قال جورج فريدمان في مقال على موقع «جيوبوليتيكال كالتشرز» إنه بسبب جائحة كورونا، يجرى عقد المؤتمرات عبر منصات مثل «Zoom» و«Webex». ويشير إلى أنه حضر الكثير منها في الأشهر السابقة. وفي تلك المؤتمرات، أثير سؤال واحد بشكل متكرر، خاصة في المؤتمرات الأوروبية: ماذا حدث للقيادة الأمريكية؟ يتبعه عادة سؤال آخر حول ما إذا كانت أمريكا ستعود إلى الانعزالية. لكنه يؤكد أنه لا يفهم بالضبط ماذا تعني القيادة عندما يكون هناك القليل من الأتباع. ويشعر بالحيرة من فكرة العودة إلى الانعزالية.

إن ما يثير حيرته هو أن الولايات المتحدة لم تعزل نفسها قط. صحيح أنه في فترة ما بين الحربين العالميتين، حاولت الولايات المتحدة تجنب خوض الحرب في أوروبا مرة أخرى. لكنها انخرطت في الحرب العالمية الأولى لمنع النصر الألماني. رأت واشنطن أن هذه هي الحرب الأخيرة، في حين تصرف الأوروبيون كما لو كانت هدنة. لم ترغب الولايات المتحدة في الانجرار إلى حمام دم أوروبي آخر، ولم تكن في وضع يسمح لها بإيقاف ما اعتبرته ديناميكية أوروبية لا نهاية لها.

تباين وجهات النظر بين أوروبا وأمريكا

لكن بينما سعت أمريكا إلى الابتعاد عن أوروبا – يوضح فريدمان – كانت منخرطة في آسيا. عارضت غزو اليابان لمنشوريا من خلال توفير قوة عسكرية محدودة للصين، واشتركت مع الفلبين وحافظت على قوة بحرية كبيرة في هاواي. وتصاعدت الإجراءات الاقتصادية العقابية الأمريكية بشدة لدرجة أنها أدت إلى هجوم اليابان على بيرل هاربور. بالنسبة للأوروبيين، فإن الفشل في الانخراط في أوروبا يعد عزلة، والمشاركة الكبيرة في آسيا تعد بلا أهمية. لم تكن الولايات المتحدة منخرطة في أوروبا لأنها اعتقدت أنه لن يكون لها تأثير يذكر هناك، وأن توسيع نفوذها سيكون محفوفًا بالمخاطر. ولم ترغب في تكرار الحرب العالمية الأولى، لكنها انخرطت في الحرب العالمية الثانية بإعلان هتلر الحرب على الولايات المتحدة بعد بيرل هاربور.

ليس من الواضح ما الذي كانت ستفعله الولايات المتحدة لولا ذلك، لكن الرغبة في عدم الوقوع في حمام دم أوروبي آخر لم تكن غير عقلانية أو غير مسؤولة.

بمجرد إعلان هتلر الحرب – يشدد فريدمان – تولت الولايات المتحدة القيادة . كانت الصناعة الأمريكية لا غنى عنها لبريطانيا والاتحاد السوفيتي، وسرعان ما قزمت القوات الأمريكية البريطانيين في أوروبا. أُجبرت واشنطن على خوض حرب المحيط الهادئ ضد اليابان والحرب في الأطلسي ضد هتلر، ولم يكن الأمر اختياريًّا. وقد أصبحت قائدة في مسرحي الحربين بسبب قوتها.

قصف بيرل هاربور

بعد الحرب العالمية الثانية، أصبح واضحًا لواشنطن أنه بدون وجودها في أوروبا، سيسيطر الاتحاد السوفيتي على القارة؛ وبذلك يهدد سيطرة الولايات المتحدة على المحيط الأطلسي. لذلك بقيت الأخيرة في أوروبا، وأرسلت القوات، ونظمت الاقتصاد، وأعادت تأهيل ألمانيا، وما إلى ذلك. والأهم من ذلك، أن القوات الأمريكية والتهديد الذي تمثله الأسلحة النووية خلقا ما اتضح أنه تفاهم حكيم وإن كان غير مستقر بين الولايات المتحدة وأوروبا. فرضت أمريكا الوحدة على المنكوبين جزءًا من هذه الاستراتيجية.

طوال الوقت، كانت الولايات المتحدة منخرطة بشكل مكثف في المحيط الهادئ؛ حيث خاضت حروبًا كبرى في كوريا وفيتنام أسفرت عن مقتل ما يقرب من 100 ألف أمريكي. كانت هذه فترة فريدة في تاريخ الولايات المتحدة عدها الحلفاء بمثابة الوضع الطبيعي الجديد. لكن أمريكا كانت متورطة في مواجهة تحالف من الدول الشيوعية. ومن خلال إنشاء تحالف مضاد، تحملت عبئًا اقتصاديًّا كبيرًا وتكبدت مخاطر عسكرية كبيرة. الميزة الوحيدة كانت دفاعية – وهي منع وقوع أوروبا وآسيا تحت سيطرة قوة منافسة. خلاف ذلك، كان هناك القليل من الفائدة.

أدى انهيار الاتحاد السوفيتي وتطور الصين بعد وفاة ماو تسي تونج إلى تغيير الواقع العالمي بشكل كبير – ينوه فريدمان – وقع الأوروبيون على معاهدة ماستريخت، والتي لم تكن تهم الولايات المتحدة بشكل خاص، على الرغم من تأثيرها الضئيل في المفاوضات. أصبحت أوروبا الآن حرة في اتخاذ مسارها الخاص. وبالمثل، كانت آسيا (خاصة اليابان) مزدهرة، ومع صعود الصين لم يكن هناك سبب لوجود ضخم هناك.

صعود الصين قلب المعادلة

لم يكن الوجود الأمريكي على طرفي أوراسيا ناتجًا من أي ميزة اقتصادية حقيقية. كان الهدف منه هو جعل المحيطين الأطلسي والهادئ مصدات ضد التهديدات الأوروبية الآسيوية للولايات المتحدة. في التسعينيات، تلاشت هذه التهديدات، وبالتالي كانت هناك حاجة إلى استراتيجية جديدة. ظهرت الاستراتيجية الجديدة ببطء. لم تتخل واشنطن عن أوروبا. ولم يكن هناك أعداء مهمون يمكن التحدث عنهم، وكان الاقتصاد الأوروبي في حالة انتعاش، وتضاءلت الحاجة إلى القيادة الأمريكية. ولكن استمرت مؤسسات مثل الناتو بقدرات عسكرية ضعيفة للغاية في مواجهة تهديد ضعيف للغاية. اعترفت أوروبا بهذا وعدلت سياستها الدفاعية حتى تتمكن من التركيز على الأمور الاقتصادية.

وأصبح الوجود الأمريكي بلا طائل. في العقد الماضي، ركزت الولايات المتحدة على تهديد روسي غير محتمل لأوروبا؛ حيث وضعت قوات أمريكية في بولندا ورومانيا. ولكن مع وجود ناتج محلي إجمالي للاتحاد الأوروبي يساوي تقريبًا الناتج المحلي للولايات المتحدة وعدم وجود تهديد عسكري كبير، تراجع اهتمام واشنطن بأوروبا وتلاشت الحاجة الأوروبية لها.

تطل الولايات المتحدة على محيطين. خلال الحرب العالمية الثانية، كان لكل منهما أهمية. أما خلال الحرب الباردة، تغيرت الأسبقية من حين لآخر. والآن، تكمن مصلحة الولايات المتحدة في احتواء القوة البحرية الصينية من خلال التحكم في المياه الساحلية. ولدى واشنطن تحالف ضخم يفعل ذلك بالضبط. اليابان، وكوريا الجنوبية، وتايوان، وسنغافورة، وأستراليا متحالفون رسميًّا أو ضمنيًّا. لا تشارك إندونيسيا وفيتنام والهند رسميًّا، ولكن لديهم مصالح موازية لمصالح الولايات المتحدة بالنسبة للصين. وهذا يخلق خط احتواء يمتد من ألوشيان إلى مضيق ملقا وإلى المحيط الهندي. كما في الحرب الباردة، بُنيت استراتيجية الولايات المتحدة على قوة أمريكية هائلة.

إنها مصممة لجعل الهجوم الصيني محفوفًا بالمخاطر للغاية بالنسبة لبكين، بينما يجري احتواء الصين بتكلفة مالية عالية ولكن مخاطر عسكرية منخفضة.

إذن الجواب عن سؤال ماذا حدث للقيادة الأمريكية هو أن التاريخ قد مضى إلى الأمام وأوروبا تستطيع أن تقود نفسها بالفعل. يقول فريدمان مهما كانت المخاطر التي تواجهها أوروبا يجب التعامل معها من خلال القيادة الأوروبية، ويمكن لواشنطن التدخل عند الضرورة. تتطلب المصالح أن تركز الولايات المتحدة على المحيط الهادئ، تمامًا كما فعلت منذ ما قبل الحرب العالمية الثانية.

بعبارة أخرى، يجب فرض القيادة الأمريكية حيث يكون ثمة مصلحة كبيرة. وللولايات المتحدة مصلحة شاملة في آسيا. إن التهديد بغزو روسي لأوروبا ضئيل، لكن الولايات المتحدة قدمت التزامات حكيمة في بلدان خط المواجهة.

الولايات المتحدة ليست انعزالية، ولن تكون كذلك، ولن يُسمح لها بالتحكيم في الخلافات الأوروبية. عاش الأوروبيون فترة من التدخل الاقتصادي والعسكري الأمريكي الهائل، وقد انتهت تلك الفترة. يمكن أن تبقى هياكل التحالف في مكانها، ويمكن عقد الاجتماعات مع إصدار بيانات رسمية، لكن التاريخ مضى.

دولي

منذ شهر
«ف. بوليسي»: دولة فساد وحكم الأقلية.. أمريكا قد تتحول إلى بلغاريا إذا فاز ترامب

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد