مقاومة المضادات الحيوية تزداد بسرعة كبيرة؛ مما قد يجعل الجراحات الروتينية مستحيلة عما قريب. لكن العلماء يقاتلون في معركة جديدة ضد الأمراض.

كان أول مضاد حيوي لم يفلح عند استخدامه مع ديبي فورسيث هو تريميثوبريم. في مارس (آذار) 2016 أصيبت ديبي فورسيث – مستشارة الرعاية الصحية الأولية القاطنة في مدينة موربث بمقاطعة نوثرامبرلاند بالمملكة المتحدة – بالتهاب المسالك البولية. التهاب المسالك البولية مرض منتشر، إذ يصاب به ما يزيد على 150 مليون شخص حول العالم سنويًا. لذلك عندما ذهبت ديبي للطبيب العام وصف لها العلاج المعتاد: دورة مدتها ثلاثة أيام من المضادات الحيوية. وبعد بضعة أسابيع أغمي على ديبي وبدأت في النزيف، فذهبت لرؤية الطبيب العام مرة أخرى الذي وصف لها «تريميثوبريم» مجددًا.

أدوية تعمل «سرًا» لصالح البكتيريا الخارقة للمضادات الحيوية!

بعد مرور ثلاثة أيام أخرى ولدى عودة زوج ديبي إلى المنزل فوجئ بزوجته ملقاة على الأريكة وهي ترتعش غير قادرة على طلب المساعدة. هرع بزوجته إلى قسم الطوارئ بالمستشفى حيث استخدموا معها مضاد حيوي آخر هو الجنتاميسين وبدأوا في علاجها من الإنتان، وهو من مضاعفات التهاب المسالك البولية ويمكن أن يؤدي إلى الوفاة إذا لم يُعالج بسرعة، لكن «الجنتاميسين»، لم يأت بفائدة هو الآخر.

أرسل الأطباء عينة من دم ديبي لتخضع للفحوصات، لكن تلك الفحوصات يمكن أن تستغرق أيامًا: إذ يجب أن تُزرع البكتيريا، ثم يتم اختبار العديد من المضادات الحيوية عليها للعثور على العلاج المناسب. وبعد خمسة أيام من دخولها للمستشفى تم تشخيص إصابة ديبي ببكتيريا اي كولاي المقاومة للأدوية المتعددة، وتم إعطاؤها «الإيرتابينيم»، وهو أحد المضادات الحيوية التي يُطلق عليها «الملاذ الأخير». يذكر الكاتب أوليفر والس هذه القصة في مقدمة مقاله الذي نشره على صحيفة «الجارديان».

يكمل أوليفر قائلًا: «إن الإيرتابينيم حقق نجاحًا، لكن الأضرار الناجمة عن إصابة ديبي ظلت قائمة، وأصبحت تعيش في خوف دائم من تكرار الإصابة. بعد ستة أشهر من مرض ديبي أصيبت مرة أخرى بالتهاب المسالك البولية، مما أدى إلى إقامتها في المستشفى مرة أخرى». تقول ديبي: «كان علي أن أتقبل أنني لن أعود كما كنت مُجددًا. قال لي ابنتي وابني أنهما يشعران وكأنهما قد فقدا والدتهما لأنني لم أعد كما كنت». إلا أن ديبي كانت محظوظة؛ فالإنتان يقتل في المملكة المتحدة في الوقت الحالي عددًا أكبر مما يقتله السرطان، وهذا العدد يتزايد، إذ يصاب المزيد من الناس بأمراض مقاومة المضادات الحيوية.

كيف تتطور مقاومة المضادات الحيوية؟

تتطور مقاومة مضادات الميكروبات (AMR)، وهي عملية تقوم فيها البكتيريا (والخمائر والفيروسات) بتطوير آليات دفاعية مقاومة للعقاقير التي نستخدمها لعلاجها، بسرعة كبيرة لدرجة أن الأمم المتحدة وصفتها بأنها «حالة طوارئ صحية عالمية». يصاب ما لا يقل عن مليوني أمريكي سنويًا بأمراض مقاومة للأدوية. ما يُطلق عليها «الميكروبات الفائقة (superbugs)» تنتشر بسرعة، وهذا يرجع جزئيًا إلى أن بعض أنواع البكتيريا قادرة على استعارة جينات المقاومة من الأنواع المجاورة من خلال عملية يُطلق عليها نقل الجينات الأفقي.

في عام 2013 اكتشف باحثون في الصين نوعًا من بكتيريا أي كولاي تحتوي على mcr-1، وهو جين مقاوم للكوليستين، وهو أحد العلاجات التي تعتبر ملاذًا الأخير مع أنه كان حتى وقت قريب يعتبر سامًا جدًا للبشر. وحتى الآن تم اكتشاف أمراض مقاومة للكوليستين في 30 دولة على الأقل.

Embed from Getty Images

يقول كولن غارنر المدير التنفيذي لمؤسسة أبحاث المضادات الحيوية بالمملكة المتحدة: «أصبحت مشكلة مقاومة الأدوية متفشية بالفعل في الهند وباكستان وبنغلاديش والصين ودول أمريكا الجنوبية». وفي مايو (أيار) 2016 تنبأت دراسة لحكومة المملكة المتحدة حول مقاومة مضادات الميكروبات بأنه بحلول عام 2050 سيصل عدد من تقتلهم الأمراض المقاومة للمضادات الحيوية إلى 10 ملايين سنويًا، أي أكثر من جميع أنواع السرطان مجتمعة.

قال دانيل بيرمان رئيس فريق الصحة العالمية في مؤسسة نيستا: «هناك احتمالية كبيرة للوصول إلى مرحلة لا تجدي فيها المضادات الحيوية نفعًا للكثير من الناس». هذا الخطر يصعب تصوره. عالم بلا مضادات حيوية يعني العودة إلى زمن ما قبل زراعة الأعضاء واستبدال مفصل الورك، وعدم القدرة على إجراء العديد من العمليات الجراحية التي تعتبر روتينية في الوقت الحالي. وهذا يعني موت ملايين النساء أثناء الولادة، واستحالة استخدام الكثير من علاجات السرطان بما في ذلك العلاج الكيميائي، وأن يصبح أصغر الجروح تهديدًا للحياة. وكما أخبر بيرمان: «الذين يتابعون هذه القضية عن قرب خائفون للغاية».

يقول كاتب التقرير: إن البكتيريا توجد في كل مكان: في أجسامنا، وفي الهواء، وفي التربة، وتغطي كل الأسطح بأعداد مهولة. تنتج العديد من البكتيريا مركبات المضادات الحيوية، كم بالضبط؟ لا نعرف، ربما كأسلحة في معركة مجهرية للحصول على الموارد بين سلالات مختلفة من البكتيريا مستمرة منذ مليارات السنين. نظرًا لأن البكتيريا تتكاثر سريعًا جدًا فهي قادرة على التطور بسرعة مذهلة. فعند إدخال البكتيريا في تركيز ضعيف لمضاد حيوي تُظهر مقاومة له خلال أيام».

تم توثيق مقاومة البنسلين لأول مرة في عام 1940، أي قبل عام من استخدامه على البشر. (هناك اعتقاد خاطئ بأن البشر يمكن أن يصبحوا مقاومين للمضادات الحيوية. لكن هذا لا يحدث – البكتيريا هي من تصبح مقاومة لها). يقول جارنر: «لم توجد المضادات الحيوية سوى على مدار السبعين أو الثمانين عامًا الماضية. أما الميكروبات فهي موجودة على سطح الكوكب منذ 3 مليارات سنة. لقد طورت جميع أنواع آليات البقاء على قيد الحياة».

كيف بدأ استخدام المضادات الحيوية؟

المشكلة الأخرى هي أن المضادات الحيوية موجودة اليوم في كل مكان. واحد من كل ثلاثة منا يوصف له دورة مضادات حيوية كل عام، ووفقًا لهيئة الصحة العامة الإنجليزية فإن نصف هذه الحالات لا داعي لها. على مدى عقود من الزمان قام كثير من المزارعين بحقن الماشية بالمضادات الحيوية بشكل روتيني للمساعدة في تسمينها ولمنع إصابتها بالأمراض (هذه الممارسة محظورة حاليًا في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وكندا). يقول جيم أونيل الاقتصادي المشارك في الدراسة الحكومية: «لقد سلبت قوة المضادات الحيوية عقول جيلنا. المشكلة أننا نستخدمها في أشياء لا تحتاج لاستخدامها فيها من الأساس».

Embed from Getty Images

في العقود الأولى من استخدام المضادات الحيوية لم تكن المقاومة مشكلة خطيرة، كنا فقط نحتاج للعثور على عقار جديد. بعد أن أحدث البنسلين ثورة في الرعاية الصحية في ساحات المعارك في الحرب العالمية الثانية دخلت صناعة الأدوية في عصر ذهبي من اكتشاف المضادات الحيوية.

جندت الشركات المستكشفين والمبشرين والمسافرين من جميع أنحاء العالم لإحضار عينات من التربة للبحث عن مركبات جديدة. تم اكتشاف الستربتوميسين في حقل في نيوجرسي، وتم اكتشاف الفانكوميسين في أدغال بورنيو، بينما تم اكتشاف السيفالوسبورين من منفذ للصرف الصحي في سردينيا.

لكن ذلك العصر الذهبي كان قصير العمر، حيث تباطأت الاكتشافات الجديدة. مركبات المضادات الحيوية منتشرة في الطبيعة، لكن المركبات التي يمكن أن تقتل البكتيريا دون الإضرار بالبشر ليست منتشرة. وبعد فترة قليلة بدأت شركات الأدوية الكبرى في قطع التمويل عن إدارات أبحاث المضادات الحيوية قبل إغلاقها تمامًا.

اكتشافات واعدة

يقول تيم جينكس رئيس برنامج الأمراض المقاومة للأدوية في صندوق ويلكم الخيري: «الحقيقة هي أننا لا نملك استثمارات كافية من القطاع الخاص لدعم الأبحاث الجديدة والتطوير». المشكلة تكمن في الاقتصاد البسيط: من الناحية المثالية يجب أن تكون المضادات الحيوية رخيصة، لكنها تستخدم أيضًا بأقل قدر ممكن.

وهذا ليس شيئًا جيدًا من الناحية التجارية. وبالنظر إلى أن مقاومة المضادات الحيوية يمكن أن تظهر في فترة قصيرة تصل إلى عام واحد بعد اكتشاف فئة جديدة فإن أي مضاد حيوي جديد قد يتراوح عمره الافتراضي الفعال بين 10-15 عامًا، وهو ما يكفي بالكاد لسداد تكاليف سنوات التطوير. ويضيف جينيس: «وهذا غير مجدي من ناحية الأرقام».

Embed from Getty Images

لكن ما زال هناك أمل. ففي أوائل عام 2015 أعلن باحثون من جامعة نورث إيسترن في ولاية ماساتشوستس الأمريكية أنهم اكتشفوا فئة جديدة من المضادات الحيوية في حقل بولاية مين. هذه الفئة يُطلق عليها التيكسوباكتين، وتُنتج من قبل بكتريا تم اكتشافها حديثًا يُطلق عليها اسم إليفثيريا تيرا (Eleftheria terrae)، وهي فعالة ضد مجموعة من الأمراض المقاومة للأدوية. تم اكتشاف التيكسوباكتين بواسطة سلافا ابشتاين وكيم لويس باستخدام شريحة العزل (iChip)، وهي عبارة عن جهاز مبتكر في حجم شرائح USB مصمم للتغلب على مشكلة واجهت علماء الأحياء منذ عقود: حوالي 1% فقط من بين المليارات التي لا حصر لها من أنواع البكتيريا الموجودة في الطبيعة تنمو في طبق بتري.

يقول لويس: «لقد توصلنا إلى أداة بسيطة. يتم أخذ البكتيريا من التربة وحشوها بين شرحتين من الأغشية شبه المنفذة وخداع البكتيريا بشكل رئيسي». تمكن الاثنان حتى الآن من تحديد 80 ألف نوع من السلالات التي لم يكن يمكن زراعتها سابقًا باستخدام الجهاز، وعزلوا العديد من المضادات الحيوية الجديدة المشجعة.

يعتبر التيكسوباكتين واعدًا لسبب بسيط على وجه الخصوص: لم تتمكن أي بكتيريا حتى الآن من تطوير مقاومة له. يقول لويس: «عندما نشرنا الورقة البحثية قبل أربع سنوات كتب لي عدد من زملائي رسائل إلكترونية يقولون فيها (أرسل لي التيكسوباكتين وسأرسل لك بكتيريا مقاومة له)، وما زلت أنتظر».

يتذكر إيشوار سينغ – وهو محاضر في كلية الصيدلة بجامعة لينكولن متخصص في تطوير الأدوية الجديدة – لحظة سماعه عن التيكسوباكتين قائلًا: «لقد كان ذلك يوم 7 يناير (كانون الثاني) 2015 على قناة بي بي سي». لقد أذهله ذلك الخبر، ويشرح ذلك قائلًا: «تستهدف معظم المضادات الحيوية البروتينات بينما يستهدف التيكسوباكتين الليبيدات، وهي المادة التي تتكون منها جدران الخلايا. إنه يهاجم بعدة طرق في وقت واحد، مما يجعل مقاومته مستحيلة إلى الآن على الأقل». ويهز سينغ رأسه قائلًا: «لقد بنت الطبيعة هذا الجزيء الجميل».

كم ستستغرق رحلة التيكسوباكتين من المختبرات الى الصيدليات؟

في الوقت الحالي يقود سينغ أحد الفرق المتعددة الموجودة حول العالم لتطوير التيكسوباكتين. التقى الكاتب به في أحد أيام شهر يناير في معمله حيث كان يرتدي نظارات بدون إطار وتبدو على وجهه علامات التفاؤل الشديد. رسم سينغ على أحد مقاعد المختبر البنية الكيميائية للتيكسوباكتين بأقلام متعددة الألوان. كان باحثو ما بعد درجة الدكتوراه يتجولون في المكان يختبرون نقاء العينات. بينما كان أحد طلبة الدكتوراه يحمل قارورة صغيرة تحتوي على مسحوق أبيض ناعم، وقال لي سينغ قائلًا: «هذا هو التيكسوباكتين».

Embed from Getty Images

في البداية كان إنتاج مثل هذه الكمية الضئيلة يمثل تحديًا كبيرًا. ثم في مارس من العام الماضي حقق فريق سينغ إنجازًا كبيرًا: لقد استبدلوا بحمض أميني يصعب إنتاجه بديلًا آخر متاحًا بسعر رخيص. يقول سينغ: «لم يكن هناك ما نخسره، لأن الناس كانوا يقولون إنه لن ينجح من الأساس» لكنه نجح؛ فقد أظهرت الاختبارات أنه فعال في الكثير من الأمراض لدى الفئران. ويقدر سينغ أن البنية الجديدة ستقلل من تكلفة الإنتاج بحوالي 200 ألف مرة.

إلا أنه مازالت هناك سنوات تفصلنا عن اختبار التيكسوباكتين على البشر. وقد يستغرق طرحه في الأسواق عقدًا أو أكثر إذا نجح في العمل من الأساس. هناك أدوية جديدة قادمة إلينا: الزوليفلوداسين المصمم للقضاء على البكتيريا النيسرية البنية المقاومة للأدوية هو الآن في المرحلة الثالثة من التجارب على البشر.

في عام 2016 ولمواجهة الأزمة المتنامية أطلقت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وجمعيات خيرية تضم صندوق ويلكم مبادرة CARB-X لتقديم تمويل بقيمة 500 مليون دولار للمضادات الحيوية الجديدة الواعدة. وبفضل تقنيات مثل التسلسل الجيني السريع والميتاجينومية، التي تبحث عن الأحماض النووية الواعدة في البيئة ثم تستنسخها في بكتيريا الجديدة، تمكن العلماء مؤخرًا من اكتشاف مجموعة كاملة من المركبات الجديدة الواعدة، أحدها تم اكتشافه داخل الأنف البشري.

حلول بديلة وبسيطة

نظرًا لمدى إلحاح المشكلة يتخذ آخرون نُهُجًا أكثر واقعية. أحد أكثر تلك النُهُج تبشيرًا بالنجاح هو أبسطها تقريبًا: إعطاء المرضى أكثر من دواء في الوقت ذاته. يفسر انتوني كوتس أستاذ علم الأحياء الدقيقة الطبي في مستشفى سانت جورج التعليمي في توتينغ بلندن يفسر ذلك قائلًا: «كل ما نستخدمه للأمراض الشائعة هو علاج أحادي». على النقيض من ذلك فإن العلاج المركب – استخدام أكثر من دواء في وقت واحد – هو أمر معتاد في كثير من المجالات الأخرى. «الإيدز هو أحد تلك المجالات والأورام كذلك. فلماذا لا نفعل الأمر ذاته مع البكتيريا الشائعة؟».

Embed from Getty Images

التقى الكاتب بكوتس في منزله في لندن. ويقول ان لديه أسلوب هادئ ورشيد مما يجعل شعوره بالقلق أكثر إثارة للانزعاج والقلق. يقول كوتس: «مقاومة مضادات الميكروبات كارثة. نحن نرى هذا التدهور يحدث بشكل أسرع بكثير مما كنت أتخيل».

تخصص كوتس هو ما يسمى قواطع مقاومة المضادات الحيوية – وهي مركبات يمكن عند استخدامها معًا أن تجعل البكتيريا المقاومة للأدوية تستجيب للمضادات الحيوية مرة أخرى. في عام 2002 أطلق كوتس شركة Helperby Therapeutics لتطوير الأدوية المركبة، والعديد من هذه الأدوية في مرحلة التجارب السريرية حاليًا. يقول كوتس: «نحن نبحث في آلاف التركيبات». وحتى وقت قريب كان العمل بطيئًا وشاقًا ويتم يدويًا، لكن نظرًا للتقدم في مجال الروبوتات والذكاء الصناعي يمكننا الآن جعل جزء كبير من العمل يتم بشكل آلي؛ مما سمح لنا بإعداد تركيبات أكثر تعقيدًا.

السبب الدقيق لعمل العلاجات المركبة لا يتضح دائمًا. يقول كوتس: «في حالة استخدام دواءين يمكن تشبيه الأمر بما يلي: لديك ميكروب تقوم بإحداث ثقوب فيه عن طريق أحد المضادين الحيويين، وهذا يسمح للمضاد الحيوي التالي بالدخول فيها. عندما تستخدم ثلاثة مضادات حيوية معًا فإن الأمر يصبح أكثر تعقيدًا، وعند إضافة رابع وخامس يصبح الأمر معقدًا للغاية». لكن كيفية عمل التركيبات ليس مهمًا بقدر أهمية أنها تعمل من الأساس.

الأدوية الجديدة بمفردها لن تحل مشكلة المقاومة. يقول أونيل: «نعم من المهم الحصول على أدوية جديدة، لكن هذا يساعد على حل المشكلة لجيل آخر». ما حقق النجاح في السيطرة على وباء العنقوديات الذهبية المقاومة للمثيسلين (MRSA) لم يكن دواءً، وإنما تحسين النظافة في المستشفيات من خلال غسل اليدين. ويضيف أونيل: «إذا قيل لي إنه يمكنني اختيار شيء واحد فإنني سأختار أساليب تشخيص حديثة ومتطورة لتقليل الاستخدام الخاطئ للمضادات الحيوية».

الأبحاث العلمية في مجال المضادات.. ضرورة في ظل حالة طوارئ

يعتبر تشخيص ما إذا كان المرض ناجم عن بكتيريا أو فيروسات أحد أكثر المهام التي يواجهها الأطباء، لكنه أمر صعب للغاية، فالأعراض تتداخل إلى حد كبير. تقول كاساندر كيلي سيرينو مديرة التهديدات الجديدة في مؤسسة Innovative New Diagnostics التي تتخذ من جنيف مقرًا لها تقول: «إن أنواع الاختبارات التشخيصية التي يستخدمها الأطباء في العادة معقدة وتستغرق وقتًا طويلًا.

معظم الأشخاص يميلون إلى جانب الحذر ويصفون المضادات الحيوية للمرضى حتى إذا كان المريض مصابًا بفيروس بالفعل». في مواجهة المرضى اللحوحين الساعين للشعور بتحسن غالبًا ما يكون من الأسهل (والأرخص) أن يصف الطبيب للمريض دورة من البنسلين، سواءً كان ذلك ضروريًا أم لا.

Embed from Getty Images

في عام 2014 وفي محاولة لتطوير أساليب تشخيصية جديدة سهلة الاستخدام أطلقت حكومة المملكة المتحدة جائزة باسم لونجتيود (Longitude Prize) بقيمة 8 ملايين جنيه استرليني، والتي تتابع في الوقت الحالي 83 فريقًا في 14 دولة. يقول دانييل بيرمان رئيس فريق الحكام: «بعض المشاريع مبتكرة حقًا». هناك فريق أسترالي يستخدم الذكاء الاصطناعي للنظر في أنماط اختبارات الدم للتنبؤ بالإنتان، بينما قام فريق من مدينة بونا الهندية بتطوير أداة اختبار مبتكرة بحجم بطاقة الائتمان أطلقوا عليها USense لاختبار وجود التهابات المسالك البولية.

ويضيف بيرمان: «كل ما عليك أن تضع عينة من البول في الأداة وستخبرك أي المضادات الحيوية الأربعة سيكون فعالًا». تستغرق النتائج 60 دقيقة فقط. وإذا حققت هذه الأداة النجاح فإن استخدامها من شأنه أن يمنع حدوث حالات مثل حالة ديبي فورسيث، حيث يمكن أن يؤدي التشخيص السريع إلى منع الإنتان.

تتطلب مواجهة مقاومة المضادات الحيوية بذل مثل هذه الجهود الدولية. حوالي 90% من الوفيات المتوقع حدوثها نتيجة لمقاومة المضادات الحيوية ستحدث في إفريقيا وآسيا في الدول التي تُستخدم المضادات الحيوية فيه بإفراط وتظهر فيها أعلى مستويات من الأمراض المقاومة للأدوية. عندما نُشرت دراسة مقاومة مضادات الميكروبات في عام 2016 كان أونيل متحمسًا بسبب الاستجابة الدولية. لكن منذ ذلك الحين فإن قضايا مثل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وإدارة ترامب أزاحت هذه القضية من الأجندة الإخبارية. وعلى الرغم من الخطاب الحماسي تستمر شركات الأدوية في نفس طريقها.

ويختتم أونيل حديثه قائلًا: «أعتقد أحيانًا أن كبار المديرين التنفيذيين لشركات الأدوية يقولون لأنفسهم (لننتظر حتى تصبح هناك أزمة حقيقية)».

أدوية نستخدمها ببساطة دون معرفة خطورتها

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد