قريبًا ينتهي الصراع على الجانب الشرقي من حلب، إلا أن الأمر لن يكون كذلك بالنسبة لعشرات الآلاف من السوريين، فانتصار نظام الأسد سيفتح فصلًا جديدًا من العنف ويهدد حياتهم، كما ستدخل المعارضة وضعًا جديدًا متأزمًا. يقول الكاتب فيصل عيتاني، وهو كبير باحثين في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، في مقاله لصحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، إن كلًّا من المعارضة والمدنيين في هذا الجانب من حلب سيعاقبون على قرارهم السابق بالفرار، والانضمام لأولئك الذين فروا من جحيم الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين، وهو ما يرى فيه الكاتب خطوة لكسر التمرد على النظام، وتغيير الوضع السوري إلى الأبد.

في مقابلة أجريت معه مؤخرًا، قال الأسد إن السيطرة على حلب -والتي كانت أهم ساحات القتال في سوريا على مدار السنوات الأخيرة- لن يكون نهاية للحرب في سوريا، إلا أنه سيكون خطوة كبيرة نحو النهاية، وهو ما يعد أمرًا حقيقيًّا بالفعل، إذ سيكون ذلك أبرز انتصارات قوات النظام وحلفائه منذ بداية الحرب، إلا أن الكاتب يرى أن تداعيات الانتصارات السابقة تظهر تمامًا ما تحمله الأيام القادمة للمدنيين ومقاتلي المعارضة في حلب، كما يقول إنه ربما ينقذهم الاستسلام من المزيد من القنابل والحصار والمجاعات، إلا أنه لن ينقذهم من مصائب أخرى بانتظارهم.

مصير سكان المدينة

 

يقول الكاتب إن تاريخ نظام الأسد مع ما يصفه بـ«الهدنة» -أو ما سيكون في هذه المرة انتصارًا عسكريًّا- هو تاريخ أسود. في عام 2014، اعتقلت قوات الأسد مئات الشباب المعارضين الذين أعلنوا استسلامهم في مدينة حمص، والتي كانت مركزًا للمعارضة قبل أن تتعرض للحصار والتجويع؛ لينتهي بها المطاف بالاستسلام لقوات الأسد. وعلى الرغم من أن الكثيرين داخل المدينة تلقوا وعدًا بالعفو عنهم، إلا أن ذلك لا يحدث إلا مقابل الانضمام للجيش الذي قتل عائلاتهم. سُمِح للسكان في نهاية المطاف بمغادرة المدينة، والانتقال لمناطق أخرى تسيطر عليها المعارضة، مع السماح بحقيبة واحدة فقط لكل شخص. وهنا يقول الكاتب إن تشريد أو احتجاز السكان أصبح العمل الأساسي للنظام في المناطق التي يستعيدها من المعارضة.

يقول الكاتب إنه بعد عامين على ما حدث في حمص، لن يختلف منهج الأسد كثيرًا عن السابق، بل سيكون أقل قابلية للمساومة، إذ قال الأسد نفسه إن فرصة حدوث أي هدنة في حلب معدومة كليًّا، وتأتي تلك الثقة على خلفية الهزائم المتتالية للمعارضة هذا العام، والتي دفعت السكان للفرار من المناطق الحصار في إدلب شمال شرقي سوريا. واليوم، ومع سقوط جزء من مدينة حلب تلو الآخر، تدرك المعارضة تمامًا أن المقاومة غير مجدية، والأسد يعرف أنهم يدركون ذلك. ما ستقوم به قوات الأسد هو تحويل مناطق المعارضة إلى مناطق غير صالحة للعيش، وتعزل المقاتلين عن المدنيين، ثم تجبر كليهما على الاستسلام أو المغادرة.

يبدو هذا النوع من عمليات التطهير -الإستراتيجية التي يستخدمها النظام- غير مفهوم حتى الآن. ربما يعتقد الأسد أن هؤلاء سيشكلون خطرًا دائمًا على المناطق القريبة الخاضعة لسيطرته، وربما لا يرغب في إنفاق أموال الحكومة عليهم، والتفسير الثالث هو أن ربما النظام ذو الانتماء العلوي يريد إبعاد السنة عن قلب النظام في غرب سوريا. وبغض النظر عن المنطق وراء ذلك، إلا أن المؤكد أن هذا الأمر يرسم صورة واضحة أمامنا عما ينتظر سكان حلب.

المعارضة تواجه المجهول

 

على الجانب الآخر، تستمر المفاوضات بين المعارضة، وروسيا، وتركيا، والولايات المتحدة بشأن مصير حلب، بينما يشكل الأسد هذا المصير على الأرض فعليًّا. يقول الكاتب إن إحدى مجموعات المعارضة أخبرته أنهم كانوا يطلبون المزيد من المساعدات الإنسانية، ووقف القصف، وضمان بقاء المدنيين في الجزء الغربي من حلب تحت حماية المعارضة، فيما يبدو واضحًا الآن أنهم لن يحصلوا على أي من ذلك.

المصير المتوقع حاليًا سيكون إما الاستسلام، وإما الإجبار على الرحيل، كما سيكون على المدنيين الانتقال معهم إلى منفى جديد، أو البقاء تحت رحمة النظام، ربما أيضًا ينتقلون إلى ريف شرق حلب، والذي تسيطر عليه المعارضة حاليًا بالتحالف مع تركيا. يقول الكاتب أيضًا إن أشخاصًا مقربين من المعارضة أخبروه أن حكومة الأسد وإيران يفضلون إرسال المقاتلين إلى إدلب، حيث يمكنهم القتال دون قيود، في حين تفضل المعارضة القتال في المناطق التي يتوافر فيها الدعم التركي، والذي يردع عنف النظام بطريقة ما.

في المقابل، يواجه الذكور في سن التجنيد في مناطق المعارضة بحلب المصير الأقسى، إذ سيكون عليهم الاختيار بين تجنيدهم، أو إعدامهم، أو أن يلتحقوا بعشرات الآلاف من السوريين الذين يموتون جوعًا في السجون. ووفقًا لمتحدث الأمم المتحدة، اختفى بالفعل مئات من المقاتلين الذين استسلموا للنظام سابقًا. أيضًا لن يكون المدنيون، الذين سيقررون البقاء، في مأمن، إذ لا يفرق النظام بين مقاتلي المعارضة، وبين من يدعمونهم، كما يرى الأسد وحكومته وجنوده وداعموه أن هؤلاء هم خونة وإرهابيون، وهنا يقول مقربون من الحكومة إن قوات الأسد ومؤيديه يفضلون تقديم هؤلاء «الخونة» إلى العدالة، بدلًا من إرسالهم إلى إدلب.

لماذا إدلب؟ تلك المحافظة الريفية الفقيرة نسبيًّا التي تسيطر عليها جبهة فتح الشام -أحد فروع تنظيم القاعدة- والتي تصنفها الولايات المتحدة كجماعة إرهابية. الجواب يبعث على القلق. على المدى القصير، يبدو أن النظام وإيران وروسيا منشغلون بالقتال لحماية دمشق، والسيطرة على حلب، وهو ما يعد أولوية أكثر من التركيز على إدلب حاليًا، والتي دائمًا ما كره سكانها النظام منذ وقت طويل. وعلى المدى البعيد، لا يبدو أن الأسد مستعد للتنازل بشكل كامل ولو عن جزء كهذا من البلاد.

يقول الكاتب إنه عندما يحين الوقت لاستعادة إدلب -وهو سيأتي لا محالة- سيكون الأسد وحلفاؤه حاصروا غالبية المتمردين في سوريا ومؤيديهم في رقعة جبلية صغيرة، يكونون فيها فريسة سهلة للقصف والحصار، وهي الإستراتيجية التي أثبتت نجاحها في كل الأجزاء الأخرى من البلاد. وبخلاف حلب -التي على الأقل تسببت في حالة من الغضب الدولي تجاه أفعال النظام-، سيكون الوضع أسهل بكثير في إدلب، إذ تسيطر عليها بالأساس مجموعة إرهابية، كما سيقف الغرب دون أن يتخذ موقفًا حقيقيًّا.

يختتم الكاتب المقال قائلًا إن حلب كانت بمثابة صورة واضحة للمعاناة الإنسانية التي لا حدود لها، في مقابل الصمت الغربي المستمر، ويرى أنه إذا لم يكن الغرب قادرًا على فرض وقف لإطلاق النار في سوريا، أو استيعاب المزيد من اللاجئين، فربما حان الوقت لإيجاد ملاذات آمنة لهؤلاء الذين سيتم تشريدهم في حلب وغيرها، بما فيهم أكثر من مليون شخص يعيشون تحت الحصار حاليًا. في رأي الكاتب، لن يكون ذلك تعويضًا لهؤلاء عن تدمير مدنهم ومنازلهم وخسارة عائلاتهم، ولكنه بالتأكيد أفضل بكثير من كابوس لا نهاية له.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد