تناول الكاتب روبرت فيسك في مقال له في صحيفة الإندبندنت بالسخرية الأنباء المتداولة عن اعتزام الغرب توجيه ضربة عسكرية إلى النظام السوري عقابًا له على استخدامه السلاح الكيماوي في دوما، واصفًا تلك التحركات بـ«النفاق».

وقال فيسك إنه بينما ينوح الغرب على ضحايا الهجوم الكيماوي في دوما، فلم يطرف له جفن عندما ارتكب صدام حسين – الرئيس العراقي الراحل – مجازر مشابهة راح ضحيتها الآلاف خلال الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988.

وأوضح فيسك أنه سيتجاهل ما غرد به الرئيس الأمريكي في محاولة منه لصرف الأنظار عن تحقيقات مولر حول تدخل روسيا في الانتخابات الأمريكية، وعن فضائحه الجنسية وعلاقته المتوترة مع زوجته ميلانيا. واجتماعاته المتكررة مع الجنرالات لبحث الملف السوري.

كما سيتجاهل فيسك تصرفات تيريزا ماي، رئيسة وزراء بريطانيا، التي تعاني من أزمة بسبب استفتاء البريكست، لتجد نفسها في قلب أزمة محاولة اغتيال عميل الاستخبارات الروسي، ثم يأتي هجوم دوما ليزيد متاعبها. بل وحتى ترامب تجاهلها وتواصل مع الرئيس الفرنسي ماكرون بدلًا منها.

ماكرون الذي امتطى جواده وأعلن وقوفه بجانب السعودية في مواجهة «التمدد» الإيراني – يشير فيسك – وهذا بطبيعة الحال في مقابل صفقات أسلحة مع المملكة. لكنه من المؤسف أن يسير الرئيس الشاب على خطى نابليون ويشعل الحروب عوضًا عن العمل على إنهائها.

والآن يثرثر المسؤولون الغربيون بشأن الحاجة إلى عدم «تطبيع» استخدام السلاح الكيماوي، الذي سيعيد إلى الأذهان فظائع الحرب العالمية الأولى. لكن هذا لا يعفي بشار الأسد من المسئولية – يشدد فيسك. فبعد أن رأى بنفسه حجم التغلغل الروسي في سوريا، فإنه يظن أن بوتين قد نفد صبره وأنه أراد إبادة المقاتلين في دوما بدلًا من خوض المزيد من القتال لأسابيع طويلة.

لكن مشكلة الأسلحة الكيماوية هي أنه يصعب إيجاد دليل على استخدامها – يستدرك فيسك. فعندما وقع الهجوم الكيماوي الأول في دمشق، زعم الروس أنه غاز ذخيرة مصنع في الاتحاد السوفييتي ولكن كان مرسلًا إلى ليبيا وليس سوريا.

«لكنني سأتحدث عن حرب مختلفة اليوم» – يقول فيسك – وهي الحرب الإيرانية العراقية بين 1980 و1988، عندما غزا صدام حسين إيران. ثم طرده الإيرانيون واقتحموا العراق بعد ذلك بسنوات. وقتها استخدم صدام الغاز على آلاف الجنود والمدنيين الإيرانيين. المضحك في الأمر هو أن العالم نسي ما حدث.

أثناء تركيز العالم على ما يحدث في سوريا، فلا يتذكر أحد القصف بالكيماوي الذي تعرضت له إيران – وهي واحدة من أعداء الغرب الحاليين بالطبع، وقد يكون ذلك بسبب افتقار العالم إلى الذاكرة الرسمية.

ولعله يكون بسبب إضفاء الطابع المؤسسي على الحرب الكيميائية – يوضح فيسك – فقد استخدم صدام – الذي كان آنذاك حليفًا للغرب ولجميع الدول السنية الخليجية – السلاح الكيماوي دون رادع. وقد تحدثت الإذاعة العراقية عن آلاف الجنود الإيرانيين الذين قُتلوا بعد عبورهم الحدود. معلنة أن «الحشرات الفارسية» عبرت الحدود. وهكذا جرى التعامل معهم.

كانت الولايات المتحدة هي مصدر السلاح الكيماوي العراقي – يكشف فيسك – بل وقام أفراد من الجيش الأمريكي في وقت لاحق بزيارة جبهة القتال دون إبداء أي تعليقات حول المواد الكيميائية التي بيعت للنظام العراقي «لأغراض زراعية».

أهوال الحرب تعصف بالأطفال في دوما

ومع ذلك، لا يأتي أحد اليوم على سيرة هذه الحرب الرهيبة، التي كانت مستعرة بمآزرة غربية. بل وبات من النادر للغاية ذكر الصراع على الإطلاق. كان هذا هو «التطبيع» الحقيقي، وقد حدث برضى الغرب. كانت حربًا دينية في الواقع، لأنها كانت أول معركة كبيرة بين السنة والشيعة. لكنها كانت حقيقية.

ومن بين آلاف الإيرانيين الذين اختنقوا، أُرسل عدد قليل منهم إلى المستشفيات البريطانية لتلقي العلاج. يقول فيسك إنه سافر مع آخرين على متن قطار عسكري عبر الصحراء إلى طهران، فشاهد المقصورات المليئة بالشباب البائسين الذين سعلوا المخاط والدم بينما كانوا يقرؤون المصاحف. كانت لديهم بثور على جلودهم بدت مروعة. كتب فيسك حينها سلسلة من المقالات عن هذه الجريمة لصحيفة التايمز. لكن وزارة الخارجية أخبرت المحررين لاحقًا أن مقالاته «غير مفيدة».

لكن الحال يختلف اليوم. ففي الثمانينيات، كان الأخيار هم من يستخدمون المواد الكيميائية. كلنا نتذكر أكراد حلبجة الذين قُتلوا بالغاز من قبل صدام، وكيف أمرت المخابرات الأمريكية ضباطها بالادعاء أن من استخدمه هم الإيرانيون. كان يجب محاكمة «الحيوان» صدام على جريمة حلبجة – يؤكد فيسك – ولكنه أُعدم لمجزرة أصغر بأسلحة تقليدية. ويعتقد فيسك أن الغرب أراد طمس مشاركته في الجريمة قبل أن تقام محاكمة علنية. تعقد ماي جلسة لحكومة حرب كما لو كانت خسائر الغرب مشابهة لما حدث في معركة السوم في الحرب العالمية الأولى، أو وكأن قاذفات دورنيرز تنطلق من فرنسا المحتلة كي تدك لندن في عام 1940.

ما الذي تفعله رئيسة الوزراء العابثة؟ يتساءل فيسك. لا بد أن المحافظين الأقدم والأكثر حكمة قد رصدوا هذا الهراء، ويريدون مناقشة الأمر في البرلمان. إذ كيف لماي أن تجاري الرئيس الذي يعرف العالم أنه مجنون ومضطرب ومع ذلك تؤخذ تغريداته الصبيانية – حول الصواريخ «الجميلة والجديدة والذكية» – على محمل الجد في الولايات المتحدة؟ ربما ينبغي على العالم القلق بشأن ما سيحدث إذا ما انسحب من الصفقة النووية الإيرانية.

هذه لحظة سيئة للغاية في تاريخ الشرق الأوسط، وكما هو معتاد، فإن الفلسطينيين هم الذين سيعانون، إذ سينسى العالم مأساتهم وسط هذا الجنون. ستندلع الحرب إذًا، ولكن هل جرى وضع خطة محددة؟ وماذا لو سقط الغرب في مستنقع عميق؟

يرد فيسك في الختام ساخرًا: «أعتقد أن روسيا ستهب لإنقاذنا، تمامًا كما فعلت مع أوباما عندما تم استخدام الغاز لأول مرة في الحرب السورية».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد