«ما حدث في واشنطن يمكن أن يحدث في إسرائيل أيضًا»؛ لأن السياسيين الذين يُرسِّخون أقدام الزعيم الشعبوي، الذي يهاجم أسس الديمقراطية من أجل تحريض الغوغاء على الشغب، موجودون في إسرائيل مثلما هم موجودون في أمريكا». هذا ما خلُصَ إليه تحليل كتبه المراسل العسكري الإسرائيلي رون بن ييشاي في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، تعليقًا على «الهجوم العنيف الذي شنه مناصرون لترامب على الكونجرس الأمريكي يوم الأربعاء الماضي».

يرى بن ييشاي أن هذا الهجوم كان «نتيجة مباشرة للاتحاد بين رئيس شعبوي يعاني من اضطراب شديد في الشخصية وعشرات الآلاف من أتباعه الغاضبين الذين يشاركونه الاعتقاد بأن بلادهم قد سُرِقَت منهم». ما جعل هذا الاتحاد يصل إلى مرحلة الانفجار الشديد – بحسب التحليل – هو: استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وانتشار العبارات التحريضية، والأخبار الكاذبة، ونظريات المؤامرة بسرعة خاطفة.

دولي

منذ 10 شهور
الولايات «غير المتحدة».. 5 صور من اقتحام الكونجرس تحكي لك تاريخ أمريكا وحاضرها

يتابع الصحافي الإسرائيلي: سمحت هذه المنصات للشخص الذي تولّى التحريض (يعني: ترامب) بتعبئة الحشود، مطالبًا إياهم بالتدفق إلى واشنطن، ثم تأجيج غضبهم وتوجيههم – في توقيت مقصود دون أدنى شك – صوب مبنى الكابيتول (المقر الرئيس للسلطة التشريعية الاتحادية)؛ حتى يعرقلوا التصديق على فوز بايدن. لكن هذا الوحش الرقميّ، الذي لا يفرق بين الخير والشر، ولا بين الحقيقة والأكاذيب، انتفض ضد مَن صنعوه، على حد قول بن ييشاي.

قادة الحزب الجمهوري مشاركون في المسؤولية

بخلاف الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب، والبلطجية العنيفين الذين ارتكبوا أعمال الشغب باسمه، يوجه بن ييشاي أصابع اللوم إلى قادة الحزب الجمهوري، الذين كان بإمكانهم قراءة ما يكتبه على «تويتر»، ليعلموا أنه ينفصل عن الواقع. وعلى الرغم من أنهم كانوا يدركون مدى خطورته، فإنهم لم يُحرّكوا ساكنًا لمنعه. 

كثير من هذه القيادات، حتى زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ المنتهية ولايته ميتش ماكونيل، أيدوا علانية مزاعم ترامب الكاذبة، وخلعوا عليه رداءً وهميًا من الشرعية عندما أصر على أن الانتخابات قد سُرِقَت منه. 

Embed from Getty Images

بصنيعهم ذاك ارتكب هؤلاء القادة الجمهوريون أكثر من مجرد تشجيع الرئيس، إذ شجعوا أيضًا أكثر مناصريه تطرفًا. طرق مسامعهم تحريضه على العنف في كل تجمع، لكنهم إما أيدوا مزاعمه أو التزموا الصمت خوفًا من أن يعاقبهم المتعصبون اليمينيون والمتطرفون الإنجيليون في صناديق الاقتراع. 

ما يثير سخرية بن ييشاي في هذا المشهد هو أنهم سمحوا للرئيس الذين يعرفون أنه غير مستقر ذهنيًا، وله سوابق مثيرة للجدل حتى قبل وقت طويل من اندلاع أعمال العنف يوم الأربعاء؛ إذ أنكر وجود جائحة فيروس كورونا المستجد الذي أودى بحياة مئات الآلاف من الأمريكيين. 

يعلِّق الصحافي الإسرائيلي على هذا النهج قائلًا: «لقد عرَّضوا الديمقراطية للخطر؛ لينقذوا أنفسهم». ويتابع قائلًا: «يسمح التعديل الخامس والعشرين من دستور الولايات المتحدة بإقالة الرئيس عندما يصبح غير لائق للاضطلاع بمهام المنصب. لكن زعماء الجمهوريين رفضوا التمسك بهذا التعديل، بينما كان ترامب يشجع أنصاره، وهم يعيثون فسادًا في القاعات والمكاتب وغرف الكونجرس».

سوابق ترامب المثيرة للجدل منذ ترشحه للرئاسة

كتب القائد الأعلى (ترامب) تغريدة على «تويتر» قال فيها: «أنا أعرف ألمك، وأعرف الأذى الذي تعرضت له»، بعدما رفض استدعاء الحرس الوطني لإنهاء أعمال الشغب (واشنطن العاصمة ليست ولاية، وبالتالي فإن معظم أجهزة إنفاذ القانون فيها تخضع لسيطرة الحكومة الاتحادية).

ثم حث ترامب الغوغاء بلطف على «العودة إلى منازلهم، يرافقهم الحب ويصحبهم السلام»؛ بلهجة والدٍ يوبخ طفلًا شقيًا على سلوكه الذي لم يتجاوز الاعتدال إلا قليلًا. هذا هو الرجل نفسه الذي طالب بتعبئة الحرس الوطني لمواجهة المتظاهرين الذين خرجوا في ربوع البلاد احتجاجًا على قتل الشرطة للمواطنين السود، حسب ما جاء في المقال.

Embed from Getty Images

يُذَكِّر بن ييشاي القراء بأن ترامب بدأ في إضفاء الشرعية على عنف اليمينيين منذ بدايات دخوله البيت الأبيض. بل حتى أثناء حملته الانتخابية رفض إدانة المزاعم المجافية للمنطق التي ادعت أن منافسته السياسية هيلاري كلينتون كانت عضوًا في عصابة شاذة تتحرش جنسيًا بالأطفال داخل قبو مطعم بيتزا في العاصمة. وطالب ترامب باعتقال هيلاري لأنها استخدمت حساب بريد إلكتروني غير آمن، وشارك حشدًا من أنصاره حين صرخوا: «احبسوها».

وبعد أن ارتكب اليمينيون المتطرفون والنازيون الجدد أعمال شغب في مدينة شارلوتسفيل بولاية فيرجينيا في عام 2017، أصر ترامب – بعد مقتل متظاهر خرج احتجاجًا على أعمال العنف، وهتاف الغوغاء «لن يحلّ اليهود محلنا» – على وجود «أناس طيبين على كلا الجانبين».

كما رفض ترامب ارتداء الكمامة عندما بدأت جائحة فيروس كورونا تنتشر في جميع أنحاء العالم، ضاربًا عرض الحائط بتأكيد الخبراء الطبيين أن ارتداء الكمامة هو الطريقة الأكثر فعالية لمنع انتشار الفيروس. وبإنكاره وجود المرض، أيد مثيري الشغب الذين ارتكبوا أعمال عنف واقتحموا مقر مكتب حكومة ولاية ميتشجان غضبًا على فرض ارتداء الكمامات هناك. 

ما السر وراء التراخي الأمني؟

في ضوء هذه السوابق يرى بن ييشاي أن اقتحام الكونجرس كان سلوكًا متوقعًا، ويصف السهولة التي اقتحم بها الغوغاء مبنى الكابيتول بأنها غير مقبولة وتستدعي التحقيق وتتطلب تفسيرًا. 

صحيح أن سلطات العاصمة والجهات التي لديها صلاحيات قضائية في الجوار حذرت السكان من الابتعاد عن مناطق الشغب لتجنب العنف، كما اتخذت بعض مباني المكاتب والمتاجر احتياطاتها في وقت مبكر وأغلقت نوافذها وأبوابها، لكن لم يكن هناك ما يكفي من قوات الشرطة لصد حشود الشغب في جادة بنسلفانيا، وفي مبنى كابيتول هيل.

يتساءل بن ييشاي عن السر وراء هذا الغياب الأمني: ألم يكن معقولًا أن تتعرض قاعات الكونجرس، منارة الديمقراطية الأمريكية، للهجوم؟ هل كانت هناك مؤامرة لمنع اتخاذ الإجراءات المناسبة؟ في مقابل هذا التراخي الأمني، يسترجع الصحافي للأذهان صورة قوات الحرس الوطني التي تمركزت أمام نصب لنكولن التذكاري في شهر يونيو (حزيران) تصديًا لاحتجاجات «حياة السود مهمة».

استعدوا للأسوأ.. في إسرائيل أيضًا

يطالب الصحافي الإسرائيلي بمحاسبة المسؤول عن هذا التقصير في أداء الواجب، ويرى أن الأحداث التي تكشّفت توفر دليلًا على أن الأمور حين تكون قابلة للانزلاق إلى ما لا يُحمَد عقباه، فإنها ستنزلق على الأرجح، وبالتالي يتعين على السلطات الاستعداد دائمًا للأسوأ.

ويتابع بن ييشاي: لا ينبغي أن تقتصر الاستفادة من تلك الأحداث التي وقعت أمام أعين العالم بأسره على النظام السياسي الأمريكي؛ ذلك أن السياسيين الشعبويين والجماهير الجامحة منتشرون في أماكن أخرى. وهم أيضًا منتبهون للتغريدات ومقاطع الفيديو التي ينشرها قادتهم.

يختم الصحافي الإسرائيلي تحليله بالقول: «ليس جديدًا على العالم رؤية السياسيين الذين يستغلون القادة الشعبويين لتحقيق مصالحهم، ويسهلون هجومهم على الديمقراطية وأوصيائها. يجب على سياسيينا في إسرائيل أن ينتبهوا. يتعين عليهم إدراك إلى أي مدى يمكن أن يكون المنحدر زلقًا. وأن ما حدث في واشنطن يمكن أن يحدث في إسرائيل أيضًا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد