السياسة الخارجية مكون رئيسي في إدارة الدول الوطنية، وقد زادت أهميتها كثيرًا في السنين الماضية مع نمو العلاقات بين الدول وتعقّدها. أيضًا عقّد التزايد المطرد في عدد اللاعبين على الساحة الدولية، من منظمات وجهات غير حكومية، وحتى أفراد لهم الكثير من النفوذ؛ عقّد هذا عملية اتخاذ القرار ووضع السياسات. وفي ذات الوقت، العولمة – أيًّا كان فهمنا وتعريفنا لها، ورأينا فيها- ألقت بثقلها الحتمي على السياسات الخارجية لجميع الدول، كبيرةَ كانت أو صغيرة، نامية أو متقدّمة.

التحمت جمهورية إيران الإسلامية بهذه المشاكل منذ تأسيسها عقب ثورة 1979م الشعبيّة. لقد استندت سياسات ما بعد الثورة في الشئون الخارجية الإيرانية على عدد من المبادئ والأهداف التي تضمّنها دستور البلاد. منها الحفاظ على استقلالية إيران، ووحدة أرضها، وأمنها الوطني، وتحقيق نمو وطنيّ راسخ على المدى الطويل. أمّا خارج الحدود الإيرانية، تسعى إيران إلى تحسين وضعيها الإقليمي والعالمي؛ وترويج مبادئها، ومنها الديمقراطية الإسلامية إلى العالم أجمع؛ والتوسّع في علاقاتها مع الدول الأخرى، خاصّة الدول المجاورة ذات الأغلبية المسلمة، ودول عدم الانحياز؛ والسعي لتقليل التوترات وتسوية الخلافات مع الدول الأخرى، من أجل رعاية السلام والأمن على المستويين الإقليمي والدوليّ بمشاركة فعّالة؛ وتقوية التفاهم العالمي من خلال الحوار والتفاعل الثقافي.

إيران في حقبة تعدّد القوى

لقد تحوّل النظام العالمي تحوّلًا هيكليًّا كبيرًا منذ نهاية الحرب الباردة وزوال العالم الثنائي الذي حكمته الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، في التسعينات. لكن لم يتأسس نظام جديد راسخ منذ ذلك الحين. وكما كان الحال في كل تحوّل حدث في الماضي، فإن التحوّل الحالي، الذي تتسّم فيه العلاقات الدولية بالسيولة، والتعقيد، وتخيّم عليه ظلال الشكّ، يمثّل الكثير من الخطر والتحدّي. كان مكمن تعقيد التحوّلات السابقة في النزاعات المسلّحة، أو حتى الحروب الصريحة بين القوى المسيطرة وقتها. ونزاعات اليوم مماثلة لها في الحدّة، ولكنّها نزاعات غير مسلّحة، ويرجع ذلك لعدد من العوامل: البيئة العالمية المختلفة، وتغيّر طبيعة القوى، وتنوّع وتعدّد القوى الحكومية وغير الحكومية في المشهد.

لقد تغيّر مفهوم القوّة التقليدي نفسه جذريًّا، فكان يعتمد على قياس القوة العسكرية. وبرزت أشكال أخرى من النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي والثقافي. وفي ذات الوقت، أدى التغيّر على مستوى المفاهيم إلى اجتذاب المكونات الثقافية والقياسية والفكرية للقوّة، إلى المقدّمة، لتصبح القوّة في متناول عدد أكبر من اللاعبين على المستوى الدوليّ. علاوة على ذلك، فإن التصاعد التدريجي لتعدد القوى في غمرة الحرب العالمية الثانية، أدّى إلى زيادة أهميّة النُظم العالمية، والإجماع الدوليّ.

على الرغم من هذه التغيّرات الملموسة في هيكل النظام العالمي، فإن بقايا النظام القديم ومنتفعيه حاولوا استنقاذ حطام الماضي. ففي أواخر الثمانينات وأوائل التسعينيات، برزت نظريات نهاية العالم  في الولايات المتحّدة، معلنة «نهاية التاريخ» ومتوقّعة «صدام الحضارات». مثّلت هذه النظريات ردّ الفعل المتسرّع إزاء فراغ موقع العدوّ، الناشئة عن نهاية الحرب الباردة، وصعود نجم الإسلاميين على المسرح الدوليّ. البعض في الغرب، من خلال سلسلة من حملات الإسلاموفوبيا المتلاحقة – التي تم الترويج لها كسياسة دوليّة رسمية، وترسيخها منهجيًّا في عدّة صور- حاولوا تصوير المجتمع الإسلامي على أنه العدوّ الأيديولوجي العالميّ الجديد.

يتجّه العالم الآن إلى حالة من التعاون المشترك، على عكس الوضع في الماضي، حيث كانت القوى المهيمنة، الزائلة أو الحالية، تفرض سياساتها المنفردة وتودي بالوضع إلى الشلل والطرق المسدودة. اليوم نجد معظم الدول، بغض النظر عن حجمها، قوتها، نفوذها أو اعتبارات أخرى، أدركت أن الانعزال الاختياري أو الإجباري ليس فضيلة ولا ميزة. الحركة الجماعية، والتعاون هما السمتان المميزتان للحقبة الحالية.

ظهر لنا أن تعدّد القوى، أي البحث المشترك عن حلول مشتركة للمشاكل المشتركة، هو أمر مرغوب فيه، وفعّال على المستويين الإقليمي والعالمي. حتى القوى الكبرى تعلّمت – بالطريقة الصعبة- أنه لم يعد بإمكانها السعي وراء مصالحها الشخصية وأهدافها المحدّدة وحدها. والتيّار المتنامي في اتجاه بناء التحالفات، سواءً ذات الأهداف قصيرة المدى أو من أجل مشاريع أطول عمرًا، يشهد بأنّ التحرّك الجماعي أمر لا مهرب منه. حلّ التعاون الطوعي تدريجيًّا كمنهج سير للعلاقات بين الدول، ليستبدل المناهج السابقة، المهجورة الآن، القائمة على المواجهة، والخنوع غير المشروط، والعداوة المتأصلّة.

فقدت الفكرة القائمة على فرض المواقف الصفريّة بريقها، كنتيجة حتميّة للعولمة وصعود التحركات الجماعية والتعاونية. وعلى الرغم من هذا، فإن بعض القوى على الساحة الدولية ما زالت مستمسكة بعاداتها القديمة، ساعية خلف اهتماماتها على حساب الآخرين. وهذا الإصرار من قبل القوى الكبرى على فرض ألعاب سياسية يخرج منها أطراف فائزة وأخرى خاسرة، أدّى في أغلب الأحيان إلى خسارة الجميع.

ووضع الولايات المتحّدة المرفوض بشدّة في العالم الآن، على الرغم من رجحان كفتها العسكرية، هو مثال صارخ على الأمر. فالوضع في الأجزاء المختلفة من العالم التي تتدخّل فيها الولايات المتحّدة مباشرة، خاصة في الشرق الأوسط والدول المجاورة لإيران، يشير إلى تحوّل واشنطن الملحوظ، على كراهة، إلى طريق بناء التحالفات مع القوى العالمية وحتى الإقليمية. صحيح أن الصين، والهند، وروسيا منغمسين في تنافس شديد، خاصة مع الكتلة الغربية، باذلين الجهد لتأمين أهدافهم على الساحة الدولية. لكن القوى الكبرى والصاعدة على حدٍّ سواء لم تعد تحبذ استخدام الوسائل العسكرية لحل العداوات، أو الخلافات، أو الصراعات.

أدّى كل هذا إلى نهوض حركة مراجعة للسياسات الخارجية. تسعى الدول الآن إلى تحسين وضعها والوصول إلى أهدافها من خلال مزيج معدٍّ بحرص من التعاون والتنافس. ذهبت العداوات المميتة، التي استخدمت فيها القوة المفرطة والثقيلة في الماضي، فاتحةَ المجال لأشكال ثقافية وفكرية من التنافس. ولكن الضبابية التي تخيّم على الوضع الدولي كنتيجة للتحول الجاري في النظم والسلوكيات العالمية لها عيب خطير. فإن أساءت أي دولة حساب قوتها، أو إدراك قدرات ونوايا الآخرين، يمكن أن يكلّف ذلك الجميع كثيرًا. الخطورة الكامنة في الوضع الحالي تحتم على الحكومات الاعتماد على تحليلات أكثر تجرّد وموضوعية، وتقييمات حذرة لأوضاعها وقدراتها، وكذلك نوايا الآخرين المحتملة.

يمكن لكل الدول الاستفادة من المرحلة الانتقالية الحالية لتحسين مواقعها وتحقيق إهمالاتها. يجب على الحكومات إجراء حسابات واقعية لمزاياها النسبية ونقاط ضعفها، والأهم، أن تضع أهدافًا ومخطّطات واضحة لسياساتها. ففي العقود القليلة الماضية، نجد أن الدول الأنجح في تحسين أوضاعها إقليميًّا ودوليًّا، خاصّة بعد الحرب الباردة، هي التي سعت إلى سياسات خارجية محدّدة بوضوح. وأنّ الدول التي فشلت في هذا، لنقص في فهم البيئة الدولية، وبالتبعية أنتجت سياسات خارجية مضلَّلة، خسرت موقعها من العالم، أو تم تهميشها.

تحقيق القوّة الإيرانية

كقوّة إقليمية صلبة في حقبة التحوّل الصارخ للعلاقات العالمية، نجد إيران في موقع مميّز. فإيران، بمساحتها الواسعة وموقعها الجغرافيّ المتمّيز على الطريق الواصل بين الشرق والغرب، تمتّعت منذ القدم بمكانة بارزة داخل إقليمها وخارجه. بقي تراث إيران الحضاري والثقافي كما هو، لا مساس به، لكن ثرواتها السياسية والاقتصادية تأرجحت بشكل دوري، متأثرة بالحكومة المحلية وعلاقاتها مع العالم الخارجيّ. وكان انتصار ثورة 1979م، الثورة الشعبيّة المناهضة للطغيان في كل أنحاء البلاد، بمزيج من الجمهورية والإسلامية، إيذانًا بتأسيس نظام ثوريّ جديد في البلاد. كانت التداعيات شديدة، وقد أثّرت الثورة بعمق على العلاقات الخارجية الإيرانية، ليس مع جيرانها فحسب بل في الشرق الأوسط، والعالم بأسره.

وأيّ تحليل متجرّد لخصائص إيران المميّزة في سياق إقليم هائج متقلّب كالشرق الأوسط، سيكشف الدور العظيم الذي تقدر إيران على لعبه إقليميًّا ودوليًّا، فيمكن للجمهورية الإسلامية أن تساهم في استعادة السلام المفقود بالإقليم، والأمن والاستقرار، وتلعب دور المحفّز لتكوين العلاقات الدوليّة في خضم المرحلة الانتقالية الحالية. وفي ضوء الأهمية المتزايدة للعوامل الفكرية والثقافية في السياسة العالمية، فإن إيران تعدّ الدولة المناسبة، بتراثها العريق وتاريخ ثورتها الإسلامية، خاصة نظام الحكم الراسخ المستمدّ من البيئة المحليّة. يمكن لإيران استخدام نقاط القوة هذه لتساعد في تحقيق آمال الشعب الإيراني الوطنية، والتي منها تحقيق التقدم طويل المدى، وصعود نجم إيران إقليميًّا بما يتناسب مع مميزاتها الموروثة، ووضعها الإقليمي.

تتمتّع إيران أيضًا بعدد من الخصائص التاريخية التي توفّر فرصًا متميّزة لم تكن متاحة في الماضي. فعلى سبيل المثال، بقيت إيران مستقلّة عن القوى الخارجية، وانتهجت عدم الانحياز، لتتمتع بحريّتها في ظلّ النظام العالمي. أسّست إيران كذلك نظام حكم محليّ دينيّ في سابقة نادرة في العالم الحديث. وهويّتها الثقافية التي لا مثيل لها، والنابعة من المزيج الديناميكي الفريد بين الثقافة الإسلامية والإيرانيّة. يمكن لإيران استخدام هذه الهوية لتروّج مهمتها ورسالتها في أقطار العالم الإسلامي بأسره. أيضًا تعطي إيران مثالًا للاحتواء السياسي، فهي مجتمع عريق يتميّز بتعدّدية أقلياته العرقيّة، والدينية واللغوية. حّققت إيران كل هذا في وسط إقليم جيوإستراتيجي حيوي شهد تاريخًا طويلًا من تصادم القوى والتدخّلات الخارجية، والنزاعات المسلّحة. أخيرًا، فإن إيران أظهرت قدراتها الفكرية، وصداها العالمي من خلال مبادراتٍ مثل مبادرة الرئيس محمد خاتمي بعنوان «حوار الحضارات»، أو مبادرة الرئيس حسن روحاني الأخيرة نحو «عالم ضد العنف والتطرّف» والتي تمّ تبنيّها من قبل الأمم المتحدّة في ديسمبر الماضي.

تمثّل مشكلة الحكم تحديًّا للدول جميعها في العالم الحديث، بغض النظر عن حجمها، أو ديموغرافيتها، أو شكل الحكومة، أو الموقع الجغرافي، أو مستوى التقدّم، أو علاقاتها الخارجيّة. كانت إيران دولة منظّمة منذ القدم، لو تجاوزنا عن بعض فترات القلاقل والاضطرابات. وبهذا كوّنت علاقات خارجيّة ممتدّة عبر التاريخ، في الحرب وفي السلم، بتعدّد جيرانها والقوى المنافسة لها. وتراكمت لديها ذاكرة جماعية ثريّة، ومخزون عميق من الخبرات. تحدّ إيران سبع دول، وتتصّل عن طريق بحر قزوين، أو الخليج الفارسيّ، بإحدى عشرة دولة؛ كلا المساحتين المائيتين تمثّلان أهمّية كبرى لدول الساحل ولعدد من القوى الخارجيّة. لذا فإن إيران لديها الكثير من العمل عندما يتعلّق الأمر بأمنها القومي، وعلاقاتها الخارجيّة.

تجد إيران نفسها أيضًا في إقليم يعصف به الأزمات. أثّر الاحتلال الذي دام لعقود بفلسطين، والصراع الدائر حاليًا هناك تأثيرًا مدمّرًا على تقدّم ومعيشة الشرق الأوسط بأكمله. وقد ازداد الاضطراب المزمن، والعنف وعدم الاستقرار في المنطقة سوءًا في السنين الأخيرة بسبب سحب القوى العسكرية التي تدخلت في وقت سابق، خاصّة في أفغانستان والعراق. ومنذ بداية عام 2011م، قدّمت الثورات والانقلابات في العالم العربي، وتوابعها الدموية – أو ما أطلق عليه “الربيع العربي” أو “الصحوة الإسلامية” في مراحله الأولى- قدّمت هذه مزيدًا من عدم الاستقرار للمنطقة. ويبدو أن هذا التيار سيستمر لوقت قد يطول، حتى وإن كان اتجاهه ضبابيًّا تمامًا.

بالنظر إلى هذه الصورة الإقليمية، والآليات العاملة بين اللاعبين المحليّين والخارجيّين – بالأخصّ الولايات المتحدّة– تلتحم إيران بعدد من التحدّيات الكبرى في علاقاتها الخارجية. ولا حاجة إلى القول بأن ظلال الصراع الإيراني الأمريكي، الذي استمرّ لعقود وما زال، والذي اشتدّت حدّته كثيرًا نتيجة لسوء التفاهم النووي، عقّدت وضع إيران وعلاقاتها بلفيف من جيرانها. وفي نفس الوقت، ازدادت حدّة وشراسة النشاطات الإرهابية للاعبين غير الحكوميين، في دول مثل أفغانستان، والعراق، ولبنان، وسوريا، ببرنامج لا تخطئ العين عداءه الشديد لإيران والشيعة. هذا بالإضافة إلى حملة معدّة بإتقان تهدف لنشر الإسلاموفوبيا، والخوف من إيران والشيعة، وتصوير إيران كخطر يهدّد السلام والأمن الإقليميين؛ والدعم الواسع لمدّعي الأحقيّة في الأرض الإيرانية؛ وتشويه صورة إيران العالمية والانتقاص من مكانتها؛ وتسليح خصوم إيران الإقليميين؛ وتدعيم القوى المضادّة لإيران كطالبان وحركات إرهابية أخرى، وإثارة الخلافات بين إيران وجيرانها.

الوسطية والأمل

كان انتصار روحاني الحاسم في انتخابات يونيو 2013م الرئاسية التنافسيّة انتصارًا في السياق الدوليّ. فقد ربح بنسبة واحد وخمسين بالمائة من مجموع أصوات الجولة الأولى، ضدّ خمسة من المنافسين المحافظين. برنامجه السياسي المرتكز على الوسطية والأمل كان نقطة تحوّل كبيرة في السياسة الإيرانية. بلغت نسبة المشاركة ثلاثة وسبعين بالمائة من إجمالي القوة الانتخابية، وهو ما يرجّح أن الشعب قد تجاوز الانقسامات المعطّلة التي حدثت في انتخابات يونيو 2009م.

مواقف روحاني البرجماتية من القضايا الخارجية والداخلية طمأنت الكتلة الانتخابية الإيرانية.  تميّز برنامج روحاني عن برامج منافسيه القاتمة في عدّة نقاط جوهرية: تحليله الواضح لموقف إيران الحالي، تحديده التفصيلي للتحدّيات الكبرى التي تواجه المجتمع والحكومة، منهجه الصريح المستقيم إزاء المشاكل، وطرق الحلّ المحتملة. بهذه الطريقة، تمّكن روحاني من تحريك قطاعات الجماهير غير المتحمّسة ويثير اهتمامهم الإيجابي في آخر أيام حملته، ليشاركوا في التصويت.

استند برنامج روحاني للسياسات الخارجية على معايير مبدئية رزينة واضحة حكمت العلاقات الخارجية لثماني سنوات تالية. وعد روحاني بإصلاح الوضع غير المقبول من خلال تجديد شامل لسياسات الدولة الخارجية. أظهرت التغيّرات التي أجراها فهمًا واقعيًّا للنظام العالمي المعاصر، والمشاكل الخارجيّة الحاليّة التي تواجهها الجمهورية الإسلامية، ومتطلبات إعادة العلاقات الخارجية الإيرانية إلى وضعها الطبيعي. دعا روحاني كذلك لمحادثات عن “الوسطية الحكيمة”. هذه الرؤية تهدف إلى دفع إيران بعيدًا عن المواجهة إلى الحوار والتفاعل البنّاء، والتفهّم، كل ذلك بعين حارسة مراعية للأمن القومي، ساعيةً لرفع مكانة إيران وتحقيق نمو شامل طويل المدى.

الوسطية الحكيمة هي نهج يرتكز على الواقعية، والثقة بالنفس، والمثاليّة الواقعية، والعمل البنّاء. الواقعية تتطلب فهمًا للطبيعة، والبنيان، وآليات القوة في النظام الدولي وقدرات مؤسساتها، وحدود تلك المؤسسات. وسطيّة روحاني تجمع بين الإيمان العميق بمبادئ الثورة الإسلامية والتقييم الموضوعي لقدرات إيران الحقيقية، وقيودها أيضًا. وتستدعي تفادي الأفعال المسيئة، المفرّطة أو المضخّمة للذات. وتشجّع على الثقة بالنفس بناءً على فهم موارد إيران المادّية والمعنوية، خاصّة الحكمة المجتمعية لمواطنيها. وتقدّر المساءلة، والشفافية والصراحة في التعامل مع الجماهير عاكسة إرادة الإصلاح وتحسين السياسات. منهج روحاني يورث توازنًا بين احتياجات إيران الوطنية والإقليمية والعالمية من جهة، وبين الوسائل المتاحة، والأدوات والسياسات من جهة أخرى؛ بين الإصرار والمرونة في العلاقات الخارجية؛ بين الأهداف والوسائل؛ بين الوسائل المتعددة للقوة في عالم متغيّر ديناميكيًّا. أخيرًا، فإن التزام روحاني بالعمل البنّاء يتطلّب الحوار والتفاعل مع الدول الأخرى على قدم المساواة، والاحترام المتبادل، في خدمة المصالح والاهتمامات المشتركة. يتطلّب أن يضع كل المشاركين جهدهم الأكبر لتقليل التوتر وبناء الثقة، وتحقيق النجاح.

طريق للأمام

مهتدية بذلك الإطار المفاهيمي، تستند السياسة الخارجية لإيران تحت الحكومة الحالية على تحقيق التفاهم والإجماع على المستوى الوطني، وتحقيق التفاعل البنّاء والتعاون الفعّال مع العالم الخارجي. ستتبع سياسات إيران مبادئ الكرامة، والعقلانية، والرصانة. هذه الإستراتيجية تهدف إلى حماية وتقوية الأمن القومي الإيراني، وإزالة المخاطر الخارجية، ومجابهة الإسلاموفوبيا والإيرانوفوبيا، والنهوض بمكانة إيران، وتحقيق التقدّم الشامل.

وبوجود وزارة الخارجية الإيرانية، القلب المحرّك لتخطيط وتنفيذ سياسات إيران الخارجية، وبالتنسيق مع المؤسسات الحكومية الأخرى، فإن الجمهورية الإسلامية ستعمل على تحقيق عدد من الأهداف الرئيسية. أولًا، ستتوسّع إيران في علاقاتها الثنائية والمتعدّدة الأطراف، وتعمّقها من خلال التفاعل مع عدد كبير من الدول والمنظّمات، من ضمنها المؤسسات الاقتصادية الدولية. التعددية ستلعب دورًا رئيسيًّا في علاقات إيران الخارجية. سيتضمن هذا مشاركاتٍ فعالة في وضع النظام العالمي ودخول في تحالفات مع الدول المتقاربة في الفكر لتعزيز السلام والاستقرار. ستكون الأولوية الثانية للدفاع عن الحقوق الفردية والجماعية للمواطنين الإيرانيين في كل مكان، لنشر الثقافة الإيرانية الإسلامية، واللغة الفارسية، والمبادئ الإسلامية، والترويج للديمقراطية الإسلامية كنظام للحكم. ثالثًا، ستستمر إيران في دعم قضايا المضطهدين في أنحاء العالم، خاصّة في فلسطين، وستستمر في رفضها المبدئي للانتهاكات الصهيونية في العالم الإسلامي.

بالنظر إلى التحدّيات التي تواجهها إيران اليوم، فإنها ستركّز أيضًا على مجموعة من الأهداف العاجلة. ستكون الأولوية الأولى لهزيمة الحملة الدولية المناهضة لإيران وإبطال مفعولها، والتي تمثّل إسرائيل والمنتفعون الأمريكيون منها رأس الحربة. يسعى هؤلاء إلى جعل الشأن الإيرانيّ أمنيًّا، وتصوير الجمهورية الإسلامي كخطر داهم على النظام العالميّ. والواسطة الرئيسية لهذه الحملة هي “الأزمة” حول برنامج إيران النووي السلمي – أزمة تؤمن إيران بأنها مصطنعة بالكامل، وبالتالي سهلة الحلّ. لهذا لم يضع روحاني وقتًا ليكسر السدّ ويدخل في مفاوضات مع ما يسمّى P5+1 (الصين، فرنسا، روسيا، المملكة المتحّدة، الولايات المتحدة + ألمانيا) لإيجاد أرضٍ مشتركة والوصول إلى اتفاق يضمن منع الانتشار النووي، ويحافظ على مكتسبات إيران العلمية، ويحترم حقوق إيران التي لا يمكن المساس بها تحت معاهدة عدم الانتشار النووي، وينهي العقوبات الظالمة التي فرضتها القوى الخارجية.

ليس لإيران أي رغبة في امتلاك السلاح النووي، وترى أن مثل هذه الأسلحة لن تحسّن، وضعها الأمني. إيران ليس لديها من الوسائل ما يكفي للدخول في لعبة الردع النووي – مباشرة أو بالنيابة– ضد خصومها. بل إن الحكومة الإيرانية تؤمن أنّ مجرد التفكير في إيران بهذا الشكل يضرّ بأمنها القومي ودورها الإقليمي، لأن أي محاولات تقوم بها إيران لاكتساب اليد العليا إستراتيجيًّا في الخليج الفارسي ستقابل حتمًا بردود فعلٍ تؤثر على تقدّم إيران العسكري.

لذا فإن المفاوضات السارية حاليًا بخصوص المشكلة النووية لا تواجه عقبات جسيمة. كل ما تحتاجه هو الإرادة السياسة والظن الحسن لكي يصل المتفاوضون إلى الاتفاق ويحققوا هدف خطة جنيف التي وضعت في نوفمبر الماضي، والتي تنص على أن:

“الهدف من هذه المفاوضات هو الوصول إلى حل شامل طويل المدى متوافق عليه من كلّ الأطراف يضمن أن البرنامج الإيراني النووي سيقتصر على السلميّة”. والسرعة غير المتوقعة التي تسير بها المفاوضات تبشّر بحلٍّ عاجلٍ لهذه الأزمة غير الضرورية، وفتح آفاق دبلوماسية جديدة.

ستسعى إيران أيضًا إلى القضاء على التهديدات الخارجية عن طريق حل المشاكل العالقة مع بقية دول العالم، خاصّة جيرانها الأقرب. سيكون بناء الثقة والتعاون هما حجرا الزاوية في سياسات إيران الإقليمية. ولهذا اقترحت إيران في العام الماضي الاتفاق على ترتيبات أمنية تعاونية في منطقة الخليج العربي. فكقوة إقليمية مسئولة، ستشارك إيران في محاربة واحتواء التطرف والعنف من خلال التعاونات الثنائية، الإقليمية والمتعددة.

علاوة على ذلك، ستدير إيران برصانة علاقاتها مع الولايات المتحدة عن طريق احتواء الخلافات الحالية ومنع ظهور أي توترات جديدة بلا داعٍ. أيضًا فإنها ستتفاعل مع الدول الأوروبية والغربية بهدف تنشيط العلاقات والتوسع فيها. ويجب أن تتسم عملية تطبيع العلاقات بالاحترام والاهتمام المتبادلين، وأن تخاطب المشاكل ذات الأهمية للجانبين. أيضًا ستقوّي إيران علاقاتها مع القوى الكبرى. وستتواصل إيران، بصفتها مقر حركة عدم الانحياز حتى نهاية 2015م، مع دول الجنوب وتحاول تحريك قدراتها الهائلة من أجل المساهمة في صنع السلام العالمي والرخاء.

لقد وفّر الشعب الإيراني، بمشاركته الهائلة في انتخابات الرئاسة الماضية، واختياره الحاسم للتحرك الفعّال، وفّر فرصة للحكومة الإيرانية الجديدة، والعالم؛ فرصة لرسم طريق مختلف وواعد في العلاقات الثنائية والمتعددة. الجمهورية الإسلامية الإيرانية عازمة على احترام اختيار المواطنين، ذلك الاختيار الذي سيكون له أثره العظيم على العالم.

ومن أجل أن ينجح هذا السعي، من المحتّم أن تتقبل الدول الأخرى حقيقة الدور البارز لإيران في الشرق الأوسط وما وراءه، وأن تعترف بحقوق إيران الوطنية، وتحترم اهتماماتها، وشئونها الأمنية. من المهم أيضًا للدول الأخرى أن تحاذر المساس بالحساسيات الإيرانية، خاصة ما يتعلق بالكرامة الوطنية، والاستقلال، والإنجازات. يجب على الغربيين، لا سيّما الولايات المتحدة، أن يعدّلوا من مفاهيمهم حول إيران والشرق الأوسط، ويحيطوا علمًا بواقع الإقليم، ويتفادوا الأخطاء التحليلية والعملية التي وقعت في الماضي. نحتاج إلى الشجاعة والقيادة الحكيمة لنستغل هذه الفرصة التاريخية، التي ربما لن تأتي مرة أخرى. لا بد ألا تضيع هذه الفرصة من بين أيدينا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد