6,849

هل تصورت يومًا كيف ستكون الحياة بلا إنترنت بعد أن أصبح جزءًا أصيلاً لا غنى عنه من كافة جوانب حياتنا؟ هذا ما تناولته ريتشل نوير بالتحليل في مقال لها على موقع شبكة بي بي سي البريطانية.

تقول ريتشل إن البروفيسور جيف هانكوك من جامعة ستانفورد معتاد على منح واجبات لطلابه في عطلة نهاية الأسبوع تجعلهم يبحثون في الأفكار التي جرت مناقشتها في الفصل. وكان يتحدى طلابه أحيانًا بالابتعاد عن الإنترنت لمدة يومين، ثم يسألهم كيف تأثروا بذلك. حصل جيف على إجازة طويلة، وعندما عاد طلب منهم نفس الطلب.

«انفجرت ثورة في وجهي حين طلبت منهم ترك الإنترنت» يقول هانكوك – الذي يدرس العمليات النفسية والاجتماعية التي تؤثر على التواصل عبر الإنترنت – وأضاف «رفض الطلاب بشكل قاطع وقالوا إن هذا مستحيل»

كانت حجة الطلاب هي أنهم لو انقطعوا عن الإنترنت – ولو لمدة قصيرة – فإنهم سيعجزون عن إنجاز واجباتهم، وسيثيرون قلق أحبائهم عليهم. اضطُر هانكوك لسحب طلبه ولم يحاول مجددًا. يقول هانكوك «كان ذلك في عام 2009، مع بداية ثورة الهواتف الذكية. أما إذا حاولت طلب ذلك الآن، فلربما يبلغون رئيس الجامعة عني».

ولكن بعد أن أصبحت حياتنا مرتبطة بالإنترنت بشدة – يقول التقرير – فماذا سيحدث إذا تعطل الإنترنت يومًا كاملًا؟ ستندهشون لمعرفة الإجابة.

في أواسط التسعينيات، كانت الإنترنت سلعة رفاهية تتركز في يد الغرب، ولم يستخدمه سوى أقل من 1% من سكان العالم. أما اليوم، فقد بات أكثر من نصف سكان الأرض يستخدمون الإنترنت، ويزداد عددهم 10 أشخاص كل ثانية.

أظهر استطلاع للرأي أن خُمس الأمريكيين يستخدمون الإنترنت باستمرار، وأن 73% يستخدمونه بشكل يومي. وفي 2016، أظهرت الأرقام أن 90% من البالغين البريطانيين قد استخدموا الإنترنت في آخر ثلاثة أشهر. فقد أصبحت الإنترنت مكونًا لا غنى عنه في حياة الكثيرين.

يقول وليام دوتون من جامعة ولاية ميتشيجان «إحدى المشكلات هي أن الإنترنت أصبحت أمرًا مسلمًا به بالنسبة للكثيرين، لكنهم لا يدركون كيف أنها اخترقت كل مناحي حياتنا. بل إنهم لا يتصورون عدم وجودها في حياتهم».

ولكن ما لا يدركه الكثيرون – يقول التقرير – هو أن الإنترنت قد يتوقف فترةً من الزمن بسبب هجمات القراصنة، الذين قد يطلقون برامج خبيثة تستهدف ثغرات في أجهزة توجيه الإنترنت Routers. كما يمكنهم مهاجمة مواقع الإنترنت والخوادم، مما سيسبب تعطل الخدمة.

وقد يؤدي انقطاع الكابلات البحرية التي تنقل البيانات عبر القارات المختلفة إلى تعطل شديد في الخدمة. في 2008، عانى سكان الشرق الأوسط وآسيا من بطء شديد في الإنترنت بسبب حوادث انقطاع الكابلات.

كما أن بعض الحكومات تقوم بفصل الخدمة عمدًا، مثلما حدث أثناء انتفاضات الربيع العربي في 2011 لإعاقة المحتجين عن تنسيق مظاهراتهم، ونفس الأمر فعلته إيران وتركيا. وتحجب الصين العديد من المواقع، وحاول بعض أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي تمرير قانون يجيز قطع الإنترنت عند تعرض البلاد لهجوم عبر الإنترنت.

إن قطع الإنترنت ليس بالعمل الهين – يقول التقرير – لا سيما في الدول المتقدمة، وذلك لأن هناك العديد من شبكات الاتصال داخل وخارج حدود أي دولة.

يكمن الخطر الأكبر في الفضاء الخارجي. فلو هبت عاصفة شمسية نحونا فقد تتسبب في تعطل أقمارنا الصناعية وشبكات الطاقة وأنظمة الحاسوب. يقول ديفيد إيجلمان – عالم الأعصاب في جامعة ستانفورد – «ما عجز عنه الإرهابيون قد تنجزه عاصفة شمسية. وهذه العواصف الشمسية قادمة لا محالة».

لكن انقطاع الخدمة لن يدوم طويلًا – يؤكد التقرير. فوفقًا لسكوت بورج – الذي يعمل في وحدة تتبع آثار هجمات الإنترنت الأمريكية، وهي منظمة غير ربحية – فإن هناك جيشًا من الأشخاص المستعدين لتصحيح الأوضاع. يقول سكوت «إن مزودي خدمات الإنترنت لديهم خطط وأفراد جاهزون لإصلاح الأعطال غير المتوقعة». لكن انقطاع الإنترنت سيؤثر بشدة، حتى لو كان ذلك لمدة قصيرة. والعواقب ليست كما نتصور.

في 2008، طلبت وزارة الأمن القومي الأمريكي من بورج البحث في آثار انقطاع الإنترنت. وقد تبين أن الآثار الاقتصادية لن تكون شديدة. كان بورج وزملاؤه قد أجروا تحليلًا للآثار الاقتصادية لانقطاع الكمبيوتر والإنترنت في الولايات المتحدة من عام 2000 وما تلاه. وبالنظر إلى التقارير المالية التي تصدر كل أربعة أشهر من الشركات الـ20 التي ادعت أنها الأكثر تأثرًا في كل حالة، فقد اكتشفوا أن التأثير المالي ضئيل للغاية، وذلك بالنسبة إلى الانقطاعات التي لم تدم أكثر من أربعة أيام.

يقول بورج «زعمت الشركات أنها ستخسر مئات المليارات من الدولارات. لكن الحقيقة هي أن الفنادق وشركات الطيران وشركات الوساطة لم تعانِ كثيرًا».

يشير التقرير إلى أن انقطاع الإنترنت سيتسبب فقط في تأخر الناس عن إنجاز أعمالهم. وأن الاقتصاد قادر على التعامل مع العطلات الطارئة.

وما يثير الدهشة هو أنه قد تبين أن انقطاع الإنترنت قد يرفع من مستوى الإنتاج في بعض الأحيان. قام بورج وزملاؤه بدراسة أخرى لمعرفة ما سيحدث لشركة ما إذا انقطع الإنترنت أربع ساعات أو أكثر. فبدلًا من طقطقة الأصابع، اتجه الموظفون إلى الأعمال التي كانوا سينجزونها في المعتاد، مثل الأعمال الورقية. وجاءت النتيجة مفاجئة، حيث ازدادت إنتاجية العاملين. يقول بورج «اقترحنا مازحين أن تطفئ الشركة حواسيبها بضع ساعات كل شهر، وتطلب من العاملين إنجاز الأعمال التي قاموا بتأجيلها، وهكذا ستزداد المنفعة الكلية. ولا أرى سببًا يعيق تطبيق هذا على الاقتصاد بأكمله».

يقول التقرير إن شركات السفر والسياحة على الأرجح لن تتأثر كثيرًا على المدى القصير هي الأخرى، وذلك طالما أن الانقطاع لم يدُم أكثر من يوم. يمكن للطائرات التحليق بدون الإنترنت، كما أن القطارات والحافلات لن تتأثر قط. لكن انقطاع الخدمة فترات طويلة سيؤثر على النواحي اللوجستية. سيصعب على الشركات العمل بدون إنترنت. ينقل التقرير عن ديفيد إيجلمان قوله «اقترحت على الشركات وضع خطة للطوارئ، لكنني لم أسمع عن أي شركة فعلت ذلك».

إذا حدث انقطاع كبير في خدمات الاتصالات، فسيؤثر ذلك بدرجات متفاوتة على الشركات الصغيرة وأصحاب الياقات الزرقاء. يقول التقرير إن حوالي 90% من أجهزة البيجر في الولايات المتحدة قد توقفت عن العمل بسبب عطل في الأقمار الصناعية في عام 1998. وقد استقصى دوتون حالة 250 من مستخدمي البيجر في لوس أنجلوس حينئذٍ، فاكتشف تباينًا في ردود الأفعال على هذا الانقطاع. فبالنسبة إلى المنتمين إلى الطبقتين الوسطى والعليا، لم يشكل الأمر أدنى مشكلة.

لكن العاملين الذين يعتمدون بشكل كامل على البيجر في عملهم – مثل السباكين والنجارين – وجدوا أنفسهم بلا عمل لعدة أيام. كما عبرت الأمهات اللاتي تركن أطفالهن في الحضانات عن قلق بالغ لأنه لن يكون من الممكن استدعاؤهن حال ظهور طارئ ما. يقول دوتون «علينا أن ندرك أن ردود أفعالنا اتجاه انقطاع الإنترنت ستعتمد على مدى أهميته لحياتنا الاجتماعية والاقتصادية».

ويشير التقرير إلى أن الناس سيشعرون بالعزلة والقلق عندما ينقطع الإنترنت. يقول جيف هانكوك «الإنترنت في معظمه مصمم حتى يتيح لنا التواصل مع بعضنا البعض في أي وقت وفي أي مكان. وحين تعجز عن فعل ذلك ستشعر بالقلق». ويؤكد بورج أنه يشعر بذلك حين ينسى هاتفه المحمول، حيث يشعر أنه عارٍ. «هل أعرف إلى أين أنا ذاهب؟ ماذا لو تعطلت سيارتي، فهل سيسمح أحد لي باستخدام هاتفه طلبًا للمساعدة؟».

في عام 1975، شب حريق هائل في شركة الهواتف في نيويورك، فانقطعت خدمة الهاتف عن 300 منطقة سكنية في مانهاتن لمدة 23 يومًا. وعند استطلاع رأي 190 شخصًا بعد عودة الخدمة، قال 80% منهم إنهم قد افتقدوا الهاتف. وقال الثلثان إن انقطاع الخدمة جعلهم يشعرون بالعزلة والقلق، وقال حوالي 75% منهم إنهم شعروا بالسيطرة مرة أخرى على حياتهم بعد عودة الخدمة.

يقول دوتون «هناك اعتقاد سائد أن الناس سيصبحون اجتماعيين أكثر ويتواصلون مع العائلة والأصدقاء أكثر إذا لم يكن هناك إنترنت، لكنني لا أؤمن بصحة ذلك. معظم من يستخدمون الإنترنت هم في الواقع اجتماعيون أكثر من غيرهم».

تتفق معه ستين لومبورج من جامعة كوبنهاجن فتقول «ليس الأمر وكأننا سنبدأ في التحدث مع الغرباء إذا لم يكن لدينا هواتف ذكية. لعل ذلك يحدث في مواقف بعينها، مثل أن يضطر زملاء العمل إلى التحدث وجهًا لوجه بدلًا من إرسال رسائل بريد إلكتروني، لكن التجربة ستكون مجهدة. لن يفنى العالم إذا ما غاب الإنترنت يومًا كاملًا. ولكن أظن أن ذلك سيكون فظيعًا بالنسبة لمعظم الناس».

لكن هذا الشعور سيكون عابرًا – يؤكد التقرير. لعل خسارة الإنترنت ستجعل الناس يدركون أهميته في حياتهم. يقول هانكوك «ليته بوسعي القول إن انقطاعًا في الإنترنت سيغير من طريقة تفكير الناس، ولكن لا أظن ذلك». وحتى لو حدث ذلك، فهذا ليس كافيًا لإقناع طلابه بالتخلي عنه خلال عطلة نهاية الأسبوع.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك