بسبب الحصار الإسرائيلي المتواصل منذ عام 2007، حذرت الأمم المتحدة قبل سبع سنوات من أن قطاع غزة سيتعذر العيش فيه بحلول عام 2020. لكن المراقبين يقولون: إن هذه اللحظة قد حانت منذ فترة طويلة. 

عن الحياة في قطاع غزة، كتبت «ميجان أوتول» نائب رئيس تحرير موقع الجزيرة الإنجليزي مقالًا في موقع «ميدل إيست آي» البريطاني، تناولت فيه التدهور المستمر في الأوضاع المعيشية بالقطاع المحاصر، الذي أصبح مكانًا لا يمكن العيش فيه؛ نظرًا لنقص الخدمات والغياب الكامل للتنمية جراء الحصار الإسرائيلي الخانق والقدر الكبير من اللامبالاة التي يتعامل بها المجتمع الدولي مع هذه الأزمة.   

استشهدت الكاتبة بتقرير سابق للأمم المتحدة صدر في عام 2012 «ورسم صورة قاتمة لقطاع غزة، والظروف التي تواجه سكانه الفلسطينيين». وأضافت «ميجان»: كان، وما زال، اقتصاد غزة راكدًا، ونظام الرعاية الصحية فيها محاصرًا بالمشاكل، ومواردها الطبيعية تتضاءل. لكن الأيام الأكثر قتامة لم تكن جاءت بعد، كما توقعت الأمم المتحدة، في ذلك الوقت.

بحلول عام 2020، سيتجاوز عدد سكان غزة مليوني نسمة. وسيرتفع الطلب على الكهرباء بأكثر من 50 في المئة بحسب التقرير، وقد تتعرض طبقة المياه الجوفية الساحلية في القطاع لأضرار لا يمكن إصلاحها. ولذلك، دعت الأمم المتحدة إلى ضخ موارد هائلة، بما في ذلك الآلاف من الأطباء والممرضات الإضافيين، ومضاعفة الطاقة الكهربائية، وبناء ما لا يقل عن 440 مدرسة جديدة.

تستشرف الكاتبة المستقبل قائلة: نحن الآن على أبواب عام 2020. وأثبتت توقعات الأمم المتحدة بشأن تضخم احتياجات غزة أنها دقيقة إلى حد كبير، لكن تقديم الخدمات الأساسية فشل في تلبية مطالب سكان القطاع.

وصلت البطالة إلى حوالي 50 في المئة، وانخفضت نسبة الأطباء والممرضات، وتعاني أكثر من ثلثي الأسر من انعدام الأمن الغذائي، وثلاثة في المئة فقط من المياه الجوفية في غزة آمنة للشرب، وفقًا للإحصاءات الرسمية ووكالات الإغاثة.

ونقل موقع «ميدل إيست آي» عن مايكل لينك، المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، قوله: إن «التنبؤ بعدم قابلية الحياة في غزة تحقق بالفعل. المقياس الشائع الذي تستخدمه الأمم المتحدة أو أي منظمة دولية أخرى لتكون قادرة على تقييم كيف يعيش الناس هو: الكرامة الإنسانية، وغزة كانت بلا كرامة إنسانية منذ سنوات خلت».

البقاء على قيد الحياة في غزة

منذ أن تولت حماس السلطة في غزة عام 2007، فرضت إسرائيل حصارًا على القطاع الساحلي، وفرضت قيودًا صارمة على حركة الأشخاص والبضائع. وفاقمت الهجمات الإسرائيلية المتكررة من نقص الوقود وانقطاع الكهرباء والمياه الملوثة وتهالك البنية التحتية. وأسفرت الحرب الأخيرة، في صيف عام 2014، عن مقتل أكثر من 2200 فلسطيني وتدمير عشرات الآلاف من المنازل.

وخلال السنوات الأولى للحصار، حسبت إسرائيل الحد الأدنى من السعرات الحرارية التي سيحتاج الفلسطينيون في غزة إليها للبقاء على قيد الحياة (ظهرت هذه المعلومات بعد معركة قانونية ناجحة خاضتها منظمة «جيشا» الإسرائيلية غير الحكومية). واستخدمت إسرائيل هذه الأرقام لتحديد مقدار المساعدات الغذائية التي يمكن السماح بنقلها على متن الشاحنات إليهم، بحيث يبقى القطاع يعيش على الحد الأدنى من متطلبات الحياة.

وقال لينك «كان من المفترض أن تُبقي هذه الخطة الإسرائيلية غزة جائعة لكن ليس إلى درجة الموت جوعًا، وما زالت هذه الخطة تمثل الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه القطاع».

وأضاف أنه «طالما أن غزة لا تثور، وطالما لم يكن هناك قصف دوري آخر لغزة، باستخدام أكثر الأسلحة تطورًا في العالم، وطالما ابتعدت غزة عن العناوين الرئيسية في العالم، فلن يفعل العالم شيئا ليغير هذا الواقع الصعب». ويصف حيدر عيد، وهو أستاذ مشارك في جامعة الأقصى في غزة، سياسة إسرائيل تجاه الفلسطينيين في القطاع بأنها «إبادة جماعية».

وقال عيد لموقع ميدل إيست آي: «إنها تذكير دائم بالخطيئة الأصلية التي ارتكبت عام 1948»، في إشارة إلى النكبة، أي: الطرد الجماعي للفلسطينيين من أراضيهم بهدف تأسيس إسرائيل. وأضاف أن «إسرائيل تريد أن تعاقب سكان غزة على مقاومتهم، ولأنهم يرفضون أن يكونوا رعايا خاضعين، وتريدهم أن يتخلوا عن حقهم المكفول دوليًا في العودة لأراضيهم».

لاحظ مراقبون آخرون كيف أن الحصار الإسرائيلي تمخض بالفعل عن ظروف لا يمكن تحملها في جميع أنحاء غزة، وذلك قبل فترة طويلة من الموعد الذي حددته توقعات الأمم المتحدة بحلول عام 2020. على سبيل المثال، تعوق القيود المفروضة على مناطق الصيد – التي خفضت إلى 10 أميال بحرية من 15 ميلا في وقت سابق من هذا العام – الناس عن كسب رزقهم.

بالإضافة إلى أن حظر الاستيراد يمنع دخول البضائع المهمة، مثل الوقود وأنابيب غاز الطهي، إلى القطاع. وانقطاع التيار الكهربائي باستمرار يُحَوِّل الحياة اليومية إلى صراع، مع عدم توفر الكهرباء في بعض الأحيان إلا لساعات معدودة فقط في اليوم.

جريمة الحرمان من العلاج

بالنسبة لبعض الفلسطينيين الأكثر تضررًا، يعد الحصول على الإغاثة الطبية مستحيلًا. في سبتمبر (أيلول) الماضي، وافقت إسرائيل على أقل من ثلثي طلبات علاج المرضى الذين يرغبون في مغادرة القطاع لأسباب طبية. وفي بعض الحالات، خضع بعضهم للاستجواب باعتبارذلك شرطًا مسبقًا للحصول على التصريح، وهي ممارسة نددت بها جماعات حقوق الإنسان، مثل: أطباء من أجل حقوق الإنسان، الذين سلطوا الضوء على تاريخ إسرائيل في إكراه المرضى على التعاون معها في مقابل الحصول على الرعاية الطبية اللازمة.

يشير جيرالد روكينشوب، رئيس مكتب منظمة الصحة العالمية للأراضي الفلسطينية المحتلة، إلى أن «عدم تطوير» الخدمات الصحية يعني أن التكنولوجيا الأساسية غالبًا لا تكون متوافرة داخل غزة، في حين يوجد نقص في الأدوية والفريق الطبي.

وقال روكينشوب لميدل إيست آي إنه «ليس تدهورًا مفاجئًا، بل انخفاض مزمن».  وأضاف أن «النظام دائمًا ما يكون على شفا الانهيار أو قريبًا للغاية منه».  

يلاحظ الخبراء أن المساعدات الدولية للقطاع المكتظ بالسكان ربما تحول دون توقف الحياة تمامًا، إلا أنها جعلت غزة تعتمد على المساعدات الإنسانية بدلاً من تعزيز التنمية. في الوقت نفسه، تعمقت الأزمة بسبب خفض إدارة ترامب التمويل لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) هذا العام.   

وقال جامي ماك جولدريك، المنسق الإنساني للأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لموقع ميدل إيست آي: «توجد هوة تنمية على صعيد غزة»، مشيرًا إلى أن هذه الهوة ملموسة بشدة في قطاعي الصحة والتعليم.

وتعمل المدارس بنظام الفصول المزدوجة على دورتين دراسيتين، وحتى ثلاث دورات في اليوم الواحد؛ لاستيعاب العدد المتزايد من الشباب. وفي الوقت نفسه، تتعرض المستشفيات لضغوط تتجاوز قدرتها، خاصة وأن احتجاجات «مسيرة العودة الكبرى»، التي بدأت في عام 2018، أسفرت عن آلاف الإصابات.

ومع ذلك، في حين أن المساعدة الإنسانية لا تتجاوز كثيرًا كونها حلاً سريعًا مؤقتًا، كما يقول المحللون، فإن حرمان القطاع من هذه المساعدات سيزيد من تعقيد وصعوبة الأوضاع هناك.

وقال ماكجولدريك: «لا يمكنك فقط أن تقول «حسنًا، لا مزيد من الغذاء غدًا، لا مزيد من الدعم. لتذهبوا إلى مكان آخر». ليس هناك «مكان آخر» في غزة…. الناس هناك يعتمدون على (المساعدات) الإنسانية». وأضاف «يجب علينا تحويل هذه المساعدات إلى شيء أكثر استدامة، وبالتأكيد شيء أكثر كرامة مما هو موجود الآن».

 «عايشين من قلة الموت»

وقال كمال حواش، وهو أستاذ بريطاني- فلسطيني بجامعة برمنجهام، لميدل إيست آي: بالنسبة لشعب غزة، فإن نبوءة الأمم المتحدة التي توقعت حدوثها في عام 2020 صارت حقيقة منذ فترة طويلة. وقال إن كثيرين يستشهدون بالقول العربي: «عايشين من قلة الموت». 

وقال حواش: إن سياسة إسرائيل هي سياسة الاحتواء، وفي نهاية المطاف، «تريد إسرائيل أن تبقي «على الهدوء» في غزة. إذا وفرته حماس، فلا بأس، وإذا لم تفعل، تهاجم (إسرائيل) القطاع».  

إسرائيل تشجع الفلسطينيين على المغادرة

تشجع إسرائيل الفلسطينيين على مغادرة غزة بشكل دائم، بهدف زيادة تقليص وجودهم على الأرض هناك، حسبما تفيد التقارير. وفي وقت سابق من العام الجاري، اعترف مصدر حكومي أن هناك «محاولات بذلت» لإقناع الدول الأخرى باستقبالهم، مضيفًا أن إسرائيل ستساعد في نقلهم.

عودة اللاجئين هي الحل

وأضاف حواش: لكي تخرج غزة من مأزقها الحالي، يجب رأب الصدع الداخلي الفلسطيني بين فتح وحماس، ويجب أيضًا إنهاء الحصار الإسرائيلي، بما يسمح بترسيخ الاستقرار في القطاع.

وتابع: «من الواضح أن اللاجئين الذين يشكلون 80 في المئة من السكان إذا عادوا إلى منازلهم – كما يكفل لهم القانون الدولي – يمكن حينها أن تصبح غزة مكانًا صالحًا للعيش وتزدهر الحياة فيها».

العملية السياسة الناجحة مفتاح التنمية

وأردف ماكجولدريك: إن العملية السياسية الناجحة يمكن أن تمهد الطريق لاستراتيجية تقودها التنمية في غزة، إذ يُحتَمَل أن تجذب استثمارات جديدة في أنظمة إمدادات المياه والمناطق الصناعية وتوفير فرص عمل. ووصف الحصار بأنه «أكبر عقبة أمام التنمية». 

وتابع ماكجولدريك «هذا لا يعني شيئًا لأي فلسطيني.. الناس يحاولون فقط جعل اليوم يمر، إذ يبقون على قيد الحياة يومًا بيوم».   لكن مع النمو السكاني المتواصل، وتقليص الخدمات والبطالة المتزايدة، ربما تقترب غزة من نقطة اللاعودة.

المجتمع الدولي غارق في اللامبالاة

وقالت سارة روي، وهي باحثة كبيرة في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة هارفارد، لميدل إيست آي: إن مصطلح «غير قابل للحياة»… يُقصد به أن يكون جرس إنذار للمجتمع الدولي، لكن هذا الجرس يدق منذ فترة طويلة». 

وأضافت أن التحذير قوبل بتجاهل، وسط اللامبالاة الدولية. و«بدون الحرية في حركة الأشخاص والبضائع بدون معوقات، سيكون محكومًا على غزة باستمرار الخراب».

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 4 شهور
«جاكوبين»: لماذا لن ينقذ القانون الدولي فلسطين؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد