«الاستفتاءات هي أحد الآليات المرعبة للديمقراطية»

يرى مقال نشر في مجلة «فورين أفيرز»  للكاتبة «كاثلين ماكنمارا» أن الاستفتاء البريطاني الذي جرى مؤخرًا على عضوية المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي هو خير مثال على ذلك. ترى الكاتبة أن الاستفتاء كان مقامرة متهورة نجحت في تحويل قضية حقيقية، وهي الحاجة لجدل أكثر انفتاحًا حول شرعية الاتحاد الأوربي إلى صراع سياسي بين نخبة انتهازية إلى حد مثير للخجل. وتشير إلى أنه قد عُصف بالمناقشة الصاخبة حول استمرار عضوية المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي بجملة من الأكاذيب والتحريفات الكثير منها يتراجَع عنها الآن بشكل واضح من قبل دعاة الخروج البريطاني أنفسهم. وتنوه الكاتبة إلى أن  الصحافة البريطانية تبدي «أسفًا منمقًا» لدعمها للخروج. للأسف، مشيرة إلى أن العديد من الناخبين البريطانيين لم يعرفوا بالضبط ما هو الاتحاد الأوروبي، كما تؤكد البحوث التي أجريت مؤخرًا، والتي تنم عن عدم وجود معرفة وافية حول الاتحاد.

ويرى المقال أن المراقبين لنتائج الاستفتاء ينبغي أن يكونوا حذرين حول استخلاص النتائج بشأن جهود العولمة الأوسع نطاقًا، والنظام الغربي، وحتمية صعود الأحزاب الشعبوية المناهضة للهجرة، أو جدوى مشروع الاتحاد الأوروبي عمومًا. ويؤكد أن النظام الذي أسسته الولايات المتحدة وحلفاؤها في أعقاب الحرب العالمية الثانية ليس في طريقه للأفول. ومع ذلك فإن الاتجاهات العاطفية، والخلافات الثقافية التي مورست في التصويت البريطاني، ولا يمكن، ولا يجب تجاهلها.

الفجوة بين عالمين

الدرس الحقيقي الذي نستفيده من «بريكسيت»، وفقًا للمقال، هو أن هناك فجوة منطقية بين أنصار العولمة الذين ينظرون إلى المستقبل بأمل، وبين أولئك الذين شهدوا حياة اقتصادية متدهورة. ويشير إلى أن القصة نفسها تتكرر بنفس الشكل في الولايات المتحدة وخارجها مع آثار انتخابية هامة، ولكن قصة «بريكسيت» تؤشر أيضًا إلى تفرد الاتحاد الأوروبي باعتباره نوعًا جديدًا من نظام الحكم، له تأثير عميق على جميع الخاضعين لمظلته. وقد أثبت التاريخ أن تطوير صيغ سياسية جديدة نادرًا ما يمر بسلاسة. الانقسامات بين أولئك الذين يتصورون حياة أفضل في ظل النظام الجديد، وأولئك الذين يخالفون ذلك.

وترى الكاتبة أنه، على الرغم من أن استفتاء «بريكسيت» قد اعتراه قصور كبير جدًا على مستوى التمثيل الديمقراطي؛ فقد كانت المشاعر التي عبر عنها الناخبون حقيقية جدًا. وقد عكست الممارسة صدى مشاعر مهمة، وحقيقية تجاه الجماعات المختلفة، التي تعيش ضمن إطار الديمقراطيات الغربية. وقد أظهر أن هناك عالمين مختلفين من الناس. كان التحصيل العلمي، والعمر، والهوية الوطنية، عوامل حاسمة في التصويت؛ إذ صوت الناخبون الشباب من جميع الخلفيات الاقتصادية، كما صوت أرباب التعليم الجامعي بشكل ساحق لصالح البقاء. في حين سعى الناخبون من كبار السن، والعاطلون عن العمل، والذين لديهم شعور قوي بالهوية الوطنية الإنجليزية نحو الخروج.

وتشير الكاتبة إلى أن حول «بريكسيت» هو انعكاس للإقصاء الاجتماعي الذي طرح نفسه في عالم من عدم المساواة الاقتصادية القاسية. مؤكدة أن الطريقة الوحيدة للتفكير في هذا الانقسام هي عبر ثنائية التفكير «الكوزموبوليتي» (العالمي) و«الأبرشي» (الضيق)، وهي ثنائية متجذرة في الاتجاهات الاجتماعية والاقتصادية العميقة، وهي تخلق «ديناميات» ثقافية خاصة بها. العالمية (الكونية) هي شعور بالانتماء إلى مجتمع عالمي واحد متجاوز للحدود، يتطلب الثقة في العالم، كمكان واحد، وينطوي على الأمل في مستقبل ما بعد الدولة القومية. على النقيض، فإن وجهة النظر الأخرى يشوبها الخوف من المستقبل، والشعور بأن التحول المجتمعي سوف يأتي على حساب الناخب العادي.

ويشير المقال إلى أن هذا الخوف يمكن أن نعزوه بشكل أساسي إلى التغيرات في التكنولوجيا، والتحولات الرأسمالية الأوسع التي تتجاهل حماية الطبقات الوسطى والعاملة، ولكنه يؤكد أن هذه التحولات تتداخل أيضًا ـ بشكل كبير ـ مع السياسات الداخلية، والقرارات السياسية. في المملكة المتحدة وأماكن أخرى، أسهمت الخيارات السياسية في القضاء على شبكات الأمان الاجتماعي، ولم تفعل شيئًا يذكر لكبح جماح عدم المساواة.

ونظرًا لهذا الواقع القاسي للعاطلين عن العمل، وكبار السن، وغير المتعلمين، فإن حملة التحذيرات حول التداعيات الاقتصادية للخروج البريطاني، لم تحتل وزنًا كبيرًا. ويرى المقال أن كثيرًا من الناخبين يعتقدون أن الفرص قد أغلقت في وجوههم منذ فترة طويلة. التسويق الذكي لحملة الخروج، بما في ذلك التغني بنغمات على شاكلة «استعادة السيطرة»، و«نقطة الانهيار»، قد نجحت في مداعبة المشاعر الحقيقية للإقصاء، بالرغم من أنها لم تقدم حلولًا حقيقية لواقع أن الديناميات السياسية البريطانية، أكثر من قواعد الاتحاد الأوروبي، هي التي تسببت في المشاكل الاجتماعية والاقتصادية في المملكة المتحدة.

وقد دفعت الفجوة الاقتصادية، والآثار الاجتماعية الناجمة عنها، قضية الهجرة إلى بؤرة النقاش. وقد كان الناخبون على حق في إدراك أن الهجرة من كل من مواطني الاتحاد الأوروبي، والمهاجرين من خارج الاتحاد الأوروبي، قد ارتفعت بشكل كبير، لاسيما منذ الأزمة المالية، ولكن، في حين أن الدول الأخرى في الاتحاد الأوروبي قد عانت كثيرًا مع المهاجرين من سوريا والعراق، فقد تلقت المملكة عددًا قليلًا جدًا من طلبات اللجوء. وتشير الدراسات إلى أن المهاجرين يدفعون أكثر بكثير في الضرائب مما يجنون من الفوائد. ومع ذلك، ترى الكاتبة أن المخاوف الكامنة جعلت هذه الحقائق غير مهمة، بالرغم من أن الواقع أن المناطق التي تستضيف معظم الأجانب قد صوتت بأغلبية ساحقة لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي.

السياق السياسي

تؤكد الكاتبة الجدل هو «بريكسيت» هو انعكاس للإقصاء الاجتماعي الذي يطرح نفسه من عالم من اللامساواة الاقتصادية القاسية، ولكن الاستفتاء ينبغي أن ينظر إليه أيضًا من زاوية التاريخ الأكثر طولًا للتطور السياسي، مؤكدة أن الاتحاد الأوروبي هو أكبر من مجرد معاهدة منظمة للتجارة الدولية، ولكنه تراكم كبير للسلطة السياسية في العديد من المجالات.

تاريخيًا، وكما يؤكد المقال، ظهرت السلطات السياسية الجديدة، وتطورت بطرق فوضوية، وقبيحة، وغالبًا ما كانت عنيفة. وغالبًا ما كانت مشاريع التوحيد الوطنية تجنح إلى الإكراه والحروب الأهلية، والممارسة الوحشية للسلطة. وعلى الرغم من أن الدولة القومية تبدو أنها الشكل العالمي الطبيعي، فإن هناك العديد من أشكال الأشكال الأخرى للحكومة في أوروبا وحدها: مثل نظام «هابسبورغ» الملكي، ودولة المدن الإيطالية، والإمبراطورية الرومانية المقدسة، و«الرابطة الهانزية»، وكلها نظم جاءت وذهبت. وتشير الكاتبة إلى أن الاتحاد الأوروبي، بالرغم من كل مساوئه، هو أحد الأشكال الجديدة والمبتكرة لنظام الحكم، منوهة إلى أن الذين تقل أعمارهم عن 45 عاما، وخاصة أولئك الذين هم تحت سن الثلاثين سوف ينظرون إليه على أنه شيء طبيعي وإيجابي بالنظر إلى حياتهم اليومية المتغيرة التي تتفتح فيها من الفرص أكثر بكثير مما يغلق.

بالنظر إلى ما يخبرنا به التاريخ، فإن علينا ألا نفاجأ بأن ترسيخ الاتحاد الأوروبي قد خلق رد فعل عنيف

ووفق المقال، فإن الأمر الصادم حقًا هو الانتهازية الجبانة، وعجز القيادة السياسية في المملكة المتحدة والقارة الأوروبية عن توجيه هذا التطور. وتختم الكاتبة بالتأكيد على أن الاتحاد الأوروبي سوف ينجح ـ فقط ـ إذا كان بإمكان جميع مواطنيه تخيل أنفسهم جزءًا من مجتمع سياسي ديمقراطي عالمي مزدهر قادر على موازنة القوى المحلية، وخلق الفرص الاقتصادية. الاستماع إلى كلا طرفي الانقسام الثقافي، والعمل على تخفيف التفاوت الاقتصادي الذي يكمن وراء الانقسام بين الطامحين والمستبعدين، هو السبيل الوحيد للمضي قدمًا.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد