بعد 30 عامًا على حكمه إثر انقلاب على السلطة، لقي رئيس السودان عمر البشير المصير نفسه الذي وصل عن طريقه إلى سدة الحكم، ليطيح به الجيش أمس الخميس 11 أبريل (نيسان) من منصبه ويعلن تشكيل مجلس عسكري لقيادة البلاد لمدة عامين إيذانًا ببدء مرحلة انتقالية، مظهرًا بذلك اصطفافه مع مطالب الحشود السودانية التي خرجت إلى الشوارع منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي منادية بإنهاء حكم «مستبد» آخر.

لكن تحرك الجيش لم يلق الترحيب المنشود من المحتجين، الذين رفضوا بيان الجيش مطالبين بتشكيل حكومة مدنية بدلًا عن المجلس العسكري، في ما يبدو أنه درس تعلموه من تجارب سابقة في المنطقة. وفي تقرير أمس الخميس توضح مجلة «فورين بوليسي» حقيقة ما حدث في السودان وهل يمثل تحرك الجيش تحولًا ديمقراطيًا أم محاولة من الجيش للاستيلاء على السلطة.

Embed from Getty Images

فصباح أمس الخميس، أعلن وزير الدفاع أحمد عوض بن عوف عبر التلفزيون الحكومي، بينما تحفه الأعلام السودانية، أن حكم البشير الذي دام 30 عامًا، قد انتهى. ووضع الديكتاتور البالغ عمره 75 عامًا، والمطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب إبادة جماعية منذ عام 2009، قيد الإقامة الجبرية بمنزله. وعجز مناصروه عن مغادرة البلاد بعد فرض حظر جوي لمدة 24 ساعة.

وعلى الرغم من أن المتظاهرين الغاضبين في شوارع الخرطوم مزقوا صور رئيسهم السابق، قالت «فورين بوليسي» في تقريرها إنه ليس من المؤكد ما إذا كان تاريخ 11 إبريل (نيسان) سيشكل بداية الديمقراطية في السودان أو الانتقال من ديكتاتورية إلى أخرى، أو ربما أسوأ.

وقال وزير الدفاع بن عوف في البيان إن المجلس الانتقالي سيقود البلاد لعامين، دون أن يقدم تفاصيل، غير أن وزير الدفاع نفسه يخضع لعقوبات أمريكية بسبب دوره في حملة الإبادة الجماعية التي شنتها الحكومة السودانية في إقليم دارفور.

انقلاب أم ماذا؟

نقل تقرير المجلة الأمريكية عن سارة عبد الجليل وهي متحدثة باسم تجمع المهنيين السودانيين: «إن هذا انقلاب معاد تدويره، ولن يكون موضع ترحيب على الإطلاق»، مضيفة أن بيان ابن عوف «بعيد للغاية عن توقعات الشعب السوداني… المتمثلة في أن تسلم السلطة بشكل سلمي من النظام، دون شرط، وتشكيل حكومة انتقالية مدنية».

ووصف الناشط السياسي السوداني أمجد فريد الطيب، في حديثة إلى مجلة «فورين بوليسي»، ما حدث بأنه «انقلاب مُنمَّق»، مضيفًا أن «الشعب السوداني لم ينزل الشارع (على مدار) أربعة أشهر ليستبدل طاغية بمثله».

«فورين بوليسي»: كيف تغيرت سياسات أمريكا تجاه السودان منذ التسعينيات وحتى ترامب؟

شكل تجمع المهنيين السودانيين القوة الدافعة للاحتجاجات. وبدأت المجموعة تنظيم المسيرات في ديسمبر(كانون الأول) احتجاجًا على ارتفاع أسعار الخبز وسوء الأحوال المعيشية. وسرعان ما انتشرت المظاهرات في أنحاء البلاد، وتضاعفت إلى أعداد لم يشهدها السودان قط تحت حكم البشير.

ونقل تقرير المجلة عن خالد مدني أستاذ السياسات الأفريقية والإسلام في جامعة مكجيل قوله: «في الماضي كانت الأحزاب السياسية التقليدية  في السودان تقود التجارب الديمقراطية، هذا الحراك الجديد يقوده المحامون والأطباء والمهندسون وطبعًا منظمات نسائية».

وقال أعضاء في التجمع ونشطاء آخرون، لمجلة «فورين بوليسي»، إنهم امتنعوا عن دعوة الجيش للانضمام إلى الاحتجاجات حتى وصلت ذروتها نهاية الأسبوع الماضي. ونقل تقرير المجلة عن «أليكس دي وال»، المدير التنفيذي لمؤسسة السلام العالمي بجامعة تافتس قوله: «يبدو أن المساومة كانت لتجنب حرب أهلية في الوقت الحالي».

وعلى الرغم من أن واشنطن تعتبر السودان دولة راعية للإرهاب، وفرضت عقوبات اقتصادية، الولايات المتحدة على علاقة أمنية مع السودان تتضمن التعاون الاستخباراتي ومكافحة الإرهاب، البلاد، بحسب التقرير.

وأرجع زكريا مامبيلي، الباحث في الحركات الاحتجاجية والسياسات الأفريقية في كلية فاسار، سبب تمكن الجيش من «احتكار المشهد» حتى الآن إلى عدم اضطلاع أحزاب المعارضة القائمة «بدور قيادي كبير، وبالتالي لا توجد شخصية أو حزب سياسي واضح من المحتمل أن يتدخل في هذه اللحظة ليتولى السلطة».

وأشار جود ديفيرمونت، وهو محلل كبير سابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في الشأن الأفريقي، ويعمل الآن في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إلى الجزائر مثالًا، حيث أطاحت الاحتجاجات هذا الشهر الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إثر فترة حكم طويلة، وقال: «لقد رأينا في الجزائر أن المحتجين سيطالبون بأن يكون لهم صوت في تشكيل المرحلة الانتقالية، والآن الشروط غير مقبولة (بالنسب للسودانيين)».

الإرث الوحشي للبشير

ترى مجلة «فورين بوليسي» أحد الأسئلة التي تدور في العقول في معمعة ما بعد الانقلاب هو ما إذا كان قادة السودان الجدد سيسلمون البشير للمحكمة الجنائية الدولية.

وتشير المجلة إلى أنه على مدار أكثر من 15 عامًا، فشل المحامون الدوليون، المدعومون بتفويض من أكبر القوى العالمية، في الحصول على أقوال البشير في ما يتعلق بإرث من الفظائع الجماعية التي ارتُكبت في دارفور، إذ يُزعم أن ميليشيات مدعومة من الحكومة نفذت حملة تطهير عرقي في المنطقة الغربية من السودان في عامي 2003 و2004.

Embed from Getty Images

وروت نساء أن جنود البشير اختطفوهن وأخذوهن عبيدًا للجنسٍ، بحسب تقرير المجلة. وقُتل أكثر من 300 ألف شخص، ونزح مليونان، في النزاع الذي حدد شكل إرث البشير في السودان.

وفي حديث إلى «فورين بوليسي»، قال زيد رعد الحسين، المفوض السامي السابق للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، إن إطاحة البشير تمثل «خبرًا استثنائيًا»، معبرًا عن أمله في أن يسلك الجيش الآن المسار الصحيح بتسليمه إلى لاهاي. وقال: «إذا كانوا يريدون مستقبلًا جديدًا للسودان، فسيتعين عليهم البداية بالبشير وتسليمه إلى قبضة المحكمة الجنائية الدولية».

وقال زيد إنه يعتقد أن البشير على الأرجح سيرسل إلى دولة مجاورة ليعيش فيها أيامه الأخيرة، لكنه رأى أن سقوطه يوفر للحكومة العسكرية فرصة لإصلاح علاقاتها مع القوى الغربية الرئيسة.

صوت مجلس الأمن الدولي لأول مرة على بدء تحقيق مع البشير من قبل المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية عام 2005. ووجهت إليه المحكمة الجنائية الدولية عامي 2009 و2010 تهم ارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية.

ورفض السودان، وهو ليس طرفًا في نظام روما الأساسي الذي أنشأ المحكمة، تسليم البشير، الذي تحدى مرارًا وتكرارًا مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة بالسفر حول العالم دون عقاب، ليكون رمزًا على عجز المحكمة.

نقل تقرير «فورين بوليسي» عن وثيقة مسربة من ويكيليكس ذكريات السفير الأمريكي توني هول أثناء رحلة قام بها إلى دارفور عام 2004 إذا قال: «إن معاناة أهالي دارفور هائلة، لقد استمعت إلى قصص نساء اغتصبن، ورجال ضربوا، وعذبوا، وقتلوا، وقرى أحرقت، ورأيت الناس يتماسكون بالكاد ليبقوا أحياء».

محاولة أمريكية لإنهاء عزل السودان

لكن رغم الإرث الوحشي للبشير، وبعد مرور أكثر من عقد على إبادة دارفور، سعت الولايات المتحدة لإصلاح العلاقات مع السودان، في محاولة امتدت من إدارة باراك أوباما إلى إدارة دونالد ترامب، بحسب مجلة «فورين بوليسي».

خفف الدبلوماسيون الأمريكيون بهدوء العقوبات والعزلة الدولية، وفي مقابل تنازلات من البشير في التعاون لمكافحة الإرهاب، زادوا فرص الحصول على المساعدات الإنسانية، وغيرها من القضايا. وأيدت وكالة الاستخبارات الأمريكية هذا النهج؛ إذ قدم البشير نفسه بصورة مختلفة باعتباره حليفًا في الحرب ضد الجماعات الإرهابية.

وتقول المجلة: «إن كبار المسؤولين في إدارة ترامب بحثوا لعدة أشهر إزالة اسم السودان من الدول الراعية للإرهاب، في مقابل الحصول على مزيد من التنازلات بشأن عدة قضايا، بما في ذلك حقوق الإنسان».

وتشير إلى أنه من بين الشخصيات الأوسع نفوذًا في رسم مستقبل السودان رئيس الاستخبارات في البلاد صلاح قوش، موضحة أن لديه تاريخ من التعاون مع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في جهود مكافحة الإرهاب، وعين في منصبه بدعم من المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، اللتين أغدقتا مئات الملايين من الدولارات لدعم نظام البشير والاقتصاد السوداني، في سياق تنافس الدول الخليجية على النفوذ في القرن الأفريقي.

ونقلت المجلة عن ريتشارد ديكر، مدير برنامج العدالة الدولية في «منظمة هيومن رايتس ووتش»، قوله: «إن سقوط البشير أحيا إمكانية أن يواجه العدالة أخيرًا في لاهاي»، مضيفًا: «البشير وآخرون على شاكلته يختبئون وراء الحجة القائلة بأنه لا يمكن مقاضاة رؤساء الدول، حتى على أخطر الجرائم، حسنًا لقد محا شعب السودان هذه الحجة».

https://www.sasapost.com/symbols-of-the-sudanese-revolution/https://www.sasapost.com/symbols-of-the-sudanese-revolution/

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات