لم يكن من السهل فهم السبب الذي دفع حزب الله لأن يدخل الحرب السورية في البداية، لكن السبب غدا واضحًا اليوم. كان السقوط المحتمل للرئيس بشار الأسد تهديدًا وجوديًا من شأنه أن يقطع خطوط إمدادات حزب الله مع إيران، وبالرغم من أن الأمين العام حسن نصر الله كان مترددًا في البداية الا أنه قرر إرسال المقاتلين من عام 2012 حتى الآن.

ومن الواضح اليوم أن تورط حزب الله بالحرب كان أحد الأسباب الرئيسة التي ساعدت على إنقاذ الأسد والحيل دون سقوطه، ولكن ماذا عنى ذلك للحركة اللبنانية؟ هل «حزب الله» أقوى أم يصارع بعد ست سنوات من الحرب؟

Embed from Getty Images

هكذا افتتح كريستوفر فيليبس، الكاتب والمحاضر الجامعي في العلاقات الدولية، مقاله الذي نشر في «ميدل إيست آي» يقول كريستوفر: «إلى جانب بقاء الأسد في الحكم، استطاع حزب الله أن يجني فوائد عديدة لمشاركته في الحرب في سوريا، وأبرزها ثلاثة: تحسين الخبرة العسكرية للمقاتلين، ومعدات وأفراد عسكريون أكثر تطورًا، وتوسع نفوذ الحركة في المنطقة».

حروب مدنية

يشير كريستوفر إلى أن حزب الله قد طور مهاراته في الحروب المدنية بشكل كبير، فمن حيث الخبرة العسكرية، كان الصراع الذي خاضته ولا زالت تخوضه حزب الله مختلفًا تمامًا عن الحروب التي خاضتها مع إسرائيل منذ الثمانينات؛ مما أجبر حزب الله على التكيف وتعلم مهارات جديدة، ولديه الآن خبرة في حرب المدن والقتال داخل أراضي العدو، والعمل مع الدعم الجوي، والتعاون مع الجماعات غير التابعة لحزب الله، بما في ذلك الجيوش الحكومية الكبرى، مثل روسيا، والمتحدثين بغير العربية مثل الميليشيات الأفغانية والشيعية الباكستانية.

ومن حيث المعدات العسكرية، فقد استخدمت إيران الحرب لزيادة مخزون حزب الله بشكل كبير، والذي يشمل الآن الصواريخ الموجهة والطائرات بدون طيار المسلحة والصواريخ البالستية قصيرة المدى والصواريخ المضادة للدبابات. ومن حيث الأعداد، فلدى حزب الله الآن ما يقرب من 130 ألف صاروخ ، مقارنة مع 15 ألف صاروخ عشية حرب 2006.

أما بالنسبة للافراد، اضطر حزب الله إلى زيادة تجنيده بشكل كبير للقتال في سوريا. وقد وسع نطاق تجنيده عن طريق التخفيف من المتطلبات الإيديولوجية والعمرية الصارمة التي طبقت في السابق، وقد أعطاهم ذلك جيشًا دائمًا يضم 20 ألف مقاتل، إلى جانب عشرات الآلاف من جنود الاحتياط اللبنانيين والميليشيات السورية الحليفة.

Embed from Getty Images

كما تعزز النفوذ الإقليمي لحزب الله الذي أصبح له وجود الآن في العراق واليمن، فضلًا عن سوريا. حيث جرى إرسال ما يصل إلى 500 متخصص في حزب الله إلى العراق منذ عام 2014 لتدريب الحشد الشعبي للقتال ضد «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» وغيرها، في حين يلعب نصر الله دور الوساطة الدورية بين الفصائل الشيعية العراقية.

كما أُرسل عدد غير معروف من عناصر حزب الله إلى اليمن لتدريب المقاتلين الحوثيين، بينما يملك حزب الله الآن علاقات مباشرة مع روسيا على المستوى العملي والسياسي. والنتيجة هي تحول حزب الله: فقد دخلت سوريا كحركة لبنانية محلية، لكنها الآن لاعب إقليمي مسلح مهم.

«فورين أفيرز»: ليس موقعها فقط.. هذه أسباب إسرائيل لاحتلال هضبة الجولان بأكملها

تبعات داخلية

ومع ذلك كانت التكلفة عالية، وعدد القتلى كان مرتفعًا – بحسب الكاتب. يعتقد المحللون أن حزب الله فقد ما بين ألف وألفي مقاتل في سوريا – ما يصل إلى 10% من مقاتليه، بما في ذلك قادة عسكريون ذوو خبرة كبيرة، ومحاربون قدماء في حروب تسعينات القرن الماضي وحروب إسرائيل عام 2006.

يذكر الكاتب أنه كان هناك تذمر بين الأوساط الشعبية اللبنانية لحزب الله حول الأرقام المرتفعة للخسائر، وسعي ضخم للبحث عن مزيد من المجندين من منطقة البقاع الشرقي في لبنان، بدلًا عن المعاقل الأكثر تقليدية في الجنوب وجنوب بيروت للحد بشكل جزئي من هذه التداعيات.

كما كانت هناك تبعات محلية أخرى أيضًا. ففي الفترة بين 2013-2014، شن الجهاديون المتعاطفون مع المعارضة المناهضة للأسد هجمات على حزب الله والمناطق التي يسكنها الشيعة في لبنان، لكن تم التغلب على هذه الظاهرة في نهاية المطاف من خلال الحملات العسكرية والسياسة المحلية. وفي الواقع، يبدو حزب الله اليوم قويًا في لبنان. وحلفاؤها متواجدون في الحكومة، بما في ذلك الرئيس ميشيل عون، في حين أن خصمه القديم تحالف «14 آذار»، قد انكسر، وقائده سعد الحريري ضعيف ومرهق.

Embed from Getty Images

إلا أن بعض التبعات الأخرى للحرب السورية على حزب الله لا تزال بدون حل، فقد كانت الحرب باهظة الثمن، وبالاقتران مع عقوبات جديدة على حليفها وداعمها الرئيسي ايران، يكافح حزب الله لدفع الرواتب والمعاشات المتزايدة التي تطالب بها قائمة المتطوعين والمصابين المتزايدة. وقد اضطرت بالفعل إلى تقليص بعض الخدمات الأساسية التي توفرها لقاعدتها الشعبية الفقيرة. وفي حين أن هذا وحده لن يقلب السكان على حزب الله، إلا أنه قد يؤثر على جاذبية الحركة على المدى الطويل.

والأكثر إلحاحًا – بحسب الكاتب – مخاوف من أن إسرائيل قد تشن هجومًا كبيرًا لمواجهة قوة حزب الله المتنامية، ومن المتوقع أن أي حرب مستقبلية ستكون أكثر تدميرًا بكثير بالنسبة لإسرائيل ولبنان منها في عام 2006، وهذا ما ردع الطرفين حتى الآن، لكن التصعيد المفاجئ ممكن دائمًا، خاصة في ضوء التوترات الأخيرة حول وجود حزب الله في مرتفعات الجولان السورية.

تواجد روسيا في سوريا كوسيط محتمل قد يؤدي إلى تهدئة الوضع. وأطلقت إسرائيل حتى الآن عشرات الهجمات في سوريا دون إثارة أي تصعيد ملموس على كلا الجانبين. ومع ذلك يقول الكاتب إن التحركات هذه تجري بالقرب من خطوط حمراء رفيعة.

«فورين بوليسي»: هكذا يشنّ الأسد حربًا بيولوجية متعمّدة في بلادِه

أقوى من ذي قبل

يقول كريستوفر إن مستقبل حزب الله في سوريا نفسها لم يتضح بعد. قال قادة الحركة إنهم سينسحبون بمجرد الاتفاق على تسوية سياسية، وقد حدث انخفاض أخير في أعداد المقاتلين حيث تضاءلت أعمال العنف، وتحول حزب الله من دور قتالي إلى تدريب الوكلاء السوريين والقوات الأفغانية الموالية لإيران والقوات الباكستانية، ربما بسبب الخوف من فقدان أي مقاتلين ثمينين.

ومع ذلك يبدو أن حزب الله ينشئ لوجود دائم في أماكن استراتيجية رئيسية مثل القصير القلمون والسيدة زينب. علاوة على ذلك، وبالنظر إلى مدى قرب لبنان، فيمكن إرسال قوات قتالية بسهولة إذا ما احتاج الأسد أو إيران إليهم لحملات مستقبلية على إدلب أو الفرات الشرقية.

Embed from Getty Images

وبينما أثبتت الحركة نفسها كحليف مخلص وقيم على مدار الصراع السوري، إلا أن قيادتها واعية بأنها لا تستطيع تحمل خسائر قتالية كبيرة إلى أجل غير مسمى، وتأمل أن تتمكن من إبقاء اعداد الخسائر بالحد الأدنى مع تقدم الحرب إلى الأمام.

يختم الكاتب قائلًا: إنه وبشكل عام خرج حزب الله من الصراع السوري بصورة جيدة جدًا، وهو الآن قوة إقليمية مدرّبة وأقوى بكثير مما كانت عليه قبل الحرب. ومع ذلك فإنها ما زالت محدودة ماليًا ومن حيث المجندين، وقد تأمل بهدوء أن تنتهي الحرب السورية قريبًا، وأن يتم تجنب صراع جديد مع إسرائيل حتى تتمكن من تعزيز موقفها الذي خرجت به حديثًا من الحرب السورية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد