یرى الكاتب البریطاني روبرت فیسك أن الانتفاضات یجب أن تُقرأ ھذه الأیام بعیون محایدة، وفي مقاله بصحیفة «الإندبندنت» البريطانية ھذا الأسبوع یروي كیف أن ثمة معرضًا صغیرًا في باریس عن الثورة الروسیة 1917 یُلقي بانعكاساته المظلمة على «الیقظة» العربیة التي نلاحظھا جمیعًا في منطقة الشرق الأوسط.

إنه معرض استثنائي عن «الثورة التي غیرت العالم» – يقول فيسك – یتضمن ملصقات دعائیة، وصورًا فوتوغرافیة، وحتى بعض الوثائق التي تظھر كم كان المناشفة – والحكومة الروسیة المؤقتة، ولاحقًا البلاشفة – یحاولون تجنید العالم الإسلامي، والأرمن، في خططھم لتدمیر سلالة رومانوف.

یقول فیسك: «سأفترض أن الإطاحة بمبارك (القیصر) ومن بعده فترة الحكم القصیرة لمحمد مرسي (یتبادر إلى الذھن تمثیلھا للمناشفة المؤقتین، لكننا سنجد صعوبة في تشبیه المشیر عبد الفتاح السیسي بلینین أو ستالین آخر، كما أن حرب الحكومة المصریة في سیناء حالیًا لیس لھا علاقة بثنائیة البیض في مواجھة الحُمر)، ولنقل إن نھایة حكم الملك فاروق لمصر، ومن بعدھا فترة القیادة المؤقتة للجنرال نجیب (المناشفة) ثم سیطرة عبد الناصر على الحكم، كل ذلك یمثل مثالًا أقرب شبھًا لما نتحدث عنه».

اقرأ أيضًا: روبرت فيسك: بعد زيارة مكتب هتلر.. هناك دروس لم نتعلمها من ألمانيا النازية

صورة من الثورة المصریة ضد حسني مبارك 2011.

وتمثل الحالة السوریة نظیرًا یبعث على القلق، إذ تظھر كیف أن من السھولة بمكان أن تتحول الثورة إلى حرب أھلیة، بالتأكید لا یمكن مقارنة أعداد الضحایا ھنا بملایین الروس الذين قتلوا في صراعات ما بعد 1917، لكن یظل ثمة خصائص مشتركة بین الحالتین. بالتأكید لم یكن السوریون یعلمون أنھم سیواجھون أھوال الحرب ھذه بتلك السرعة، وكذا كان الروس في 1917.

ھذا بالإضافة إلى تدخلات القوى الأجنبیة، روسیا إلى جانب الحكومة السوریة، وأمریكا وبریطانیا إلى جانب المتمردین – (البیض)، إلى أن یتبین أنھم مسلمون (الخضر) – وسیظل إدراج قواتهم في سوریا – مع حد أدنى من الخسائر بالنسبة لهم، فیما الآخرون یواجھون الموت – ذكرى مؤلمة تخبرنا بما تؤول إلیه الأمور حین تقرر قوى خارجية التدخل لتقرير من یجب أن یربح الحرب.

اقرأ أيضًا: روبرت فيسك: هكذا أسكتوا الحريري!

یروي فیسك كیف نزل البریطانیون بمدینة مورمانسك لمد ید العون للروس «البیض»، ومن المثیر أن نرَى كیف أن ھؤلاء «البیض» كانوا یقیمون عواصمھم المصغرة أینما حلّوا أو ارتحلوا، تمامًا كما تفعل «داعش» حین تعلن الرقة عاصمة لھا في سوریا أو الموصل عاصمة في العراق.

بالطبع لیست أوجه التشابه دقیقة تمامًا – يقول فيسك – لكن البوسترات الدعائیة الموجودة في معرض باریس، والتي تعرض شیطنة البلاشفة للروس «البیض»، لیست مقطوعة الصلة تمامًا بـ«الحرب ضد الإرھاب» التي یعتقد كل من بشار الأسد والروس – وحزب الله والإیرانیون – أنھم یخوضونھا في روسیا الیوم. كانت هناك – في المعرض – رسومات مرعبة للقتل الجماعي، رجال عرایا یُضربون بالسیاط ونساء في طریقھن للاغتصاب.

ھناك أیضًا أوراق نقدیة من فئة الروبيات العشر، تعود إلى «حكومة القوقاز الأولى» تلك التي لم تعمّر طویلًا – يوضح فيسك – طُبع على أحد جانبیھا باللغة الروسیة، وعلى الجانب الآخر باللغات الأرمینیة والجورجیة والأذرية – كانت الأذریة في ذلك الوقت تُكتب بالحروف العربیة كما تظھر على الأوراق.

كان الأمر الأكثر إثارة – يقول فيسك – عبارة عن ملصق دعائي كبیر الحجم باللغة التتریة (طُبع عام 1919 بالأبجدیة العربیة والسیریلیة معًا) یُظھر فرسانًا یقودون مجموعة من الجنود، ویحملون رایة حمراء یرتسم علیھا ھلال ونجمة، وكتب عليه عبارة: «أیھا الرفاق المسلمون، إن أعداء الطبقة العاملة یحطمون حریتكم وأنتم فقط من یملكون الدفاع عن أراضیكم، وحدھا القوة السوفیتیة سوف تعطیكم.. جبالكم.. ھلم التحقوا بأفواج سلاح الفرسان المسلمین.. الكل تحت النجمة الحمراء».

ویستطرد الكاتب: «لست متأكدًا تمامًا فیما فكّر فیه المسلمون التتار وھم یرون الھلال تحت نجمة البلاشفة الحمراء، لكن ثمة صورًا تظھر جنودًا في قریة مسلمة شرقي الأناضول یؤدون التحیة للثورة الروسیة 1905، مع لقطة رائعة لممرضة الصلیب الأحمر نینو دجوردجادز راكبة على أحد الجمال.

المسلمون كانوا یسعون للخلاص من السوفیت.

بالنسبة للجمھوریات المسلمة التي صارت ضمن الاتحاد السوفیتي لاحقًا – وللجمھوریة الأرمنیة التي كانت قصیرة العمر – لم تكن ھناك حریة على الإطلاق، لم یحمل لھم السوفیت سوى الإعدامات وحملات التطھیر تمامًا كباقي الاتحاد السوفیتي الذي ورث الإمبراطوریة الروسیة. كما يرى فيسك أن الشیوعیين مالوا إلى الشعور بالأُلفة أكثر مع الدین المسیحي لا الإسلام، ويقول: «لأن المسیح – وكما أخبرني أحد السوفیت السابقین – كان ابن نجار من الطبقة العاملة، فیما كان النبي محمد (رجل أعمال برجوازيًا)».

يقول روبرت فيسك في ختام مقاله: «الیوم، تبدو روسیا أكثر انشغالًا بقتل المقاتلین المسلمین (الإرھابیین) في سوریا، بعض ھؤلاء بلا شك ھم أحفاد الفرسان التتریین الذین كانوا یحملون العلم الأحمر قبل 98 عامًا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد