كتب قاسم عبد الزهرة ومريم فام تقريرًا في صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية نقلًا عن وكالة «أسوشيتد برس» حول «علي السيستاني»، الذي يعد أعلى مرجع ديني للشيعة في العراق، ويبلغ التسعين من العمر. ويتساءل الكاتبان: ماذا بعد رحيله؟ فالسيستاني – بحسب التقرير – لا يمثل فقط مصدر إلهام وتوجيه لملايين العراقيين الشيعة وغيرهم في أنحاء الأرض، ولكنه أيضًا يمثل نوعًا من المتراس ضد التدخل الأجنبي في شؤون العراق، ولاسيما من جانب إيران التي تسعى إلى التوغل في المؤسسات العراقية والهيمنة عليها. 

يستهل الكاتبان تقريرهما بالقول: عندما خضع أبرز رجل دين شيعي في العراق لعملية جراحية إثر إصابته بكسر في العظام الشهر الماضي، أثار ذلك خوفًا شديدًا في جميع أنحاء البلاد وخارجها. وانتشرت على الإنترنت صورة لآية الله العظمى علي السيستاني كتب تحتها: «فليشف الله العراق».

عربي

منذ سنة واحدة
بعيدًا عن التعبيرات الدبلوماسية.. هل تحتل إيران العراق حقًا؟

ورفع المؤيدون المحمومون الصلوات، وعلق المتظاهرون المناهضون للحكومة صورًا لرجل الدين ذي العمامة السوداء، واللحية البيضاء الطويلة، والحواجب الكثيفة، معلِنين: «قلوب الثوار معك». وكان من بين مهنئي السيستاني مسؤولون من كل من إيران والولايات المتحدة، الخصمين اللدودين اللذين يتنافسان على النفوذ في العراق.

ماذا سيحدث بعد رحيل السيستاني؟

أدى الحادث إلى التركيز على السؤال التالي: ماذا سيحدث بعد رحيل السيستاني، الذي سيبلغ التسعين من العمر العام الجاري؟ اكتسب هذا السؤال أهمية إضافية بالنسبة للعراق المتورط بعمق في خضم التوترات الأمريكية الإيرانية، والذي يعاني في ظل الاحتجاجات المناهضة للحكومة المستمرة منذ أشهر.

Embed from Getty Images

وفاة السيستاني ستسلب من العراق صوتًا قويًا؛ يُعتقد أن سطوته على أتباعه ومواقفه ضد التدخل الأجنبي تكبح جماح المزيد من النفوذ الإيراني. وسعى السيستاني إلى كبح جماح الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران والمتهمة بارتكاب انتهاكات وتخفيف قبضة الحكومة على السلطة، معتبرًا أن الشعب العراقي هو مصدر السلطة. ويقول محللون: إن إيران ستحاول على الأرجح استغلال الفراغ لتوسيع نفوذها بين الشيعة في العراق.

وقال عباس كاظم، مدير المبادرة العراقية في المجلس الأطلسي: إن الإيرانيين «لا يريدون سيستاني آخر.. إنهم لا يريدون شخصًا قويًا يلقي بظلاله عليهم على غرار المرشد الأعلى». وفي حين أن أيًا من خلفاء السيستاني المحتملين ليسوا «في جيوب إيران»، يمكن لطهران أن تستفيد من شخصية ضعيفة. وأضاف كاظم: «إذا كان هذا الشخص صامتًا ولم يتدخل فسوف يبحث الناس في مكان آخر عن الإرشاد والتوجيه».

الاستياء من إيران قد يصعب مساعيها في العراق بعد السيستاني

يضيف التقرير: «قد تتعقّد طموحات إيران في مرحلة ما بعد السيستاني بسبب موجة الاحتجاجات التي تضرب العراق منذ شهر أكتوبر (تشرين الأول)، والتي أظهرت تفشي مشاعر الاستياء بين الشيعة بسبب قوة طهران. وغضب الكثير من العراقيين أيضًا من القتال بين الولايات المتحدة وإيران على أرضهم، بما في ذلك الضربة الأمريكية التي نفذتها طائرة بدون طيار الشهر الماضي، والتي قتلت القائد الإيراني البارز قاسم سليماني في بغداد».

وقال رجل دين في مدينة النجف الشيعية: إنه شعر «بالخوف على العراق» عندما علم بجراحة السيستاني. وقال: إنه عندما يموت، يمكن لإيران أن تستخدم «شعاراتها الثورية» لمحاولة جذب أتباع للزعيم الأعلى لديها آية الله علي خامنئي.

تأييد السيستاني للمحتجين يعقد مساعي إيران

لكنه دفع بأن دعم السيستاني للمحتجين السلميين عزز يد النجف بين الجمهور ضد المحاولات الإيرانية للتوغل في البلاد. وقال: «الأمور لم تكن معقدة بهذا القدر بالنسبة لإيران» من قبل.

يعد السيستاني ثقلًا موازنًا بالنسبة لإيران ليس فقط في السياسة، فهو يمثل مدرسة فكرية في المذهب الشيعي تعارض الحكم المباشر من قبل رجال الدين، وهو النظام المعمول به في إيران، حيث يكون لخامنئي القول الفصل في كل الأمور.

ويحمل السيستاني والخامنئي رتبة «مرجع تقليد» – أو «قدوة»، وهو شخصية يحترمها الشيعة المتدينون كمرشد روحي. لكن غالبية الشيعة في العراق يتبعون السيستاني، كما يفعل كثيرون في إيران وفي أنحاء العالم. يلفت التقرير إلى أن تدشين حائط صد ضد إيران يمثل مصدر قلق للكثيرين في حوزة النجف، وهي المؤسسة المحترمة للتعليم الديني الشيعي، التي سيخرج منها خليفة السيستاني.

وقال رجل دين كبير هناك: «إيران.. تريد موقفًا سياسيًا (في العراق) يدعمها. والحوزة هي التي تخلق هذا التوازن. السياسيون فقدوا هذا التوازن. وإذا فقدت الحوزة ذلك التوازن أيضًا، فستكون إيران قد فازت على الجبهة الدينية وعلى الجبهة السياسية».

Embed from Getty Images

إيران تحتاج إلى المقاومة

وقال رجل دين كبير آخر: «سيكون من الغباء ألا تقلق» بشأن إيران. وأضاف: «لكن الأمر كله يتعلق بالمقاومة. إما أن يتمكن أي جسم خارجي من الاختراق، أو يمكنك إيقافه». وتحدث جميع رجال الدين إلى الأسوشيتد برس شريطة عدم الكشف عن هويتهم بسبب الحساسية المحيطة بالخلافة، ولأن كبار رجال الدين في الحوزة نادرًا ما يتحدثون إلى وسائل الإعلام. 

أما السيستاني فلا يظهر علنًا ولا يلقي خطبًا، ورسائله يطرحها عن طريق وسطاء. إذ كان يتعافى من العملية الجراحية، واستأنف هذا الشهر استقبال الزوار في منزله المتواضع بالقرب من ضريح الإمام علي ذي القبة الذهبية في النجف.

وقام مراسل الأسوشيتدبرس بزيارة نادرة له في يوليو (تموز). ويضيف التقرير في وصفها: مع سقوط أشعة الشمس الحارقة في النجف، يصطف العشرات خارج الزقاق الضيق المؤدي إلى منزله. في غرفة الجلوس، تحدث السيستاني مع المراسل بهدوء وبشكل متعمد باللغة العربية ذات لهجة مميزة، وهي بقايا من أصله الإيراني. ارتدي رداءً داكنًا يلتف حول جسمه النحيل والمنحني قليلًا، وكان يتواصل بعينيه ويومئ إيماءات بيد واحدة، ويبدو أنه في صحة جيدة.

وعلى الرغم من مظهره المتواضع، يعد السيستاني شخصية بعيدة الأثر بالنسبة للملايين من الشيعة الذين يبحثون لديه عن التوجيه، حتى في أصغر مسائل الحياة.

تحت قيادته، تضخمت صفوف الحوزة بعد تراجعها تحت حكم صدام حسين القمعي. ويفد رجال الدين الشيعة المحتملين من جميع أنحاء العالم إلى الحوزة، ويتعلمون من أكثر علماء الدين احترامًا، والذين ينتقل تأثيرهم بدورهم إلى صفوف المجتمع الشيعي. وتنتشر الفصول الدينية بين المساجد، أو المباني في الأزقة المتهالكة في البلدة القديمة في النجف.

الحوزة لها تقاليد راسخة

يردف التقرير: تفخر الحوزة باستقلالها؛ إذ تحكمها تقاليد وقواعد غير مكتوبة راسخة منذ قرون. واكتسبت هذه المكانة بفضل سنوات من بناء السمعة بالمعرفة الدينية والاحترام بين الطلاب والأقران.

Embed from Getty Images

ويلفت الكاتبان إلى أن نظام خلافة السيستاني معقد وغير رسمي؛ فلا أحد «يعين» ولن يكون هناك إعلان فوري للخليفة. وقد يستغرق الأمر شهورًا أو حتى سنوات حتى يجمع رجل دين ما يكفي من الأتباع ويحشد ما يكفي من التأثير للحصول على توافق في الآراء باعتباره «القدوة» الجديدة الرائدة.

وتقوم مجموعة من رجال الدين البارزين في الحوزة والمعروفة باسم «أهل الخبرة» بتوجيه هذه العملية، وإرشاد المؤمنين نحو الشخصية المطلوبة اعتمادًا على التقوى والتفوق المعرفي.

ومن المرجح أن يكون المتنافسان، إذا عاشا بعد وفاة السيستاني، اثنين من كبار آيات الله – محمد إسحاق الفياض، الأفغاني المولد والبالغ من العمر 89 أو 90 عاما، ومحمد سعيد الحكيم، من مواليد النجف، وهو في الثمانينات من عمره. وبالنظر إلى تقدمهما في السن طرح المراقبون مرشحين محتملين من الجيل الأصغر.

نجل السيستاني ربما يلعب دورًا في اختيار خليفة والده

وقال المحلل المقيم في بغداد، سجاد جياد: إن نجل السيستاني، محمد رضا، يمكن أن يلعب دورًا في تشكيل الخلافة، إذا ألقى بثقله وراء مرشح يعتقد أنه سوف يسير على خطا والده. وأضاف «من المهم بالنسبة له أن تترسخ مدرسة السيستاني».

غير أن البعض يتساءل عما إذا كان هناك شخص مقبول على نطاق واسع مثل السيستاني سوف يبرز أو ما هو الوقت الذي يمكن أن يستغرقه أمر كذلك. كان كبار رجال الدين الذين تحدثوا إلى وكالة «الأسوشييتد برس» – والذين ينتمون إلى «أهل الخبرة» – واثقين من أن طرق الحوزة المعزولة والتقاليد الراسخة جعلت من الصعب على إيران اختراقها، ولا يمكن لأي خليفة أن ينحرف عن مسار السيستاني.

العراق لا يمكن أن يصبح نسخة من إيران

وقال أحدهم: «محيطنا السني لن يسمح للعراق بأن يصبح دولة دينية شيعية». وأضاف: «المجتمع الدولي لن يسمح بنسخة إيرانية أخرى في العراق، كما لا يسمح بذلك واقعنا الاجتماعي»، في إشارة إلى الجماعات الدينية والعرقية المتنوعة في العراق.

لقد حاولت إيران ذلك. ويُعتقد أنها كانت تحاول حشد أتباع لها في النجف من أجل دعم رجل دين إيراني قريب من المرشد الأعلى كخليفة محتمل للسيستاني، لكن رجل الدين آية الله العظمى محمود هاشمي شاهرودي توفي في عام 2018.

Embed from Getty Images

على الرغم من أنه تجنب وجود حكم مباشر يقوده رجال الدين، إلا أن السيستاني كان يساهم في النقاش بنشاط في جميع أوقات العراق المضطربة؛ مما ساعد في تشكيل صعود قوة الأغلبية الشيعية إلى السلطة في البلاد.

وأجبرت مواقفه المسؤولين الإداريين الأمريكيين في العراق بعد صدام على مراجعة خططهم الانتقالية بشكل كبير. وفي عام 2004 اضطر للعودة من لندن، حيث كان يعالج من مرض في القلب، لإنهاء القتال في النجف بين ميليشيا شيعية والقوات الأمريكية والعراقية.

غير أن نفوذه يظل له حدود. إذ وقف ضد ضد الأعمال الانتقامية من السنة في أوقات العنف الطائفي في منتصف العقد الأول من القرن العشرين، لكن ذلك لم يوقف عمليات القتل الوحشية. وفي عام 2014 استجاب الآلاف لدعواته للعراقيين بضرورة حمل السلاح ضد هجوم «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» السنية. وساعد ذلك في هزيمة المتشددين، لكنه أيضًا ملأ صفوف الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران المتهمة بارتكاب انتهاكات ضد السنة، والتي أصبحت قوة سياسية يحسب حسابها.

وساعد الغضب من النفوذ الإيراني في تأجيج حركة الاحتجاج الحالية، وهي أكبر حركة احتجاج في العراق. ويشكو المحتجون من فساد السياسيين، ويرفض الكثيرون منهم التدخل الإيراني والأمريكي.

السيستاني يدعو إلى عراق خالٍ من التدخل الأجنبي

أعرب السيستاني عن دعمه لمطالب المتظاهرين السلميين وندد بالقمع ضدهم. كما أنه عارض كل أشكال التدخل الأجنبي، ودعا إلى عراق «يحكمه أبناؤه دون أي دور للغرباء في قراراته». وقال رجال دين في النجف: إن كلمة «الغرباء» اعتبرت رسالة قاسية لإيران.

وينظر إليه الكثير من المتظاهرين على أنه حاميهم ومتعاطف معهم. لكن موقفهم معقد، بالنظر إلى أن الكثير منهم يحلمون بأن يتجاوز العراق الولاءات الطائفية.

في مسيرة في ميدان التحرير ببغداد، محور الاحتجاجات، حمل ياسر كاظم البالغ من العمر 24 عامًا لافتة عليها صورة رجل الدين.

وقال كاظم «طالما أنه يدعم الاحتجاجات، سنستمر.. سنستمر حتى الموت.. لأن دماء الشهداء أريقت». ولكن بينما يتابع السيستاني قال إنه سيواصل الاحتجاج في جميع الأحوال. وأضاف: «لقد خرجت من أجل هذا الوطن، وليس من أجل أي شخص».

سياسة

منذ سنتين
علي السيستاني.. الإيراني الذي ينافس «خامنئي» ويتحكم في مصير العراق

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد