نشر موقع كلية فيتربي للهندسة بجامعة كاليفورنيا الجنوبية حوارًا أجراه الكاتب بين باول مع مجموعةٍ من الباحثين المتخصصين، ليسألهم عن مستقبل المياه في شمال أفريقيا والمنطقة العربية، من بينهم المهندس المصري عصام حجي.

أوضح باول أنَّ حجي، الباحث في مركز «مينج هسيه» للهندسة الكهربائية والحوسبية، التابع لجامعة كاليفورنيا الجنوبية قال في بداية الحوار: «في العقود القادمة، سيكون جزء كبير من المنطقة العربية وشمال أفريقيا قد استنزف بالكامل مستودعاته للمياه العذبة. لو حدث هذا، سيختفي كل مخزون المياه الاحتياطي الذي تحتاجه المنطقة للدعم أثناء الجفاف».

عصام حجي في صحراء شبه الجزيرة العربية أثناء تحليل بيانات الأقمار الصناعية عن المياه الجوفية

المصدر

يتابع باول أنَّ بقية حواره عن الثقافة المائية مع حجي كان أحد أكثر اللقاءات التي عاشها حماسةً. واختار كلمة «الثقافية المائية» بدلًا من «الحفاظ على المياه» لأن حجي مهتم بجعل علوم المياه منطقة ملهمة للبحث والطلاب والداعمين الماليين تمامًا مثلما تلهمهم أبحاث السرطان.

يتفهم حجي المعضلة التي هو بصددها، لأنَّه وفقًا لباول يتعامل الناس مع السرطان على مستوى شخصي، بينما لا يمكن أن يتسبب استهلاك كميةٍ كبيرة من المياه أثناء الاستحمام في موت أي شخص.

عصام حجي عضو في فريق مركز «أريد لأبحاث المياه والمناخ» التابع لكلية فيتربي للهندسة بجامعة جنوب كاليفورنيا، والذي تديره الأكاديمية ماهتا موجادام، أستاذة الهندسة الكهربية في مركز «مينج هسيه». مهمة المركز هي تصميم أدوات لفهم مسألة ندرة المياه والحد منها. وتعاون حجي مع مختبر الدفع النفاث «Jet Propulsion Laboratory» ووكالة ناسا لتتبُّع المياه باستخدام تكنولوجيا أقمار صناعية متطورة، وبصفته عالمًا في الكواكب، كان عضوًا في عددٍ من المهمات لاكتشاف المياه في النظام الشمسي وإعادة تطبيق هذه المعرفة على الأرض.

قال حجي في مقابلته مع باول إنَّه يفكر في كوكب الزهرة باعتباره كوكب الأرض في بداية حياته، وفي كوكب المريخ باعتباره كوكب الأرض في المستقبل. وأنَّ كل جسم من هذه الكواكب يمثل مرحلةً في تاريخ كوكبنا، وفهم الطريقة التي تتطور بها المياه عليها يمكن أن يعلمنا الكثير عن تطورها على الأرض.

ويتابع وصفه للمسألة ببلاغة إذ يقول إنَّ «المياه مثل اللغة» لا تتحدثها بمفردك، بل مع الآخرين. وبتفحصنا للكواكب الأخرى، نتحدث لغة المياه مع نظامنا الشمسي. لكنَّ حجي هذه الأيام لا يتحدث لغة المياه، بل يصرخ بها جهرًا حسبما عبَّر باول عن الأمر، ولا يرى الكاتب أنَّه يمكن لأحد لومه في إلحاحه.

«الجارديان»: 800 مليون شخص يسافرون 30 دقيقة يوميًّا للحصول على المياه!

يجيء إلحاح حجي من تجربة معقدة تشغله، يعبر عنها متسائًلا بيأس: «ماذا يحدث لو نفد الماء من مصر؟ البلد الذي يزيد عدد سكانه عن 100 مليون نسمة وبه نسبة مرتفعة من الأمية». هذا قد يحدث في المستقبل القريب بحسب الباحث، وأثره على توفر الطعام وأسعاره والظروف البيئية والصحية يمكن أن يكون كارثيًا. إذا كنتَ تظن أنَّ مشكلة اللاجئين الحالية زعزعت استقرار العالم، فهذا لا يُقارن بما قد يحدث حين تختفي المياه الجوفية القابلة للاستغلال، إذ سيتحول الجفاف من مجرد أزمة إلى حالة حرجة. وعامان فقط من الجفاف في دولة عاجزة عن الوصول للماء هو تهديد حقيقي للحياة، وفي هذه الحالة، وفقًا لحجي، سيلجأ الناس للنزوح أو القتال للبقاء.

نُشِرَ بحث حجي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، في العدد الثالث والخمسين من دورية Global Environmental Change. تضمنت الورقة تحليلاتٍ عميقة عن توقع عجز ميزانية المياه والآثار الاجتماعية والاقتصادية لعجزٍ مماثل في السنوات الثلاثة القادمة.

ووفقًا لاكتشافات البحث، الدول الثلاث المعرضة للخطر الأكبر هي مصر واليمن وليبيا، ولا يمكن للدول الثلاث تحمل الآثار الاقتصادية لنقص المياه المحتوم.

وبالنسبة للمنطقة العربية بالتحديد، يتوقع حجي استنفاد معظم الطبقات المائية المستغلة بحلول عام 2050، وانتهاء كل المياه الجوفية التي يمكن الوصول إليها في مدة من 60 إلى 90 عامًا. لكنَّ الآثار السيئة لهذا وفقًا لباول لا تقتصر على هذه الدول الثلاث، ولا يمكن تصور الأثر الضار على الدول المجاورة التي تعاني بالفعل من تقلباتٍ أخرى، ولا على المجتمع العالمي.

حجي (يمين الصورة) مع فريقه ومعداتهم في صحراء شبه الجزيرة العربية

المصدر

ورغم هذه التوقعات الجادة، لا يتحمس الناس حين يتعلق الأمر بالمياه في صحاري الأرض. وفي العام الماضي، اكتشف رجال الفضاء بحيرة عرضها 12 ميلًا من المياه السائلة تحت سطح المريخ. وكذلك يعتقد الباحثون في وجود أكبر محيط مائي ممكن تحت سطح قمر يوروبا التابع لكوكب المشترى، ولا يعيش أي شخص حتى الآن على سطح أيٍ منهما.

وعدم الاهتمام هذا بمشكلة المياه على الأرض هو ما يحاول حجي تغييره.

الجانب الجيد في هذه المشكلة في رأيه هو أنَّها من صنع البشر، فمشكلة انخفاض منسوب المياه في أفريقيا والمنطقة العربية ليست نتيجة التغير المناخي، بل إساءة استخدام البشر للمياه. وحل هذا في رأيه، وفقًا لحواره مع باول، هو الاستثمار في العامل البشري، وهذا لا يجب أن يتم فقط عن طريق البرامج الخيرية وجهود الإغاثة. بل يعني جعل علوم المياه مجالًا أكثر إثارة واحترامًا، وتوفير المزيد من التمويل للمشروعات الخاصة به.

«الإندبندنت»: كيف تحصل على مصادر للمياه في الصحراء؟

ويضيف باول أنَّ حجي يؤمن بأنَّ التغييرات يجب أن تبدأ من المجتمع العلمي، وأنَّ كلية فيتربي هي أفضل مؤسسة لتعليم الطلاب كيفية استخدام الهندسة لحل مشاكل المجتمع، ويُصادف أنها أكبر مؤسسة بحثية توجد في منطقة تعاني من شح المياه.

هذه التحديات المتعلقة بالمياه يمكن أن تصل في يومٍ ما إلى جنوب كاليفورنيا، ويعرف حجي بصفته مصريًا الدور الهام والمباشر الذي تلعبه مصادر المياه في الصراعات، ويقول عن ذلك في ختام الحوار: «لو توقفنا عن النزاع وبدأنا في بناء مجتمعات سلمية، يجب أن تكون علوم المياه جزءًا في أساس هذا البناء».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد