إن كنت عربيًا فربما قد تكون سمعت أحدهم يمتدح زمن الاحتلال ويرى أنه كان أفضل لبلاد العرب من حكومات ما بعد الاستقلال. هذا أيضًا ما يظنه بعض الهنود، الذين احتلت بريطانيا بلدهم لـ70 عامًا، وهو بالطبع ما يظنه الكثيرون في بريطانيا، أكبر وآخر الإمبراطوريات الاستعمارية.

بمناسبة الذكرى الـ70 لاستقلال الهند عن الاستعمار البريطاني، نشر موقع «كوارتز» تقريرًا للصحافي «أكشت راثي» فند فيه أربع أكاذيب يرددها البريطانيون تقول: إن إمبراطوريتهم جعلت الهند أفضل حالًا.

استمد مقال «كوارتز» حُججه من كتاب «الإمبراطورية المشينة: ما فعلته بريطانيا بالهند» لـ«شاشي ثارور»، البرلماني الهندي ووكيل عام الأمم المتحدة سابقًا، والذي ألقى كذلك خطابًا قويًا حول التعويضات التي تدين بها بريطانيا لمستعمراتها السابقة ضمن مناظرة ربحها بأغلبية الثلثين بمجلس اتحاد أكسفورد، وذاع صيتها بين جمهور الإنترنت، قبل أن يطورها لكتابه سالف الذكر.

لا يظن «ثارور» أن خطابه في تلك المناظرة كان الأقوى، فهو يقول في كتابه: «بالرغم من أني مثلت جانبي بحديث جيد، أعلم أن هناك خطابات أفضل من هذا الخطاب، ولم تحز انتباه عُشر المنصتين لها».

لكن يرى الكاتب أن «ثارور» ربما لم يدرك أنه نجح في تحديد مضار الإمبراطورية البريطانية في خطاب مقنع وموجز، والتزم بالضرورة الأخلاقية لشرح فظائع الاستعمار في عالم يعتقد فيه ثلثا البريطانيون أن إمبراطوريتهم مدعاة للفخر، بل يظن بعض الهنود أن الاستعمار كان ذا تأثير إيجابي على الهند في المجمل.

يسرد الكاتب فيما يلي الـحجج الأربع التي اختارها ليذكّر العالم بالوحشية التي نتجت عن الطمع البريطاني، ويرشح كذلك كتاب «ثارور» لتفاصيل أكثر.

1. لم تكن الهند لتصبح دولة اتحادية لولا الحكم البريطاني

حسب الكاتب، سيطرت شركة الهند الشرقية على ما يقرب من ربع حجم التجارة العالمية عند تأسيسها عام 1600 بغرض التربح من التجارة مع الهند، قبل أن تدرك أهمية تواجدها الدائم في الهند، ويرتفع حجم تجارتها بعدها. بعد ما يقرب من 100 عام تخللها سلسلة غزوات وبعض السياسات الذكية، نجحت الشركة في إقامة إمبراطورية منافسة في شبه الجزيرة الهندية، وسط اقتتال إمبراطوريات المغول والأوديين والماراثيين.

«لولا البريطانيون لما اندمجت هذه الإمبراطوريات ضمن دولة واحدة»

هذه أحد الادعاءات الموجودة اليوم، والتي ترتكز على نقطتين أساسيتين: الأولى هي أن البريطانيين هم من اخترعوا فكرة قيام اتحاد سياسي يسمى الهند، أما الثانية فهي أنهم وفروا للهنود المؤسسات والأدوات الضرورية لتسيير هذا الاتحاد والحفاظ على وحدته.

تسقط الركيزة الأولى بمجرد الرجوع بالتاريخ؛ ففي الملاحم الهندية مثل ملحمة رامايانا – والتي تحكي معركة الأمير راما ضد الملك الشيطاني في اللانكا – كانت توصف الهند بأنها بلد واحد. حتى على أرض الواقع، كانت أجزاء كبيرة من شبه الجزيرة الهندية تتمتع بوحدة ثقافية وإدارية إبان حكم الإمبراطور أشوكا في بداية القرن الثالث قبل الميلاد. كما لقب العرب والفرس أي حاج مسافر من المنطقة باسم هندي؛ نسبة إلى كلمة هند، الاسم الذي أطلقوه على نهر السند وقتها.

أما الركيزة الثانية لذلك الادعاء فتنهار عند أخذ ما فعله البريطانيون بالهند في الاعتبار.

طوال 200 عام من الحكم، لم تتخط نسبتهم (أي: البريطانيون) 0.05% من السكان. مع ذلك، لم يسمحوا للهنود أن يلتحقوا بجهاز الخدمة المدنية الهندية (الذي كان يحكم الهند وقتها). جزء من هذا سببه أن البريطانيين لم يكونوا ليتحملوا تلقي الأوامر من رجل بني البشرة. حتى عندما تم قبول الهنود، كان في انتظارهم مزيد من العنصرية. من يحقق درجة مرتفعة في امتحان الوظيفة يُتهم بالغش، وإلا كيف لرجل بني أن ينال درجة كهذه؟ القلة التي نجت من تهم الغش لم تنج من الاضطهاد أيضًا، فحتى في مناطق عملهم منُعوا من دخول نوادي النخبة.

الحقيقة هي أن السياسة البريطانية لم تكن سياسة توحيد مطلقًا، بل سياسة فرّق تسد. يبين «ثارور» كيف تزمتت الطوائف الهندية واتسعت الفجوات الطائفية تحت حكم البريطانيين، خاصة بين المسلمين والهندوس. ظهرت هذه الثقافة بشكل جلي عندما قسم المستعمرون شبه القارة إلى الهند وباكستان، بينما هم يستعدون للجلاء عنهما.

2. منح البريطانيون الهنود الديمقراطية والصحافة الحرة وحكم القانون

«بالرغم من كل القوة التي سخروها لحرمان الهنود، وقبلهم الأمريكيون حتى عام 1776، من حقوق مماثلة للإنجليز، رسخ البريطانيون طابعًا ديمقراطيًّا في مستعمراتهم السابقة بجرعة كفيلة بأن تمد أجل وصايتهم عليها»، يكمل «ثوروس» كلامه قائلًا: «لكن التاريخ الفعلي للقانون البريطاني لا يرجح أن هذا الطابع الديمقراطي يمكن أن يعتبر  سياسة منصوصًا عليها أو حتى ممارسة».

لا يمكن للديمقراطية أن تعمل دون صحافة حرة وقانون عادل، ولَم يكن لكليهما وجود حقيقي تحت حكم المملكة البريطانية للهند.

كان البريطانيون أول من أسس الصحف في الهند، وقدمتها في البداية للنخبة الصغيرة ذات التعليم الإنجليزي، وجمهور كبير من متحدثي اللغات المحلية فيما بعد، لكن زيادة عددهم نبهت شركة الهند الشرقية ومررت قانون الصحافة في 1799، خضعت بموجبه كل الصحف لرقابة شديدة قبل النشر. وفِي 1807 خضعت كل المنشورات لنفس القانون.

بحماس شديد والتزام بالقانون الصارم الذي لم يعد كذلك بمرور الوقت، استمر الهنود في مشروعهم. كان هناك حوالي 475 جريدة يملكها ويحررها الهنود بحلول 1875. رنت مجددًا أجراس الإنذار جالبة معها شوطًا جديدًا من الرقابة تمثل في قانون الصحافة الناطقة بالمحلية لعام 1878، وتبعه قانون الصحافة الجديد في 1910 والذي اشترط على الناشرين تأمين مالي ضخم يفقدونه حال نشر مطبوعاتهم مقالات تحريضية أو مسيئة. أما عنصرية الصحف التي تملكها بريطانيا فلم تكن تخضع لنفس القيود.

«كانت الصحافة حرة، لكن بعض الصحف كانت لها حرية أكثر من غيرها»، هذا ما استنتجه «ثوروس».

أما النظام القضائي فكان أكثر تمييزًا. فمثلًا عندما رمى رجل إنجليزي خادمه الهندي برصاصة قتلته؛ حُكم عليه بـ6 شهور في السجن وغرامة بسيطة، بينما حُكم على الهندي المدان بمحاولة اغتصاب امرأة إنجليزية بـ20 عامًا في السجن. «موت أي هندي بأيدٍ بريطانية كان دائمًا حادثًا عرضيًا، وموت البريطاني بأيد هندية كان دائمًا جريمة كبرى»، ويكمل «ثوروس» قائلًا: «النظام القانوني الإمبريالي كان – ببساطة ووضوح – أداة للسلطة الاستعمارية».

وهناك ما هو أسوأ: فقد ترك النظام القانوني البريطاني إرثًا قضائيًا متراكمًا وكريهًا في الهند. هناك بعض القضايا المعلقة التي رُفعت أثناء الحكم البريطاني، وما زالت تنتظر. «نظام المحاكم وقانون العقوبات واحترام فلسفة القانون وقيم العدل، كل هذا – حتى وإن لم يطبق بعدل على الهنود في عهد الاستعمار – يظل إرثًا جيدًا.» يستطرد بعدها «ثوروس»: «لكن في خضم هذه العملية أثقلتنا بريطانيا بنظام قانوني عدائي، يغرق بشدة في الإجراءات الشكلية، التي تختلف تمامًا عن أنظمة العدالة التقليدية في الهند».

بالتأكيد. فإن كانت التعددية الديمقراطية إرثًا بريطانيًا، لماذا لا نرى باكستان أو بانجلاديش تسيران على نفس الخطى؟

3. لم يكن حكم البريطانيين أسوأ أو أفضل من مستبدي الإمبراطوريات السابقة

قليل من الملوك هم من يحكمون لينفعوا شعوبهم، وبالرغم ذلك، ما فعله البريطانيون بالهند كان قطعًا الأسوأ.

تخيل – على سبيل المثال – مجاعات الهند تحت حكم التاج البريطاني: عانى المضطهدون بين عامي 1770 و1947 من 11 مجاعة كبيرة وعدة مجاعات أصغر، مخلفة وراءها 35 مليون قتيل. ولكي تقارن، قتل طاعون ستالين 25 مليون، وقتلت ثورة ماو الثقافية 45 مليون، وقتلت الحرب العالمية الثانية 55 مليون.

كيف لنا أن نتأكد من أن البريطانيين هم سبب حوادث الموت من الجوع؟

الأمر بسيط، لم تحدث أية مجاعة في الهند منذ الاستقلال، والأسوأ أن النظرية البريطانية في وقتها كانت أن تدخل الحكومة فكرة غير صائبة. حتى أن «الإيكونوميست» – مثلًا – هاجمت مسؤولًا حكوميًا؛ لأنه جعل الهنود يظنون بأن «وظيفة الحكومة هي إبقاؤهم على قيد الحياة». (للمؤلف الكندي كالكون جلادويل حلقة عظيمة في برنامجه يحكي فيها كيف عجل تشرشل بحدوث أسوأ مجاعة في تاريخ الهنود من 1943 إلى 1945.)

سجل الإمبراطورية في التهجير القسري ليس أفضل مما سبق. مسار واحد فقط بين كولكاتا وترينداد وصلت نسبة وفيات العمال المتعاقدين لدرجة مريعة. 12.5% من كل الذكور، و18.5% من الإناث، 28% من الفتيات، و36% من الأولاد و55% من الرضع.

«دعنا نجري مقارنة يتفق عليها الجميع، كانت نسبة موت الرقيق في رحلتهم خلال «الممر الأوسط» – سيّئ الذكر – تقدر بـ12.5%»، ويضيف «ثارور»: أن «كونك عاملًا هنديًا متعاقدًا يعني دخولك في يانصيب الحياة أو الموت، وفرص نجاتك منه أسوأ من فرص العبد المكبل في إفريقيا».

وأخيرًا هناك مذبحة «جليانوالا باغ» سيئة السمعة. إن صدقنا الأرقام الرسمية، فالقوات البريطانية أطلقت 1650 رصاصة تجاه مدنيين أبرياء، قتلت منهم 379، وأصابت 1137. «تقريبا لم نضيع رصاصة»، يقولها «داير» بارتياح، حسبما يقول «ثارور». من قتلوا لم يعلموا على الإطلاق أن تجمعهم سيصبح غير قانوني بطريقة مفاجئة كهذه، ولم يتلقوا أي تحذيرات بالفض.

اقرأ أيضًا:

ويبقى ماهو أسوأ قادم، لم يدن «داير» سوى بارتكاب خطأ فادح، وأعفي من منصبه؛ ليتقاعد بمعاش سخي. ومدحه «روديارد كبلنج»، الحاصل على نوبل في الأدب، بتلقيبه «الرجل الذي أنقذ الهند». أقام البريطانيون حملة شعبية لتكريمه على وحشيته، وأعطوه ما يعادل 250 ألف جنيه إسترليني في يومنا هذا (حوالي 325 ألف دولار)، بينما تلقى ضحايا المذبحة ما يعادل 1500 دولار مقابل حياة كل شخص.

يقول «ثارور»: إنه «لم يعد ممكنًا الادعاء بأن «داير» لم يكن يمثل البريطانيين في الهند، لقد عاملوه كواحد منهم، كمنقذهم».

4.  منحوهم السكك الحديدية والشاي والكريكيت واللغة الإنجليزية

«نعم منحونا كل هذا، لكنها – مثلما قد تتوقع العامل المشترك – كلها منح غير مقصودة»، كما كتب «ثارور».

السكك الحديدية

بنى البريطانيون السكك الحديدية لأنفسهم بالأساس، استخدموا تقنياتهم، وأجبروا الهنود على شراء معدات بريطانية. تكلف إنشاء كل ميل من السكك الحديدية الهندية 9 أضعاف ما تكلف في الولايات المتحدة، وضع ما تكلفه في كندا وأستراليا على صعوبة التضاريس وقلة السكان في البلدين. دفع الفواتير دافعو الضرائب الهنود، وربح المستثمرون البريطانيون ربحًا مضمونا على رؤوس أموالهم. كانت أسعار نقل البضائع برخص التراب، بينما كان الهنود يدفعون ثمنًا مرتفعًا لتذاكر الدرجة الثالثة.

الشاي

عجّلت رغبة البريطانيين في التخلص من اعتمادهم على الشاي الصيني بزراعة الأراضي الهندية. بعد محاولات عدة فاشلة، نجحوا في العثور على نسخة محلية مناسبة. ومن أجله بتروا غابات شاسعة، وجردوا القبائل التي عاشت بها من حقوقها، ثم دفعوا مبالغ ضئيلة بهنود ليحصدوا هذه الأراضي. بعد تجهيز الشاي يشحن إلى بريطانيا أو يباع لدول أخرى، حتى القلة القليلة التي تبقى في الهند كانت تباع بأسعار مرتفعة جدًا، حتى حلت فترة الكساد العظيم؛ فسمح ضعف الطلب العالمي للهنود بأن يستمتعوا أخيرًا بهذا المشروب.

الكريكيت

يقول «ثارور»: «نعم، جلبها لنا البريطانيون. لكنهم عندما فعلوا ذلك لم يتوقعوا أن نغلبهم في لعبتهم في أحد الأيام، أو أن مخرجينا قد يترشحوا للأوسكار برواية غير واقعية عن مجموعة من الفلاحين الأميين من مختلف الأطياف الذين غلبوا حكامهم الاستعماريين في قصة تشبه القرن التاسع عشر. (فيلم لاجان، 2001).

اللغة الإنجليزية

اللغة الإنجليزية، كان الإنجليز واضحين تمامًا في كونهم يعلّمونها لأهدافهم الخاصة. يقول اللورد «ماكولي»: «يجب علينا أن نفعل كل ما بوسعنا لبناء طبقة تترجم الكلام بيننا وبين الملايين الذين نحكمهم، طبقة من الهنود دمًا ولونًا، لكن بذوق إنجليزي في الآراء والأخلاق والتفكير». «ماكولي» هو أيضًا الذي قال: إن «رفًا واحدًا في مكتبة أوروبية جيدة يساوي كل الأدب الأصلي للهنود والعرب».

يقول «ثارور»: إن «تعلم الهنود اللغة الإنجليزية وتحويلها لأداة من أجل تحريرنا كان بسببهم، لا بسبب خطة بريطانية».

لخص «ثارور» نتيجة استعمار الإمبراطورية بأن «ما كان في أحد الأيام أحد أقوى الاقتصادات الصناعية في العالم، والذي شكل مع الصين 75% من إنتاج العالم الصناعي في 1750، تقلص بفضل نهب الاستعمار الإمبريالي إلى واحد من أفقر الاقتصادات على الإطلاق، وأكثر المجتمعات تخلفًا ومرضًا وجهلًا حتى وقت الاستقلال على 1947.

يكشف كتاب «الإمبراطورية المشينة» – بكل كبرياء – كيف نهب البريطانيون ثروات الهند ودمروا مؤسساتها وخلقوا الانقسامات بين شعوبها بشكل منظم، بل الأسوأ أنه لم يكن هناك أي اعتذار رسمي عما حطمته الإمبراطورية ورعيتها. بدلًا عن ذلك، هناك حنين متزايد للإمبراطورية في ظل صعود القومية في بلد يخلف الهند بثلاث مراتب في حجم اقتصاده الآن.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد