في ظل تكرار اندلاع الاشتباكات بين الفصائل في قطاع غزة وجيش الاحتلال الإسرائيلي، واحتجاجات «مسيرات العودة» التي يشارك بها سكان القطاع منذ أشهر، تساءل الكاتب الإسرائيلي رفيف دروكر في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية عن الكيفية التي كان سيتغير بها الوضع في غزة لو لم تمنع إسرائيل بناء ميناء في المياه العميقة لغزة، وبناء مطار في القطاع، وحتى بناء منُشأة لتحلية المياه حتى يتمكن سكان غزة من شرب المياه من مصدرٍ آمِن.

كميل أبو ركن.. «المنسق» الدرزي الذي يجمل وجه إسرائيل ويقتل مرضى غزة؟

أشار دروكر أيضًا ضمن تساؤلاته إلى حقل الغاز الطبيعي قُبالة ساحل قطاع غزة، والسبب الذي يجعل إسرائيل تمنع القطاع من تطويره. وأوضح أنَّه في عام 2000، نقل رئيس الحكومة وقتذاك إيهود باراك حقوق هذه الاحتياطيات إلى السلطة الفلسطينية. وبعد ذلك اندلعت الانتفاضة الثانية.

لكنَّ أرييل شارون، خليفة باراك، عارض أي تطويرٍ للغاز الفلسطيني. وزعم أنَّ أموال الغاز ستتدفق لدعم «الإرهاب»، وأنَّه من الأفضل استيراد الغاز من مصر. أما شركة «بريتيش غاز» البريطانية، التي حظيت بمناقصة تطوير حقول الغاز الفلسطينية، أصابها اليأس حتى انتهت مدة ترخيص الاستكشاف خاصتها.

ومنذ ذلك الحين، يستقر ذلك المخزون قُبالة ساحل غزة، رغم أنَّه في رأي دروكر كان يمكنه تغيير حياة القطاع؛ بتوفير كافة احتياجاته من الكهرباء ورفع مستوى المعيشة. لكن لا أحد يتحدّث في هذا الشأن بحسب الكاتب، لأنَّه لا يُمكن تصوّر أنَّ إسرائيل ستسمح بتطوير حقل غازٍ فلسطيني.

وبحسب تقريره، فحتى اليوم، ورغم كل الإحباطات، على الأرجح توجد بالمجتمع الدولي دولٌ وشركات يمكنها تحمل مسؤولية تولّي مشاريع طموحة كهذه، قادرة على تغيير الحياة في غزة. إذ يرى الكاتب الإسرائيلي أنَّ مشاريع بهذا الحجم يمكنها أن توفّر فرص عمل لعشرات الآلاف، لتُخفّض مُعدل البطالة المروّع في غزة، وتبثّ الأمل من جديد في نفوس 1.5 مليون شخص يائِس، فضلًا علن تقليل الاعتماد المباشر على إسرائيل ومصر.

بيد أنَّه يوضح أنَّ مُعارضة أجهزة الأمن والدفاع الإسرائيلية لمثل هذه المشاريع تجعل من المُستحيل أن يتخذ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قرارًا يعارض توصيات تلك الأجهزة (باستثناء قضية شراء الغواصات الشهيرة).

وأضاف الكاتب الإسرائيلي: «بالطبع لا تُعارض كل أجهزة الأمن، لكنَّ رؤساءها لديهم مصلحة دائمًا في معارضة مثل هذه التحرُّكات: فإذا نجحت تلك الخطوات، لن ينالوا الثناء. وإذا فشلت، ستُشكّل لجنة للتحقيق».

بالإضافة إلى ذلك، يشير دروكر إلى تصورٍ ما لدى السلطات الإسرائيلية بأنَّه من الساذج، واليساري، وغير اللائق النظر إلى التنمية الاقتصادية باعتبار أنَّ لها تأثيرًا هامشيًا في تدهور الوضع الأمني في القطاع. فهي ترى أنَّه من الجنون اقتراح أمرٍ كهذا. وتابع: «الجنرالات الذين أوصلونا إلى الوضع السيء الحالي سيشرعون على الفور في توضيح أنَّ الميناء سيُستخدم لتهريب أسلحة قادرة على تغيير قواعد اللعبة، وستُستخدم الطائرات لاستهداف منازلنا، وستذهب عائدات الغاز لتقوية حماس».

Embed from Getty Images

لكنَّه يعود إلى الانتفاضة الثانية، ويشير إلى أنَّ إسرائيل استغرقت وقتًا قليلًا للغاية لشل المطار الفلسطيني في الدهنية في بداية الانتفاضة، بلغ نحو دقيقة ونصف، لذا ففي رأيه لا يوجد ضرر يمكن أن يأتي من محاولة إعادة بنائه، وبأي حال من الأحوال سوف يستغرق الأمر سنوات. لكن ربما تنتج عنه أشياء ذات جدوى، ربما يكون هناك تغيير في المواقف. لن تغير حماس مواقعها بالطبع، لكنَّها ليست لديها مصلحة في مواجهة سكان القطاع وهم يرون بوادر إيجابية تلوح في الأفق.

والأكثر من ذلك، بحسب دروكر، أنَّ هذه المشاريع ستكون وسيلة ممتازة لإعادة السلطة الفلسطينية مُجددًا إلى قطاع غزة بشكلٍ ما. فمن الواضح أنَّه لا شيء يحدث في القطاع بدون حماس، وبافتراض أنَّ إسرائيل ستشترط عدم مشاركة حماس في عملية بناء من هذا القبيل، لذا ستشارك حماس، وكذلك السلطة الفلسطينية.

لكنَّه يشير إلى أنَّ حدود النقاش الإسرائيلي حول غزة يبعث على الإحباط. إذ يشن رئيس الأركان الإسرائيلي السابق بيني غانتس هجومًا من اليمين لما يراه إحجامًا عن ردع القطاع، في ما يهاجم اليمين نتنياهو لعدم اتخاذه قراراتٍ حاسمة. وبين هذا وذاك يبدو موقف رئيس الحكومة الأكثر اعتدالًا وتصالُحًا، لأنَّه تجنّب مِرارًا المواجهة الكاملة.

لكن في الوقت ذاته، لم يفعل نتنياهو أي شيءٍ طوال عقدٍ من الزمن لتغيير التوازن الاستراتيجي بين الإسرائيليين وغزة. وتتراوح مساحته في المناورة بين زيادة كمية البضائع التي تدخل من معبر كرم أبو سالم، وتقليص منطقة الصيد.

وختم دروكر بالقول: «لا يوجد فِكر جديد، والإبداع مُنعدم، فقط نعوِّل على مصر في تحقيق مزيدٍ من الهدوء، وفي حال لم يحدث ذلك سنشن عملية (الجرف الصامد 2) أو (الرصاص المصبوب 3)، أو أي شيء، خشية ألا يُنظر إلينا بوصفنا ساذجين يعتقدون أن الغذاء قد يكون مهمًا».

حصاد مسيرات العودة.. عامٌ من الحدود المشتعلة التي أقضت مضاجع تل أبيب!

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد