نشرت مجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية مقالًا للباحث شادي حميد، زميل معهد بروكنجز للأبحاث، عن التفاصيل الدقيقة التي يرى أن الولايات المتحدة لم تستوعبها أبدًا عن «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، مشيرًا إلى أنه على الرغم من أن الغرب يشجب وحشية وعنف تنظيم (داعش)، وهو محق في ذلك، لكنه يتجاهل فراغ الحكم الذي ملأته الجماعة الإرهابية، على الأقل لبعض الوقت.

وقال كاتب المقال: إن تنظيم (داعش) انغمس في بعض من أكثر الأعمال وحشية وسادية في العقود الأخيرة، وأنه إذا كانت أي جماعة متطرفة تستحق أن توصف بالشر، فستكون هذه الجماعة، لكن اشمئزازنا الذي استحقته (داعش) هو الذي يجعل من الصعب الحديث عما كانت عليه الجماعة، وما الذي كانت تعنيه، وما الذي لا تزال تعنيه.

«باحث ديني متزمت» أم «مغتصب وقاتل متسلسل»؟

وأضاف أن البعض سخر من وصف صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية لأبي بكر البغدادي بأنه «باحث ديني متزمت» في عنوان خبر وفاته، بعد مقتل زعيم (داعش) يوم 27 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، موضحًا أنه تم تغيير العنوان لاحقًا. وقد نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تغريدة قال فيها: إن «واشنطن بوست» وغيرها من وسائل الإعلام الرئيسة وجهت «انتقادات أشد لرئيس الولايات المتحدة؛ مما وجهته لزعيم (داعش)، المعروف بأنه مغتصب وقاتل متسلسل»، واعتبر الكاتب أن ترامب كان محقًا نوعًا ما.

وأشار إلى أنه تم توجيه انتقادات مماثلة لكلٍّ من روكميني كاليماتشي وفالح حسن، اللذين كتبا تقرير صحيفة «نيويورك تايمز» عن وفاة البغدادي، بسبب وصفهما للخدمات الحكومية المختلفة التي وفرها (داعش) في الأجزاء التي سيطر عليها ذات يوم في العراق وسوريا. حيث كتبا «إن (داعش) جمع الضرائب، وفي المقابل أزال القمامة، وكان يمكن لمن تزوجوا الحصول على وثيقة زواج مطبوعة، وبمجرد ولادة أطفال كان يتم تسجيل أوزانهم على النحو الصحيح على شهادة ميلاد صادرة عن (داعش)، حتى أن الجماعة أنشأت إدارة مرور خاصة بها».

وأوضح الكاتب أن الباحث المتخصص في الشأن العراقي باتريك أوسجود، غرد على موقع «تويتر»، قائلًا: إن «تركيز تقرير التايمز كان خاطئا تمامًا، حيث أعطى تفضيلا لأشياء هامشية عن (داعش) على حساب التكلفة البشرية الهائلة لطموح البغدادي النتن، المتمثل في الإبادة الجماعية والمذابح العديدة التي يصل ضحاياها إلى المئات وآلاف المفقودين».

داعش

«داعش» ارتكب فظائع لكن لماذا نجح؟

واعتبر حميد أن هذا القلق متفهم، إذ إن الحديث عن (داعش) من حيث كيفية حكمه، بدلًا عن عدد من قتلهم، قد يضفي على التنظيم بريقًا من الشرعية بعد سقوط الخلافة المزعومة للجماعة، لكنه أشار إلى أن أولئك الذين يرغبون في التركيز بالكامل تقريبًا على فظاعة (داعش) – باستثناء ما جعله ينجح – يقعون في فخ تحليلي. 

ففي نهاية المطاف، يفترض أن معظم الأمريكيين يدركون بالفعل أن (داعش) كانت منظمة إرهابية قامت بأشياء فظيعة، لذلك ليس الأمر كما لو أن تسليط الضوء على وحشية (داعش)، واستعبادها الجنسي، وقتل الأبرياء، يسد فجوة مهمة في الخطاب العام، «وأي شخص غير مدرك لهذا السجل المروع من غير المرجح أن يكون قارئًا لصحيفة واشنطن بوست أو نيويورك تايمز من الأساس»، ولكن الأهم من ذلك، أن المرء يمكن أن يدرك مدى وحشية (داعش)، بينما يناقش بطريقة موضوعية فاعليته النسبية في بعض جوانب الحكم، مضيفًا أن ما يعد حكمًا رشيدًا في العراق وسوريا قليل للغاية.

وتابع الكاتب قائلًا: إن الأكاديميين والخبراء قاموا عام 2015، وفي ذروة وحشية التنظيم، بعمل كبير حول كيفية إدارة (داعش) للمناطق التي يحكمها. وكان المنطق بسيطًا: فالطريقة الوحيدة لمنع ظهور جماعات مماثلة في المستقبل هي فهم ما الذي جعل (داعش) مميزًا، فهو لم يخرج من العدم، وهناك أسباب مكنته من الاستيلاء على هذا القدر من الأراضي. وكان أسلوب الحكم «الهامشي» جزءًا من تلك القصة.

وهذا يمكن أن يكون بقعة عمياء (نقطة لا ينتبه إليها) إذ يفترض المراقبون الغربيون أن الجماعات الوحشية سيئة في أسلوب حكمها، وهذا صحيح في بعض الأحيان، لكن العكس يمكن أن يكون صحيحًا أيضًا: فالمجموعات الأكثر وحشية تكون أفضل حكمًا من المجموعات الأقل وحشية.

مقاتلو «داعش» ليسوا حفنة من المجانين أو البلطجية

ونقل عن مارا ريفكين، الباحثة بجامعة ييل الأمريكية، قولها فيما قد يكون المحصلة النهائية لحكم (داعش): إن «التغطية الإعلامية لـ(داعش) تشير في كثير من الأحيان إلى نظام العدالة العنيف الذي تتبناه الجماعة ويبدو عتيقًا، دون النظر إلى الهياكل المؤسسية التي تمكن هذا العنف، أو الوظيفة الأوسع نطاقًا التي تخدمها هذه الهياكل في مشروع بناء الدولة الطموح للجماعة. حيث تسهل المؤسسات القانونية على (داعش) الاستيلاء على الأراضي والاحتفاظ بها من خلال إضفاء الشرعية على مطالبتها بالسيادة، وتبرير مصادرة ممتلكات وأراضي الأعداء، وبناء حسن النية مع المدنيين من خلال ضمان الخضوع للمساءلة».

وأضاف أنه إذا كان (داعش) مجرد حفنة من المجانين والبلطجية الذين يعملون على قتل الناس، لكانت هزيمتهم أكثر سهولة، ولما كان مقاتلو التنظيم قادرين على السير في مساحات شاسعة من العراق وسوريا، وهزيمة القوات التي تدربها الولايات المتحدة بسهولة، والتمتع – على الأقل في البداية – بقبول وحتى دعم شرائح من السكان المحليين.

وتساءل الكاتب عن الكيفية التي استطاع بها (داعش) القيام بذلك؟ موضحًا أنه على عكس معظم الجماعات الإرهابية، كان لـ(داعش) اهتمام مميز ببناء الدولة، وهو اهتمام ينعكس في دعاية الجماعة. فقد وجدت إحدى الدراسات التي أجريت عام 2015 أن حوالي 45% من الأنشطة الإعلامية لـ(داعش) ركزت على بناء الخلافة واستدامتها، مع الرسائل المتعلقة بـ«شرطة المرور، الأعمال الخيرية، الأنظمة القضائية، المستشفيات والمشروعات الزراعية». وفي ذلك الوقت، كان هناك القليل مما يوحي بأن هذا سيكون مستدامًا. وبالفعل لم تعد الخلافة موجودة اليوم، لكنها كانت موجودة بالفعل.

عائلات داعش

الإرهاب المسلح والإصلاح الإداري يسيران معًا!

وتابع الباحث: قبل أي شيء آخر، يجب أن تكون الدولة – أو المنظمة التي ترغب في أن تقترب من أن تكون دولة – قادرة على توفير قدر من القانون والنظام. وبدون نظام لا يمكن أن يكون هناك قانون، وكان مشروع (داعش) يتعلق كثيرًا بالقانون. وقد حصل التنظيم على أكبر فرصة له مع انهيار سلطة الحكومة في سوريا والعراق في فترة ما بعد الربيع العربي.

وكان يمكن للجماعة المتطرفة أن تفعل ما لم تستطع الحكومات التي فقدت مصداقيتها فعله: تزويد السوريين والعراقيين بدرجة من الأمن، وهو أكثر ما كانوا يتوقون له. وعلى سبيل المثال، ربما يكون السوري في الرقة – التي كانت عاصمة فعلية لـ(داعش) – قد كره أيديولوجية الجماعة، لكنه ما زال يدعم حكمها على البدائل، لأن وجود بعض الأمن كان أفضل من عدم وجود شيء.

وأشار الكاتب إلى أنه من الغريب أن حكم (داعش) المطلق كان ميزة، وليس عيبًا، حيث كان الإرهاب وبناء الدولة يسيران جنبًا إلى جنب. وبعد انهيار أية دولة، وتحولها إلى فصائل متحاربة، وتفشي النشاط الإجرامي، يجب على أية مجموعة تأمل في إعادة بناء النظام أن تحتكر استخدام القوة. وهذا يعني هزيمة أي أدعياء على العرش. وفي منطقة تشهد حربًا وحشية بالفعل، يمكن للوحشية، للأسف أن تنجح. وغرس الرعب في قلوب خصومك يقوض معنوياتهم، ويجعلهم أكثر عرضة للانسحاب أو الفرار أو الاستسلام في ساحة المعركة.

وتابع قائلًا: ما الذي يحدث بعد الاستيلاء على الأراضي؟ التحدي الأكبر هو توجيه الوحشية المركزة على المعركة إلى الحكم الفعلي. وفي تتابع سريع إلى حد ما، ومع إيلاء المجتمع الدولي القليل من الاهتمام، بدأ (داعش) في إنشاء هياكل مؤسسية متطورة. وقد عكست الهياكل القانونية المعقدة – التي تقوم على المحاكم الشرعية المترابطة، والفتاوى الملزمة، وقوانين الضرائب المفصلة – جهدًا جادًا لإضفاء الطابع المؤسسي على نظام جديد، وهو ما وصفته ريفكين وعالم السياسة أندرو مارش بـ«الشرعية الصارمة».

وأكمل المقال: مع وضع ذلك في الاعتبار، يصبح من الأسهل إلى حد ما فهم كيف أن بعض السكان – في منطقة كانت تفتقر إلى القانون والنظام والخدمات الحكومية منذ فترة طويلة – قد يكونون موافقين، أو على الأقل محايدين، تجاه حكم (داعش). ففي العراق وجد السكان السنة أنفسهم مهمشين أو أسوأ. وفي سوريا عانى المدنيون بشكل روتيني من الفظائع التي ارتكبت في ظل دكتاتورية بشار الأسد، والتي كانت – من حيث الخسائر البشرية الهائلة – أكثر وحشية وتدميرية مما كان يمكن لـ(داعش) أن يأمل فيه. ووفقًا لهذا المعيار قد يبدو حكم (داعش) وكأنه إصلاح.

ما وراء انعدام الاستقرار في الشرق الأوسط

واستدرك حميد قائلا: بالطبع سيكون من الخطأ المبالغة في تقدير مستوى الحكم الذي وفره (داعش) بالفعل، فالتنظيم لم يمارس الحكم الرشيد بقدر ما كان يمارس الحكم الأقل سوءًا، وقد يكون ذلك جيدًا بدرجة كافية. وأضاف الكاتب أنه طالما كنت قادرًا على تقديم نفسك كبديل أفضل إلى حد ما للفوضى المطلقة أو القمع الطائفي، فيمكنك التمسك بالسلطة، وليس بالضرورة، على الرغم من الوحشية، وإنما بسببها.

واعتبر أن ما يهم هو أن الكثير من الناس يفضلون الحكم القاسي على عدم الحكم، وسواء أحببنا ذلك أم لا فسيظل الأمر مهمًا في الأماكن التي تكون فيها الحكومات ضعيفة وتفتقر إلى الشرعية. وضرب مثلًا بحركة طالبان التي بدت مهزومة بعد الغزو الناجح الذي قادته الولايات المتحدة في البداية في أفغانستان عام 2001، إلا أن هذا الوضع لم يستمر، ففي منتصف العقد الأول من القرن العشرين، في ظل حكم الرئيس حامد كرزاي، ومع تصاعد الفساد وفشل الحكم، تحركت حركة طالبان لسد الفجوة، من خلال توفير وساطة حرة للنزاعات القبلية والجنائية. وسرعان ما أفاد الأفغان بوجود مستويات مفاجئة من الرضا عن أحكام طالبان في المحاكم المحلية.

ونقل حميد عن الرئيس دونالد ترامب إشارته – في تصريحاته حول مقتل البغدادي – إلى مقاتلي (داعش) على أنهم «جراء خائفة»، مضيفًا «نحن أزلنا خلافته 100% في مارس (آذار) من هذا العام، وأحداث اليوم هي تذكير آخر بأننا سنواصل ملاحقة إرهابيي (داعش) الباقين حتى نهايتهم الوحشية». وأضاف الكاتب أن ترامب لم يقل شيئًا تقريبًا عن الكيفية التي يتصور بها منع الجماعات الشبيهة بـ(داعش) من الظهور في المستقبل، مشيرًا إلى أن هذا يتطلب أكثر من مجرد تبجح. واعتبر أن رؤية ترامب لمحاربة الإرهاب، بالقدر الذي يمتلكه، ضعيفة وغير متماسكة.

وتابع قائلًا: لكي أكون منصفًا، فإن ترامب يعتمد على سياسة «مكافحة الإرهاب أولاً» التي وضعها أوباما، كما لو أن جماعات مثل (داعش) أو تنظيم «القاعدة» تسقط من السماء، من خارج المكان والزمان. وأوضح أنهما بشكل كبير نتاج للسياق الذي ظهرا فيه، مضيفًا «يجب أن يكون هذا واضحًا بما يكفي: الدولتان اللتان استحوذ (داعش) على معظم أراضيه فيهما هما الدولتان اللتان عانتا من الحروب الأهلية وفراغ الحكم. وتساءل: ماذا لو كان السبب الحقيقي لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط هو عدم وجود سلطة شرعية؟ وهي مشكلة يبدو أن إدارة ترامب لديها القليل من الاهتمام بالحديث عنها.

واختتم الكاتب مقاله بالقول: إن ظهور ونمو الجماعات الإرهابية في أماكن معينة في أوقات معينة هو نتاج عوامل أخرى، ويجب أن تتم معالجة تلك العوامل الأخرى في مرحلة ما، مضيفًا لا يمكنك محاربة الإرهاب فقط من خلال محاربة الإرهاب، والاعتقاد بأنك تستطيع فعل ذلك بمثابة الوهم الذي عرقل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط وجنوب آسيا لفترة طويلة.

«فورين أفيرز»: أزمة كبيرة تنتظر العراق.. ما هي؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد