هل القطّة حيّة أم ميتة في الصندوق؟ وغرائب أخرى يضجّ بها عالم ميكانيكا الكم ومسائله التي تنقض أساسات الواقع الذي نعرفه، لتُبدله بعوالم وأفكار لا تكاد تنتهي عجائبها، ولكن في غمرة الدهشة هذه ننسى الجانب العمليّ الذي تقدمه التكنولوجيا الكمومية لحياتنا اليومية، والآفاق التي يمكن أن تحققها لمستقبلنا.

يتناول الفيزيائي والرئيس التنفيذي لشركة «PhotonStar LED Group»، جيمس ماكينزي، هذا الموضوع في مجلة «Physics World» المتخصصة، ويبرع ماكينزي في هذا المجال لخبرته على مدى 25 سنة في جلب التكنولوجيا والمنتجات الجديدة إلى السوق العالمية، وتنقّله في مختلف المناصب القيادية والإدارية العليا. ما الفرص التي توفّرها تكنولوجيا الكم لعالم الأعمال والصناعة إذن؟

مترجم: ماذا تعلمنا ذاكرة النمل عن ذاكرة البشر؟

البلدان الكبرى تعتنق الكمومية

إنه وقتٌ رائع لتكنولوجيا الكم. هناك برامجٌ كبيرة في الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي والصين والمملكة المتحدة في طليعة هذا المجال. أطلقت حكومة المملكة المتحدة البرنامج الوطني لتكنولوجيا الكم عام 2013، فضلًا عن مبلغٍ إضافي قدره 315 مليون جنيه إسترليني التُزِم به في الموازنة الأخيرة لدعم التطوير والترويج التجاري في هذا المجال.

Embed from Getty Images

كل هذا رائع بالتأكيد، لكن يسأل الكاتب ما الدافع وراء ذلك كله؟ إذا لم تكن على درايةٍ جيدة بتكنولوجيا الكم، ستبدو لك هذه المبالغ المالية الضخمة مجازفة خطرة مبنيّة على طفرةٍ من الثقة. تسري أقوالٌ شهيرة على منوال «ما الذي قدمته الحضارة الرومانية لنا؟»، وتأتي الأجوبة كلها ضمن الإنجازات العملية لتلك الحضارة، مثل قنوات المياه والتعليم والصرف الصحي…

بالطريقة نفسها، سأل الفيزيائي الأمريكي تشاد أورزيل في مقال له بمجلة فوربس يومًا: «ما الذي قدمته ميكانيكا الكم لنا؟». يستدرك الكاتب هنا أنه متأكد من عدم حاجة قرّاء المجلة الفيزيائية المتخصصة لإيجاد المقالة لمعرفة الجواب، فصناعة الاتصالات بأكملها مبنية على تقنية الليزر ومكبرات الصوت، وهي أجهزة كمية حتى ولو كانت الألياف نفسها كلاسيكية إلى حد كبير. ففي نهاية المطاف، وردت الفيزياء الأساسية لليزر في ورقة أينشتاين البحثية الشهيرة عام 1917، والتي قدّم فيها فكرة ما يُسمّى بالانبعاث المستحث.

ميكانيكا الكم في كل مكانٍ حولنا

الفيزياء الكمية ركيزةٌ أيضًا للحواسيب الحديثة التي لم تكن لتعمل دون فهمنا لأشباه الموصلات، وبنية النطاق الإلكتروني، والإشابة. وبفضل رقاقات ذاكرة «NAND Flash» ننعم الآن بنظم تخزين مستديمة وفعالة. لذلك في كل مرة نطفئ فيها هواتفنا المحمولة أو ذواكرنا سواءً من نوع USB، أو الأقراص الصلبة، أو غير ذلك من مراكز البيانات، لا تُمسح جميع البيانات المخزنة. هذه أمثلة بسيطة على ما تقدمه ميكانيكا الكم.

تعد ذواكر «NAND Flash» واحدة من أكبر قطاعات صناعة أشباه الموصلات العالمية، إذ تبلغ مبيعاتها السنوية عشرات المليارات من الدولارات. تُكلّف معامل تصنيع هذه الذواكر بضع مليارات الدولارات لبنائها. في كل مرة تخزّن بيانات جديدة على ذاكرة «NAND Flash»، فإنك تستعمل واحدة من أكثر تنبؤات ميكانيكا الكم الناجحة والمدهشة. يقصد الكاتب هنا تحديدًا ميزة اختراق الحاجز (أو ظاهرة النفق الكمومي) التي تسمح للجسيمات منخفضة الطاقة باختراق حاجز طاقويّ أعلى.

تشمل التطبيقات الأخرى للفيزياء الكمومية التصوير بالرنين المغناطيسي، والساعات الذرية، ونظم الملاحة عبر الأقمار الصناعية (GPS). مع ذلك يبدو المستقبل فاتنًا وواعدًا أكثر، فمع التقدم الإضافي في الحوسبة والاستشعار والتصوير والاتصالات سُتوفّر التكنولوجيا الكمومية منهجيات جديدة ومميزة لحل القضايا العالمية، مثل الأمراض، وتغير المناخ.

في كل مرة تخزن فيها بياناتك على رقاقة الذاكرة، أو تلجأ لـGPS لإيجاد طريقك؛ فأنت تنعم بِمِنحِ تكنولوجيا الكم وتطبيقاتها.

الحوسبة الكمومية والأمان هي واحدةٌ من القطاعات المتنامية والمبشرة، إذ ستسمح لنا بإرساء أمن الشبكات عبر الخوارزميات المتقدمة، والمفاتيح الكمية التي ستكون على هيئة فوتونات متشابكة منبعثة عبر الألياف. تكشف هذه الخاصية عمّا إذا نظر أيّ شخص غير مصرّح له إلى تلك المفاتيح أم لا، وهو أمر شديد الأهمية لتأمين الاتصالات.

ليس هذا الأمر بعيدًا جدًا عن هواتفنا، إذ وُضِعت التكنولوجيا التي يستند إليها التشفير الكمومي في قمرٍ صناعي بالفعل. ستحب البنوك هذا الجانب كثيرًا باعتباره وسيلة آمنة للغاية لإرسال الأموال. يشير الكاتب هنا إلى احتمال وجود جانبٍ سلبي للتشفير الكمومي؛ إذ ينطوي على نقاطه الخطرة الخاصة.

تكمن المشكلة في أن الحواسيب الكمومية التي تعمل بمبادئ مختلفة جدًا للحواسيب التقليدية، قد تسبب سريعًا في صدعٍ هائلٍ في الأنظمة الأمنية الشائعة اليوم، مثل تشفير 128 bit AES (يحتاج افتعال هجومٍ بقوة كاسحة إلى ملايين السنين حتى باستخدام أفضل الحواسيب الفائقة المتاحة اليوم). في المقابل، يتنبأ المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتقنية بأن الحواسيب الكمومية ستفكّ شفرة البنية التحتية للمفاتيح العامة الحالية بحلول عام 2029، عبر استخدام البتّ الكمومي عوضًا عن البتات.

إحساسٌ بالإنجاز

من المرجح أن تتكشّف فرصٌ جديدة أثناء تطبيق التكنولوجيا الكمية في الاستشعار والتصوير. ستمكّننا المستشعرات فائقة الدقة -التي يمكن أن تمسح وتحدد حقل الجاذبية المحلي في الأعماق تحت سطح الأرض- من اكتشاف موارد مادية جديدة، أو حتى تحديد الأنابيب المدفونة بحيث يحفر عمّال الطرق في المكان المناسب تمامًا. يجري بالفعل اختبار هذه المستشعرات، على الرغم من الحاجة لنقلها حاليًا بالشاحنات، أو القاطرات، لكن يعمل الباحثون الآن على تطوير نسخٍ أصغر منها وأكثر قابلية للنقل.

تبدو الساعات الذرية القائمة على رقاقات قريبة المنال أيضًا، إذا ما صُنّعت أصغر وأرخص وأكثر قابلية للنقل من الساعات الذرية التقليدية، ستغدو تقنية رئيسية لنظام تحديد المواقع عبر الأقمار الصناعية وتغطيتها. كما سيحسّن «ختم» المعاملات المالية بالوقت الذريّ من نزاهة الأسواق وشبكات البيانات الخاصة بنا.

أما بالنسبة للاستشعار الكمومي فهو محمّل بغرائب القدرات والاحتمالات. يعدّد الكاتب أمثلة منها، بما في ذلك الرادار الكمّي، والذي عُرِض بالفعل عبر استخدام الفوتونات المتشابكة المرسلة على مدى أمتار عدة. توسيع نطاق ذلك ليشمل الفوتونات ذات الموجات الميكروية، قد يخوّلنا برصد الأشياء محليًّا، ومعرفة ما يحصل على بعد عشرات الكيلومترات. هنالك الكاميرات الكمومية أيضًا التي يمكن أن تُنشئ مقاطع فيديو بسرعة تصل إلى تريليون إطار في الثانية، وقد استُخدِمت بالفعل لتعقّب أشخاصٍ تحجبهم عقبات من مسافاتٍ تصل إلى 100 متر بعيدًا عن المراقب.

في الطب، يتوقع أن يمكننا التصوير الكمومي من تصوير الدماغ دون أيّ تدخل جراحي ودراسة نشاطه الكهربائي لفهمٍ أفضل لكيفية عمله، ما يساعد في معالجة الحالات العقلية المختلفة، مثل مرض الزهايمر والخرف.

يختتم الكاتب مقاله بخلاصةٍ تتمثل في تأكيد ضخامة التطبيقات المحتملة لتكنولوجيا الكمّ، وتأثيرها في المجتمع، رغم صعوبة التنبؤ الدقيق والمحدد لها -تمامًا كما حدث عند اكتشاف الليزر والترانزستور وظاهرة النفق الكمي- لهذه الأسباب كلها وأكثر فإن تكنولوجيا الكمّ مهمة للغاية من أجل الحاضر والمستقبل، ولهذا أيضًا موّلت الحكومات المختلفة مشاريع كمومية الطابع، وهو كما يؤكد الكاتب خيار ذكي بالفعل.

6 من أبرز القناعات العلمية الزائفة حول العالم

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد