يعتقد بعض الخبراء أنه في حالة اندلاع أية حرب، فستشِن كوريا الشمالية هجومًا نوويًّا واسع النطاق بقصد تخويف أعدائها وترويعهم. وحول هذا المسألة نشرت مجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية مقالًا لكايل ميزوكامي، كاتب يغطي شؤون الدفاع والأمن القومي، والذي تساءل فيه عن التداعيات التي يمكن أن تنجم عن قصف كوريا الشمالية لليابان بالقنابل النووية، وحجم الضحايا.

يستهل الكاتب مقاله بالقول: إن الهجوم على مقر وزارة الدفاع اليابانية في منطقة شينجوكو وارد ربما يمثل أخطر هجوم تشنه كوريا الشمالية ضد اليابان؛ إذ سيتسبب أي هجوم نووي تشنه كوريا الشمالية على هذه المنطقة في مقتل 56 ألفًا و400 شخص على الفور، وإصابة 128 ألفًا و310 آخرين، ناهيك على انتشار الغبار الذري المُشع، الذي سيكون أشد تدميرًا، فوق سماء أكثر المناطق اكتظاظًا بالسكان في العاصمة اليابانية طوكيو.

آثار الاحتلال الياباني لكوريا

يشير الكاتب إلى أن سكان طوكيو يبلغ عددهم حوالي 13 مليون و491 نسمة؛ مما يجعلها أكبر مدينة في اليابان دون منازع، وموطنًا لأكثر من 10٪ من سكان البلاد. وتُعد منطقة طوكيو الكبرى (المكونة من تجمُّع محافظات تشيبا وكاناجاوا وسايتاما وطوكيو)، التي يبلغ عدد سكانها 37 مليون نسمة، أكبر منطقة حضرية على كوكب الأرض. كما أنها تقع مباشرةً في مرمى نيران الأسلحة النووية التي تمتلكها كوريا الشمالية. وفي حالة وقوع هجوم نووي، فقد تتعرض طوكيو لدمار هائل لم تشهده منذ الحرب العالمية الثانية.

وقد أصبحت مدينة طوكيو عاصمة اليابان الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر، خلال حقبة استعادة حكم ميجي (حقبة انتقالية من تاريخ اليابان شهدت فيها البلاد تحولات واسعة وامتدت من عام 1868 إلى عام 1912)، في إطار الجهود الواسعة الرامية إلى إضفاء الطابع العصري على البلاد والارتقاء بنظام الحكم والعلوم والتكنولوجيا والجيش في اليابان إلى المستويات الغربية.

ويوضح الكاتب أنه لسوء الحظ، كانت الإمبريالية إحدى تلك القيم المستوردة من الغرب، وخضعت شبه الجزيرة الكورية للحكم الياباني في الفترة الممتدة من عام 1910 حتى عام 1945. وأسفر الاحتلال الياباني لكوريا ومواجهته بحرب عصابات شنَّها الثوار الكوريون إلى ترسيخ العداء العميق ضد اليابان، والذي لم يزل مستمرًا حتى الآن.

Embed from Getty Images

وتستمد القيادة الكورية الشمالية الشرعية بصورة جزئية من الأنشطة الحزبية التي يمارسها الأعضاء المؤسسون للدولة. وكان تحالف اليابان اللاحق مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية سببًا في تفاقم مشاعر الكراهية السيئة ضد اليابان في بيونج يانج (عاصمة كوريا الشمالية).

أهداف كوريا الشمالية من هجومها على اليابان!

وعلى الرغم من هذا التاريخ، كانت اليابان من الناحية العملية مجرد هدف ثانوي لبيونج يانج، وكان العدو الحقيقي هو الولايات المتحدة. وكان كيم إل سونج، مؤسس دولة كوريا الشمالية وجد كيم جونج أون، الرئيس الحالي للبلاد، قد وضع هدفًا لبناء صواريخ بعيدة المدى لقصف اليابان، ولم يكن المقصود ضرب اليابان في حد ذاتها، ولكن الهجوم على القواعد العسكرية الأمريكية هناك، والذي سيمثل عنصرًا أساسيًّا من أجل شن حرب كورية جديدة. وأراد كيم أن يجد طريقة لضرب تلك القواعد العسكرية التي ستُشغِّل ذلك النوع من القوة الجوية الأمريكية الذي من شأنه أن يُسوِّي ببيونج يانج بالأرض أثناء اندلاع أي حرب.

وألمح الكاتب إلى أن معظم القواعد الأمريكية الموجودة في اليابان تقع بالقرب من المناطق الحضرية، نتيجة لافتقار اليابان إلى الأراضي الصالحة للاستخدام. كما أغلقت القوات الجوية الأمريكية قواعد أخرى مثل قاعدة تاتشيكاوا الجوية، التي كانت تقع في الجزء الغربي من طوكيو. ومع ذلك هناك قاعدة واحدة محددة من المحتمل جدًّا أن تضربها الأسلحة النووية الكورية الشمالية، وهي قاعدة يوكوتا الجوية.

ويتابع الكاتب موضحًا أن قاعدة يوكوتا الجوية تستضيف 14 ألف ضابط وجندي أمريكي. وتُعد قاعدة يوكوتا المضيفة لمقر قيادة القوات الأمريكية في اليابان والقوة الجوية الخامسة، وهي أيضًا قاعدة مهمة للعمليات الحيوية الخاصة بالجيش الأمريكي في شرق آسيا والنقل الجوي التكتيكي والإخلاء الطبي. بالإضافة إلى أنها مقر قيادة الدفاع الجوي لقوات الدفاع الذاتي الجوية اليابانية، وشنَّت منها قاذفاتُ سلاح الجو الأمريكي (بي-29) هجماتٍ على أهداف كورية شمالية خلال الحرب الكورية.

وفي حالة نشوب حرب يعتقد بعض الخبراء أن كوريا الشمالية ستشن هجومًا نوويًّا واسع النطاق بقصد تخويف أعدائها وترويعهم، وإثبات عزمها على استخدام ترسانتها النووية وتحذير الأعداء من شن مزيد من الهجمات. ويكاد يكون من المؤكد أن قاعدة يوكوتا، وهي قاعدة أمريكية يابانية مشتركة لها تاريخ في استضافة الهجمات ضد الشعب الكوري الشمالي، ستُصبح هدفًا لهجات كوريا الشمالية تلك.

ما هي تقديرات تأثير الهجوم بالأسلحة النووية؟

وردًا على تساؤل مفاده: ما الذي يمكن أن يحدث إذا قصفت كوريا الشمالية قاعدة يوكوتا بسلاح نووي؟ يجيب الكاتب قائلًا: إنه يمكننا الحصول على بعض الأفكار من خلال استخدام خريطة «نوكي ماب (NUKEMAP)» التفاعلية، وهي وسيلة إلكترونية أنشأها أليكس ويلرشتاين، عالم الأسلحة النووية.

Embed from Getty Images

وسعيًا وراء تحقيق أغراض هذه العملية، نفترض أن كوريا الشمالية قادرة على تركيب رأس نووي وزنه 20 كيلوطن على صاروخ باليستي متوسط ​​المدى، مثل صاروخ بوك كوك سونج-2، وتصويب السلاح بدقة ونقله إلى مدرَّج قاعدة يوكوتا الجوية.

وتوفر خريطة نوكي ماب (NUKEMAP) التفاعلية تخمينات تقريبية لمجموعة متنوعة من تأثيرات الأسلحة النووية، والتي تتضمن التأثيرات الحرارية والضغط الزائد وغيرها من التداعيات، على مسافات مختلفة من موقع الانفجار. وفي حالة قاعدة يوكوتا، نجد أن تقديرات ضحايا قصف سلاح نووي، أقوى بنسبة 25٪ من السلاح الذي استُخدِم في تفجير هيروشيما، متوسطة إلى حد مذهل: مقتل 12 ألفًا و800 شخص على الفور وإصابة 45 ألفًا و460 آخرين. وبينما تبدو هذه التقديرات غير عادية، فإن قاعدة يوكوتا كبيرة نسبيًّا ولا يعيش فيها أو يعمل على خط الطيران سوى عدد قليل جدًّا من الأشخاص. وقد يسقط جزء من الغبار الذري المُشع المتساقط مثل الظل إلى منطقة الشمال الشرقي، عابرًا لمحافظة سايتاما باتجاه محافظة إيباراكي، لكنه بوجه عام لن يسقط في طوكيو الحضرية.

ويشير الكاتب إلى أن هناك أهدافًا أخرى قد تكون في مرمى الهجوم الكوري الشمالي، ومنها قصف الحكومة الوطنية اليابانية نفسها، الواقعة في منطقة كاسوميغاسيكي بطوكيو، والتي قد تسفر عن مقتل 24 ألفًا و290 شخصًا على الفور وإصابة 90 ألفًا و780 آخرين. وسوف تتدفق سحابة من الغبار الذري المُشع مرةً أخرى إلى الشمال الشرقي، ويظل تأثيره فتاكًا وصولًا إلى محطة أساكوسا، وسيتعين إجلاء المدنيين اليابانيين من هذه المنطقة، بل من محافظة إيباراكي والشريط الساحلي.

وقد يكون أخطر هجوم يُشن على اليابان هو ضرب منطقة شينجوكو وارد، التي يوجد فيها مقر وزارة الدفاع اليابانية؛ إذ سيؤدي أي هجوم نووي تشنه كوريا الشمالية على هذه المنطقة إلى مقتل 56 ألفًا و400 شخص على الفور، وإصابة 128 ألفًا و310 آخرين، ناهيك عن انتشار الغبار الذري المُشع المتساقط، الذي سيكون أشد تدميرًا، فوق سماء طوكيو؛ أكثر المناطق اكتظاظًا بالسكان في اليابان.

عوامل تُؤثر في معدلات الضحايا!

يلفت الكاتب إلى أن الأرقام الناتجة عن خريطة نوكي ماب (NUKEMAP) التفاعلية ليست علمًا دقيقًا، لكن الموقع نفسه يحذر من أنه ينبغي النظر إلى هذه التقديرات على أنها «استكشافية وليست حتمية». ومن غير المعروف هل يتضمن مخطط الخريطة «تأثير الحماية» الذي يساعد الأبراج الشاهقة على امتصاص تأثيرات الانفجار، وحماية المباني والأشخاص الموجودين خلفها، وهو عامل ذو أهمية خاص لمدينة مثل طوكيو. وقد يتسبب أي هجوم نووي في وقوع ضحايا أكثر أو أقل من تقديرات خريطة نوكي ماب (NUKEMAP) التفاعلية، ولكن الموقع يقدم لنا على الأقل خطوط أساس موضوعية.

Embed from Getty Images

وهناك عوامل أخرى تنفرد بها مدينة طوكيو يُمكن أن تؤثر على معدلات الضحايا، ومن بينها نظام النقل المشهور عالميًّا في طوكيو الذي يمتد لمئات الأميال من الأنفاق تحت الأرض. ويمكن لهذه الملاجئ، التي تعمل بوصفها مراكز إيواء مخصصة لمثل هذه التداعيات، أن تستوعب أعدادًا كبيرة من الناس، وهو أمر سيؤدي إلى انخفاض معدلات الضحايا انخفاضًا كبيرًا إذا أطلقت التحذيرات الكافية. ومن ناحية أخرى تضمن تضاريس طوكيو المسطحة نسبيًّا وجود مجال رؤية للانفجار من على بعد أميال؛ مما قد يتسبب في إصابة هؤلاء الذين لم يحالفهم الحظ في مشاهدة الهجوم بالعمى وغيرها من الإصابات.

ويضيف الكاتب أن كوريا الشمالية يُمكنها قصف طوكيو بأسلحة نووية متعددة، لكن نظرًا لأن لديها أهدافًا تريد تحقيقها في هذه المرحلة أكثر من مجرد الهجوم بالأسلحة، فإنه من غير المرجح شن هجمات متعددة. كما سيكون على كوريا الشمالية أيضًا التعامل مع الدفاعات اليابانية المتعددة المستويات من الصواريخ الباليستية، مثل صواريخ «ستاندرد ميسايل 3» الاعتراضية التي تعمل وفق نظام إيجيس المضاد للصواريخ المدعوم بنظام باتريوت باك-3. ومع ذلك فإنه في ظل النمو التدريجي لترسانة كوريا الشمالية من الأسلحة التي يمكن نشرها، تزداد أيضًا احتمالية أن تكون عاصمة العدو التاريخي لبيونج يانج الجهة المستقبلة لعدة صواريخ.

ويختتم الكاتب مقاله بالتأكيد على أن الهجوم بالأسلحة النووية الأكبر حجمًا ستؤدي بدورها إلى زيادة معدلات الضحايا كثيرًا: الهجوم بقنبلة وزنها 60 كيلو طن على محطة كاسوميجاسيكي سيؤدي إلى مقتل 56 ألفًا و710، أي ما يقدر بضعفين ونصف لضحايا قنبلة وزنها 20 كيلو طن، بالإضافة إلى إصابة حوالي ربع مليون شخص. وبالتأكيد سيسفر أي هجوم نووي على طوكيو عن مقتل عشرات الآلاف، وإصابة عدد أكبر بإصابات خطيرة، فضلًا عن أنه سيتسبب في إصابة الملايين بمشكلات صحية طويلة الأمد. وفي حين أن التقديرات تبدو مروِّعة، لكنها تُعد بمثابة تذكير بالقوة الهائلة للأسلحة النووية والضرورة المطلقة لعدم استخدامها مرةً أخرى.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد