نشر مركز «بروكنجز» تحليلًا أعده، علي فتح الله نجاد، الباحث غير المقيم بجامعة طهران، وأمين نايني، استعرضا فيه أسباب تراجع الدعم الجماهيري للمعتدلين في إيران، وأوضحا أن الضغط الذي يمارسه ترامب ليس هو المسؤول عن هذا التراجع.

يستهل الباحثان بالقول: في الشهر الماضي، شهدت إيران برلمانًا جديدًا ذي أغلبية متشددة انتخبت في اقتراع أواخر فبراير (شباط) الذي شهد أقل نسبة إقبال للناخبين منذ ثورة عام 1979، حتى أن المحافظين اكتسحوا العاصمة، طهران، بينما حصل المعتدلون المتصدرون فقط على 95.393 صوتًا في منطقة حضرية يتجاوز عدد سكانها 13 مليون نسمة.

 لماذا فقد المعتدلون والإصلاحيون في إيران الدعم الجماهيري؟ وكيف سيؤثر ذلك في سياسة إيران الخارجية؟ 

يجيب الباحثان: تدعي الحكمة التقليدية أن السبب الرئيس لتراجع موقف المعتدلين هو الضغط الأمريكي على إدارة روحاني، إذ يصف بعض المحللين حملة «الضغط القصوى» التي يتبناها ترامب بأنها هدية للمتشددين الإيرانيين.

منطقة الشرق

منذ 4 شهور
احتضار بدأ مع أحمدي نجاد.. هل نشهد وفاة الحركة الإصلاحية في إيران؟

وبحسب وجهة النظر هذه، فإن إعادة واشنطن فرض عقوبات منحت المتشددين الإيرانيين «ما أرادوه»، «ومن خلال صعود المتشددين إلى موضع القيادة في طهران، جعل ترامب الأزمة الراهنة حتمية». وهذه الحجة أيضًا تُحَمِّل الضغط الأمريكي مسؤولية تقوية «قبضة الفصائل الإيرانية المتشددة، في المؤسسات الدينية والقضائية وكذلك في الحرس الثوري». 

وعلى المنوال نفسه، تؤكد توقعات الانتخابات الرئاسية عام 2021 في إيران أن سياسات البيت الأبيض هيأت «ظروفًا مستحيلة» لانتصار مرشح إصلاحي. يستدرك الباحثان: تتجاهل هذه التفسيرات السطحية سياسات إيران الداخلية، وتضخم إلى حدٍ كبير من أهمية واشنطن في تشكيل النتائج داخل إيران.

العوامل المحلية تُضعف المعتدلين

يرى الباحثان أنه من التبسيط عزو ضعف المعتدلين في إيران إلى سياسة الضغط التي ينتهجها ترامب. بالفعل، هناك عوامل محلية كثيرة؛ أولها: أنه قبل 10 أشهر من قرار ترامب سحب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشترَكة)، تبين أن اختيار روحاني لأعضاء مجلس الوزراء لفترة ثانية محافظًا للغاية، على عكس تفسيرات داعميه. 

على سبيل المثال، فشل روحاني في الوفاء بوعود اختيار سيدة لتترأس ما لا يقل عن وزارة واحدة، مما خيب آمال شريحة حاسمة من الناخبين. 

في الحقيقة، شكَّلت الاحتجاجات التي اندلعت على الصعيد الوطني في مطلع عام 2018 (المشار إليها في إيران باحتجاجات داي) في نحو مائة مدينة وبلدة – أي قبل خمسة أشهر من خروج ترامب من الاتفاق وإعادة فرض العقوبات – منعطفًا في آراء الإيرانيين تجاه الفصيل المعتدل. 

وانبثقت تلك الاضطرابات من مظالم اجتماعية-اقتصادية، لكنَّها تجاوزت المطالب الاقتصادية. ودان غالبية الإصلاحيين الأشخاص الذين خرجوا إلى الشوارع، مما أصاب الكثيرين بصدمة. 

ووصف حميد رضا جلايبور، الناشط الإصلاحي البارز، المحتجين بـ«النسور»: لكنه أنكر ذلك بعد رد الفعل العنيف على وسائل التواصل الاجتماعي.  وألقى عباس عبدي، وهو إصلاحي آخر، اللوم على المحتجين بشأن «البلدان الرجعية بالمنطقة»، واصفًا الاحتجاجات بـأنها «أعمال شغب وتدمير» تطلبت ردًا قاسيًا. 

Embed from Getty Images

وفوق كل ذلك، عكس بيان أصدره مجمع علماء الدين المجاهدين، بقيادة محمد خاتمي، الرئيس الإصلاحي الأسبق المعروف بقائد المعسكر الإصلاحي، هذه المشاعر، حين قال: «تُظهر الأحداث الأخيرة في البلاد أن الانتهازيين ومثيري الشغب يسيئون للتجمعات الجماهيرية والاحتجاجات السلمية عبر إشاعة الفوضى وانعدام الأمن وتدمير الممتلكات العامة والإساءة إلى المقدسات الدينية والوطنية وحتى قتل الأبرياء. إنهم يسعون لتنفيذ نوايا الأعداء الخبيثة». 

وازدادت هذه الإدانات عندما بدأ الناس يصيحون بقولهم: «إصلاحي أو متشدد، اللعبة الآن انتهت». ودفعت ردود الفعل هذه العديد من الإيرانيين إلى الابتعاد عن المعتدلين. ووفقًا لصادق زيباكلام، أستاذ العلوم السياسية في جامعة طهران، فإن «سمعة الإصلاحيين انتهت مع احتجاجات داي»، ما أدى إلى تحولهم إلى «الخاسر الأكبر» في تلك الاحتجاجات. 

وفي مقابلة أخرى، قال إن الإصلاحيين لم يكن لديهم «استراتيجية معينة على مدار الـ22 عامًا الماضية»، «والإصلاحات ماتت الآن». بعبارة أخرى، في حين أكد المعتدلون منذ فترة طويلة على دعمهم للمجتمع المدني، رأي كثيرون أن ردود فعلهم على احتجاجات داي تشبه ردود فعل المتشددين». وفي هذا السياق، قال إبراهيم أصغرزاده، الناشط الإصلاحي البارز: «أوافق على أن الإصلاحيين الذين تذوقوا السلطة، يصبحون محافظين في بعض الأحيان، وهذه النزعة المحافظة آفة من آفات الإصلاح». 

وفي هذا الصدد، أوضح محمد رضا خاتمي، العضو الإصلاحي بالبرلمان المنتهية ولايته في إيران (شقيق الرئيس الأسبق خاتمي)، أن الإصلاحيين بمثابة «صمام أمان» للجمهورية الإيرانية. مضيفًا: «تتضاءل آمال الناس في الإصلاحيين يومًا بعد يوم». وقد أُصيب العديد من الإيرانيين بالإحباط بسبب اختيارهم في السنوات الأخيرة التصويت للمعتدلين «لتحقيق السلام والطمأنينة».

ويشير الباحثان إلى أن احتجاجات داي وردود فعل الإصلاحيين توضح أن العوامل المحلية أهم بكثير من الضغط الأمريكي في تفسير ضعف المعتدلين. وقد تمخض أداؤهم المتواضع في السلطة (أثناء إدارة خاتمي وروحاني) عن الإضرار بشعبيتهم، ذلك أنهم فشلوا في الوفاء بالوعود السياسية والاقتصادية المهمة.

دور المعتدلين في سياسة إيران الخارجية

كيف يؤثر ضعف المؤسسات المعتدلة في السياسة الخارجية الإيرانية، لا سيما العلاقات مع واشنطن؟

يجيب الباحثان: من المغري افتراض أن نهوض المتشددين الإيرانيين سيزيد حدة التوترات الأمريكية-الإيرانية، «إذ سيقوي ذلك الأصوات المناهضة للاتفاق في إيران، وسيمنح دفعة أخرى لأولئك الذين يفضلون انتهاج سياسة تنطوي على قدرٍ أكبر من المواجهة مع واشنطن».

ومع ذلك، فهذا يفترض أن الاتفاق النووي – أي الانفراجة الدبلوماسية الكبيرة التي سحبت العلاقة من على شفير الحرب – كان مدفوعًا إلى درجة كبيرة بفضل معتدلي إيران. يرى الباحثان أن هذه قراءة سطحية للديناميات الداخلية الإيرانية؛ ففي الحقيقة، تخدم كثيرًا من الاختلافات بين الفصائل في طهران غرضًا نفعيًا في السياسة الخارجية. وكما اعترف عضو برلماني منتهية صلاحيته مؤخرًا، فإن احتجاجات المتشددين القاسية ضد سياسة روحاني الانفتاحية كانت مقصودة لمساعدة طهران في الحصول على تنازلات أكبر بموجب هذا الاتفاق. 

ويتابع الباحثان: ينبغي ألا ننسى أن إيران والولايات المتحدة بدءا مفاوضات سرية في عمان في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وتحديدًا عندما سيطر المتشددون على كلٍ من الرئاسة والبرلمان. وخلاصة القول: إن سياسة الجمهورية الإيرانية الخارجية لا يحددها الرئيس، لا سيما في سياق العلاقات الأمريكية-الإيرانية. 

وتأكيدًا على هذه النقطة، اعترف على مطهري، الذي يصف نفسه بأنه غير حزبي (لا ينتمي إلى أي حزب) والعضو القديم في البرلمان الذي لم يُسمح له بترشيح نفسه في الانتخابات الأخيرة، بأن «إيران تتعرض لضغط غير مسبوق». وجادل بأن «المتشددين، عن طريق تولي السلطة، من المحتمل أن يوافقوا على العلاقات مع الولايات المتحدة».

ماذا يعني ذلك لمستقبل العلاقات مع واشنطن؟

بعد مرور أربعة عقود، أظهرت الجمهورية الإيرانية أن سياستها الخارجية – إلى حد كبير – لا يحددها أي فصيل سياسي يسيطر على الإدارة أو البرلمان. بدلًا من ذلك، أدى المعتدلون والمتشددون أدوارهم المحددة، أي نظام «الشرطي الجيد/ الشرطي السيئ» (تكتيك نفسي يُستخدم في الاستجواب والمفاوضات). 

Embed from Getty Images

على سبيل المثال، بعد ثلاثة أشهر من إعادة انتخابه في يوليو 2017، التقى الرئيس روحاني بكبار جنرالات قوات الحرس الثوري الإيرانية. ونشر المستشار الرئاسي، حسام الدين آشنا، صورة الاجتماع على قناته على التليجرام، وكتب: «هذه ليست مجرد صورة، لكنَّها مصير».

وفي ولايته الثانية، حاول الرئيس روحاني تعزيز العلاقات مع المحافظين والمتشددين. وبحسب موقع تابناك الإخباري المؤثر، والقريب من محسن رضائي، أحد جنرالات قوات الحرس الثوري الإيراني وأمين عام مجمع تشخيص مصلحة النظام، فإن استعداد روحاني للتقرب من المحافظين «يمكن أن يعزز نفوذه بعد الرئاسة باعتباره عنصرًا فاعلًا في سياسات إيران».

وبطبيعة الحال، فإن الخط الرسمي الذي تتبناه طهران هو أنها تنتهج استراتيجية لمواجهة ما ترى أنه نظام عالمي تقوده الولايات المتحدة. ولكن إذا دعت الحاجة، ربما تختار الجمهورية الإيرانية مواقف أكثر توافقية، مثل أولئك الذين ساعدوا في قيادة المفاوضات النووية. 

يلفت الباحثان إلى أن هذه التحولات لم تكن نتيجة للتأثير «المعتدل» للمعسكر الإصلاحي في إيران. في الحقيقة، أدوا دورهم- فقط بفضل مكانتهم الدولية – في ظل استراتيجية أمنية وطنية إيرانية لتقليل التهديدات عن طريق المفاوضات.

يختم الباحثان بالقول: الكثير من التفسيرات لضعف المعتدلين ودورهم في السياسة الخارجية الإيرانية اعتمدت على «عامل ترامب»، لكنها تتجاهل الدور الحاسم للديناميات السياسية المحلية في الجمهورية الإيرانية. تلك العوامل المحلية كانت وستظل هي القوى الدافعة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد