي كان رئيس وزراء بريطانيا لكنه يقوم الآن (إلى جانب الواجبات المنزلية المرهقة) بتقديم استشارات إلى الرئيس المصري عبر شركة استشارات إماراتية.

إن هذا المشروع الخيالي ينم عن عدم اكتراث لمصالح المصريين الحقيقية. فقد جرى بناء أكثر من 60% من العاصمة الحالية خلال العقود القليلة الماضية، وهي تمتلئ بالأحياء الفقيرة ذات البيوت المتهدمة والحرارة المرتفعة. أما الآلاف من الفيلات التي جرى تشييدها في ضواحي المدينة فهي شبه خاوية، فلا أحد يتحمل تكلفة شرائها. هل هناك بيئة أفضل من هذه لتترعرع بها داعش؟

لنلقي نظرة على مصر الحقيقية التي يحكمها السيسي. بدلًا من تجديد شباب القاهرة الفقيرة المحطمة، يريد السيسي أن يبدأ من جديد. ثمة مدينة قاهرة جديدة بالفعل على ضواحي القاهرة الأصلية، التي جرى بناؤها كتوسعة للعاصمة في عهد كل من السادات ومبارك، لذا فمحاولة السيسي التغطية على الفشل الاجتماعي ستكون عبر بناء عاصمة جديدة.

لا يتعين على الرئيس القلق بشأن الاضطرابات الصناعية في مدينته الخيالية. فقد قضت المحكمة الإدارية العليا المصرية بتجرية الإضرابات، رغم إجازة هذا الحق في المادة 13 من الدستور المصري (المخالف للشريعة). كانت المحكمة قد أحالت ثلاثة موظفين إلى التقاعد وفرضت عقوبات على 14 آخرين لتنفيذهم إضرابًا في محافظة المنوفية، وذلك بحجة أن تعطيل العمل “يتعارض مع تعاليم الإسلام ومقاصد الشريعة الإسلامية”. وقد أعلنت المحكمة على الطريقة الداعشية تقريبًا أن “إطاعة أوامر الرؤساء في العمل واجبة”. وهذا حكم غريب، فتعاليم النبي محمد حرمت تناول الكحوليات، إلا أنها متداولة في مصر.

كما أن الحكومة المصرية ليس لديها ما يقلقها من النقابات الرسمية. الجبالي المراغى، رئيس اتحاد نقابات العمال المصرية، أعلن في مقابلة مع صحيفة المصري اليوم أن “مهمتنا هي تنفيذ جميع المطالب التي تقدم بها الرئيس، زيادة الإنتاج ومحاربة الإرهاب”. بينما رأى نائب رئيس الوزراء السابق زياد بهاء الدين حكم المحكمة سخيف. وتساءل “ألم نتظاهر ضد الدستور الذي صاغته جماعة الإخوان المسلمين لأنه حاول خلط الدين بالسياسة؟”

في الواقع، نحن في الغرب الآن نشجع دولة مألوفة جدًا جديدة” في مصر: الأبوية والديكتاتورية، التي يطاردها الأعداء “الخارجيون”، وهي مسألة وقت فقط قبل أن تعلن الحكومة المصرية داعش كذراع للموساد، حيث يعتبر محيط من الفقر السبب الرئيس الذي يدفع إلى استخدام قوانين صارمة أكثر من أي وقت مضى ضد حرية التعبير. قيل لنا، الشعب يريد الخبز وليس الحرية، يريد الأمن بدلًا من الإرهاب.

في الواقع، تمضي مصر في المسار الذي اتبعته العديد من البلدان الأخرى التي تمزقها داعش. لذلك، إذا عذبت شعبك بما فيه الكفاية، ستتغذى داعش على جراحهم.

وهكذا، تقع سيناء الآن تحت سيطرة داعش بقدر ما تقع تحت سيطرة مصر.  يثبت اغتيال النائب العام في القاهرة أن عمليات داعش تجاوزت قناة السويس. وحتى القوات البحرية المصرية باتت تحت طائلة الهجوم.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد