يحذر كثيرٌ من المحللين المواطنين في السودان والجزائر من مصيرٍ مشابه لما آل إليه الوضع في مصر في السنوات الأخيرة، وبالأخص بعد فض اعتصام المتظاهرين في الخرطوم الأسبوع الماضي. وفي هذا الصدد، سلَّط الباحث السياسي كيليان كلارك في تقريرٍ نشرته مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية الضوء على بعض الدروس التي يُمكن للحِراك الشعبي في السودان والجزائر استخلاصها ممَّا حدث في مصر.

أشار كلارك إلى أنَّه بعد ثمانية أعوامٍ من ثورات الربيع العربي التي أذهلت العالم، اشتعلت الاحتجاجات مجددًا. ففي أبريل (نيسان) الماضي، أطاحت الحركات الشعبية في الجزائر والسودان اثنين من أطول القادة المُستبدين حُكمًا: الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، الذي استقال في 2 أبريل، والسوداني عُمر البشير، الذي عُزِل من السلطة في 11 أبريل.

وذكر أنَّ ثمة أوجه تشابُه واضحة بين انتفاضتيّ السودان والجزائر وثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011 في مصر، التي أطاحت الرئيس الأسبق حسني مُبارك. ففي كل منها، تكاتفت الحركات الشبابية، والأحزاب المُعارضة، والنِّقابات العُمّالية، ومنظمات حقوق الإنسان مع بعضها ضد الأنظمة الاستبدادية والقمعية.

Embed from Getty Images

ونجحت هذه الائتلافات المتنوعة في تحويل المظالم المحلية المُتعلقة بالبطالة، والتضخّم، وانتهاكات الشرطة إلى دعواتٍ واضحة للتحوّل الديمقراطي والإصلاح الاقتصادي. وفي كلٍّ من الجزائر والسودان، كما حدث في مصر عام 2011، تدخَّل الجنرالات لإطاحة القادة الطُّغاة، فقط ليتمكّنوا من السيطرة على زِمام الأمور خلال المرحلة الانتقالية التي تعقُب الثورات.

ورأى الباحث الأمريكي أنَّ هذه التشابهات مُثيرة للقلق؛ بالنظر إلى ما آلت إليه الأوضاع في مصر. ففي أعقاب إطاحة الرئيس مُبارك، واجه التحول الديمقراطي عقبات نتيجة سوء التخطيط، ما أثار فِتنةً بين الثوّار في مصر، ومهّدت انقساماتهم الطريق لانقلابٍ عسكري مُضاد للثورة في عام 2013، أعاد حُكم العسكر. ثم تولَّى مهندس الانقلاب عبد الفتاح السيسي رئاسة البلاد، وأسس نظامًا أكثر عنفًا وقمعية من ذلك الذي أطاحته الثورة 2011.

ومع ذلك، يعتقد كلارك بأنَّ تجربة مصر الديمقراطية الفاشلة بها دروسٌ مفيدة. وبينما تتخذ الجزائر والسودان أولى خطواتهما التجريبية نحو الديمقراطية، يُمكنهما الاستفادة من هذه الدروس، التي من شأنها مُساعدتهما على إبقاء العملية الانتقالية على المسار الصحيح.

قوة الشارع

أحد أهم الدروس المُستفادة من الثورة المصرية، بحسب كلارك، أنَّ احتجاجات الشوارع أثبتت قُدرتها على التأثير في قرارات الجيش. فبعد أن أجبر جنرالات مصر مُبارك على التنحّي وسيطروا على الحكومة، واجه المُتظاهرون المدنيون الذين احتلوا ميدان التحرير ووفَّروا الزخم اللازم لإطاحة مُبارك مُعضِلةً: هل ينبغي أن يتركوا الميدان أم يواصلوا التظاهُر؟

وسُرعان ما اكتشف الشباب الذين قادوا الحركة المُناهضة لمُبارك، خلال مفاوضاتهم مع الجيش حول شروط الانتقال السلمي للسلطة وإنشاء مؤسساتٍ ديمقراطية جديدة أنَّ نفوذهم الأكبر نابع من قُدرتهم على إعادة تعبئة الشارع.

وعادةً بعد أحداث الاحتجاجات الضخمة كان الجنرالات يشعرون بمزيدٍ من التهديد، ما يجعلهم أكثر استعدادًا لتقديم تنازلات. ففي أكتوبر (تشرين الأول) 2011، على سبيل المثال، أجبرت الاحتجاجات الشعبية بشارع محمد محمود في وسط القاهرة الجنرالات على سحب مجموعةٍ من «المبادئ فوق الدستورية» التي كانت ستمنح حقوقًا وامتيازاتٍ للجيش قبل عملية صياغة الدستور.

Embed from Getty Images

وفي رأي للباحث الأمريكي، يبدو أنَّ النشطاء في الجزائر والسودان يُعوّلون على استراتيجيةٍ مُماثلة. ففي الخرطوم، نظّمت الحركة اعتصامًا هائلًا أمام مقر القيادة العامة للقوات المُسلّحة، والذي لم يقدر الجيش السوداني على فضّه إلا باستخدام وسائل غير مسبوقة من القمع العنيف.

وبشجاعة، ردّ المتظاهرون السودانيون بإغلاق الطرق في جميع أنحاء المدينة، ودعا قادة الحركة إلى إضرابٍ عام على مستوى البلاد، وأصرّوا على عدم إنهاء العصيان المدني الشامل إلا حين يُشكّل الجيش حكومةً مدنية.

وفي الواقع، فلولا استمرار بقاء الناشطين في الشوارع، لكان الجيش السوداني قد نجح بالفِعل في فرض حكومة انتقالية يقودها الجنرالات. وفي الجزائر، تواصلت احتجاجات أيام الجمعة في جميع أنحاء البلاد منذ سقوط بوتفليقة، رغم محاولات الجيش لحظر التظاهرات وقمع الناشطين.

ورفعت هذه الاحتجاجات عددًا من المطالب الملموسة، بما في ذلك إرجاء الانتخابات الرئاسية، المُزمع إجراؤها في أوائل يوليو (تموز)، فضلًا عن تطهير الحكومة تطهيرًا كاملًا من أتباع بوتفليقة وحلفائه. وتحقيق هذه المطالب وإجبار الجنرالات في كلا البلدين على التخلّي عن السلطة السياسية لقادةٍ مدنيين رُبما يعتمد على مدى فعالية هذه الحركات في الاستمرار في حشد الشارع.

حافظوا على الوحدة

ويُبرز الباحث الأمريكي درسًا آخر من الثورة المصرية، يتمثّل في أهمية الإبقاء على القوى الثورية موحّدةً. ففي رأيه، أحد أهم الأسباب وراء تمكُّن الجيش من العودة إلى السلطة، معتمدًا على موجةٍ كبيرة من الدعم الشعبي، أنَّه في أواخر عام 2012، انشقّ الجناح العلماني للائتلاف الثوري المصري عن الجناح الإسلامي المُتحالف مع جماعة الإخوان المُسلمين وحكومة الرئيس المعزول محمد مُرسي.

وفي نهاية المطاف، التزمت كلتا المجموعتين برؤاهما ومصالحهما السياسية أكثر من التزامهما بحماية المؤسسات الديمقراطية التي سمحت لهما الثورة بتشكيلها. وكما الحال في مصر، فإنَّ الائتلافات التي خرجت إلى الشوارع في الجزائر والسودان متباينة تمامًا، وتفتقر هي الأخرى إلى دُعامةٍ تنظيمية قوية.

ويُشير كلارك إلى أنَّ هذه الائتلافات في حاجة إلى أن تكون استباقيةً في ما يتعلق بالحفاظ على تماسُكها والتركيز على الأهداف المُشتركة بينها: وهي إقامة حكمٍ مدني، وبناء مؤسسات ديمقراطية، ومحاسبة مسؤولي النظام القديم. وسيحظى الالتفاف حول هذه الأهداف المُشتركة بأهميةٍ خاصة عندما تبدأ المهام المتعلقة بصياغة الدساتير الجديدة وإجراء الانتخابات، والتي من المُحتمل أن تُثير فوضى، وتُحدِث انقسامات.

وبحسب تقريره، أظهر ثوَّار السودان حتى الآن قدرةً رائعة على التحدّث بصوتٍ واحد. إذ شكَّلوا منظمة شاملة، وهو تحالُف قوى إعلان الحرية والتغيير، الذي قدَّم مجموعة واضحة من المطالب وبرنامجًا للإصلاح.

ويقع الدور التنسيقي الرئيسي لهذا التحالف على عاتق تجمُّع المهنيين السودانيين، وهو تحالُف مؤلّف من أطباء ومهندسين ومحامين ومعلمين وحركات شبابية مثل حركة «قرفنا». وخلال المفاوضات مع المجلس العسكري الانتقالي، قدَّم التحالف جبهةً موحدة، مُصِرًا على أن أي حكومة انتقالية ينبغي أن تكون ذات أغلبيةٍ مدنية.

ومع ذلك، توجد دلائل على حدوث انقسامات. فهناك تنوُّع عرقي وديني كبير في السودان برز جليًا خلال الانتفاضة ضد البشير. إذ ضمَّت مجموعاتٍ متمردة من مناطق مثل دارفور وجنوب كردفان، والتي تُشكّك أكثر في الجيش، واتخذت موقفًا مُتشددًا في المفاوضات، مُطالبةً بتطبيق العدالة إزاء الأعمال الوحشية التي ارتُكِبت خلال الحملات العسكرية في مناطقهم.

Embed from Getty Images

وعلى الجانب الآخر، فإنَّ حزب الأمة الوطني المحافظ نسبيًّا، الذي حكم السودان خلال الفترة الديمقراطية الأخيرة من 1985 إلى 1989، وأيَّد الاحتجاجات ضد البشير في يناير الماضي، تردَّد في الضغط على الجنرالات إلى هذا الحد. وفي الآونة الأخيرة، عارض زعيمه صادق المهدي دعوة تجمّع المهنيين السودانيين إلى إضرابٍ عام لزيادة الضغط على المجلس العسكري.

وكان التوحّد أبعد منالًا في الجزائر. فمعظم الأحزاب المُعارضة الرئيسية في البلاد لا تتمتع بمصداقيةٍ تُذكر نتيجة أعوامٍ من التعاون مع نظام بوتفليقة، واستغلال النظام لها. وبدلًا من ذلك، فإنَّ المشاركين الرئيسيين في التظاهرات المناهضة للحكومة كانوا من النقابات العُمالية، ومنظمات حقوق الإنسان، والحركات الشبابية، ولم يكن لأيٍّ منهم دورٌ قيادي بارز.

وبينما اقترح بعض الجزائريين أن يقود الحكومة الانتقالية مصطفى بوشاشي، المُحامي في مجال حقوق الإنسان الذي يحظى باحترامٍ واسع، أعرب بوشاشي عن أنَّه لا يهتم بمثل هذا الدور، وأصرَّ على أنَّ «الشباب الجزائري يجب أن ينظموا أنفسهم».

وبينما يبدو أنَّ هناك إجماعًا في صفوف المُعارضة الجزائرية على أنَّ عملية الانتقال العادل يجب أن تشمل تشكيل حكومة وحدة وطنية شاملة تشرف على انتخاب مجلس من شأنه أن يكتب في ما بعد دستورًا جديدًا، ظهرت توترات بالفعل بين الجماعات الناشطة حول الدور الذي ينبغي للأحزاب الإسلامية أن تلعبه في مثل هذه الحكومة المؤقتة.

وفي النهاية، إذا كانت هذه الائتلافات الثورية المتنوّعة تأمل في أن تظل موحّدةً، فإنَّها -في رأي كلارك- تحتاج إلى التركيز على تحقيق الأهداف التي جمعتها في المقام الأول: إنشاء مؤسسات ديمقراطية دائمة، وحكم بقيادة مدنية. وبمجرد توحدها، يمكنَّها استخدام هذه القنوات المؤسسية الجديدة للطعن في المنافسة برؤاها حول مُستقبل بلدهم السياسي.

السعي للحصول على الدعم الخارجي

في الوقت ذاته، شدّد كلارك على ضرورة اعتراف الحركات الجزائرية والسودانية بأهمية السعي للحصول على الدعم الخارجي. فبعد ثورة 2011، علم المصريون سريعًا أنَّ ثورتهم لن تُترك بالكامل في أيديهم. وفي البداية، تردّدت الولايات المتحدة، الحليف الأكثر أهمية بالنسبة لمصر، في دعم الانتفاضة، لكنَّها في نهاية المطاف أيَّدت بحذر الانتقال إلى الحكم الديمقراطي.

لكن لم ينل الجناح العلماني ولا الجناح الإسلامي للحركة الثورية احترام الدبلوماسيين الأمريكيين، وازدواجية واشنطن تجاه حكومة مرسي كانت على الأرجح أحد عوامل تسهيل انقلاب السيسي. في الوقت نفسه، فإنَّ القوى الإقليمية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، التي تعارض بقوة جماعة الإخوان المسلمين، عَمِلت بنشاط للحيلولة دون ترسيخ الديمقراطية، من خلال توفير الموارد والدعم الدبلوماسي للجماعات والحركات المُعادية للثورة داخل مصر.

لكن يرى كلارك أنَّه في بعض النواحي، قد يكون تحقيق هذا الأمر في الجزائر والسودان أسهل مما كان عليه في مصر؛ فالولايات المتحدة ليس لديها سِوى قليلٍ من المصالح طويلة الأجل في هذين البلدين، ولذا ستكون أقل الخاسرين من انتقالهما إلى الديمقراطية. ففي الجزائر، تنازلت واشنطن عن القيادة الدبلوماسية لفرنسا، التي تتبنى نهج عدم التدخّل إزاء عملية الانتقال، إذ ينتابها شعورٌ بالقلق من أية تدخّلات قد يُنظر إليها باعتبارها تدخلًا استعماريًّا جديدًا.

وفي السودان، عارضت الولايات المتحدة لسنواتٍ طويلة نظام البشير. ورغم أنَّ واشنطن خففت حدة هذا الموقف في السنوات الأخيرة، فإنَّها لن تأسف لرحيل البشير. وفي اعتقاد الباحث، كلا البلدين عليهما أن يخافا أكثر من القوى الإقليمية، التي تركت القليل من الأسئلة حول نواياها.

إذ تحاول مصر استخدام موقعها رئيسًا للاتحاد الأفريقي لتجنّب وصف عزل البشير بـ«الانقلاب»، وهي تسميّة تتطلّب من المجلس العسكري تسليم السلطة لمدنيين، أو المخاطرة بتعليق عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي. وبعد أيامٍ فقط من تنحي البشير، تعهَّدت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بتقديم 3 مليارات دولار مساعدة للحكومة العسكرية الانتقالية في السودان.

Embed from Getty Images

ويقترح الباحث الأمريكي أنَّ النشطاء السودانيين والجزائريين يُمكنهم اتباع مسارين في مواجهة القوى الأجنبية. الأول من خلال مقاومة توغّلات دول المنطقة، مثل مصر والسعودية والإمارات، التي لديها مصالح واضحة في منع إقامة ديمقراطياتٍ حقيقية في الشرق الأوسط. فعلى سبيل المثال، خرج المتظاهرون في السودان إلى الشوارع للاعتراض على حزم المساعدات السعودية والإماراتية، وندّدوا بالتدخل الأجنبي في المرحلة الانتقالية.

وثانيًا، يمكن للنشطاء، بل ويجب عليهم، تنمية العلاقات مع القوى الأجنبية التي من المُحتمل أن تكون مُتعاطفةً معهم، ويُمكن أن تشمل هذه القوى الاتحاد الأفريقي، الذي كان داعمًا لإرساء الديمقراطية في أماكن أخرى من القارة منذ التسعينيات، والاتحاد الأوروبي، الذي دعم انتقال تونس الناجح بعد ثورة 2011، وحتى الولايات المتحدة.

وفي ختام تقريره، يشير كلارك إلى أنَّه مع اندلاع الثورات في الجزائر والسودان، مضى عددٌ من النشطاء المصريين الذين برزوا خلال الاحتجاجات المُناهضة لمُبارك في التعبير عن آرائهم، التي امتزج فيها التفاؤل مع الأسف.

لهذا ينصح الباحث ثوار السودان والجزائر بتوخي الحذر؛ لأنَّ بلديهم في بداية عملياتٍ طويلة شاقة لبناء أنظمةٍ ديمقراطية جديدة. واختتم كلارك قائلًا: «ما زال من السابق لأوانه معرفة ما إذا كانوا سينجحون، لكنَّ تعلُّم الدروس من الأخطاء التي وقعت فيها الثورة المصرية رُبما تُساعدهم على توجيه بلديهم بعيدًا عن مصير مماثل».

تجاوبًا مع دعوات العصيان المدني.. كيف حوّل السودانيون شوارعهم إلى «مدن أشباح»؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد