حين تنهار الأفكار والأساليب القديمة للتواصل مع الآخرين، تظهر أفكار وأساليب جديدة لتحل محلها؛ ومن بينها الفلسفة الشهيرة وسيئة السمعة التي تحمل اسم: «الإنسانية العلمانية».

يكتسب الإلحاد شعبيةً متزايدة يومًا بعد يوم، لكن الإشكالية تكمن في افتقاره إلى مجتمع منظم حوله. فضلًا عن أن تراجع رأس المال الاجتماعي، الذي كان يوفره الدين، سيسبب مشكلات خطيرة. وهنا يظهر دور الإنسانية العلمانية التي أوضح سكوتي هيندريكس، الكاتب بموقع «بيج ثينك»، في تقريره أنها توفر مجتمعًا ومعنى، لكنها أثارت الكثير من الجدل.

يعتقد هيندريكس أن الناس لم يعودوا متدينين كما كانوا، إذ يعد تراجع العقائد التقليدية كارثةً من وجهة نظر البعض، في حين يراه آخرون مدعاةً للاحتفال، ولكن أحد عوامل هذا الانهيار يسبب مشكلةً للجميع؛ فتراجع العلاقات الدينية القديمة الرابطة، جاء بالتزامن مع تراجع العلاقات التي تجمع المجتمعات المرتبطة أيضًا.

وهذا لا يعني أن الحي الذي لا يحتوي على كنيسة سيهوي مباشرةً إلى الفقر والعنف والبؤس، ولكنه يعني أن العنصر الاجتماعي لتلك المنظمات كان ضروريًا في حياة الناس – وأن غيابه سينتج المشكلات.

قبل 20 عامًا جادل روبرت بوتنام، في كتابه «لعب البولينج وحيدًا – (Bowling Alone)»، بأن الأمريكيين بدأوا يعانون من كثرة الوقت الذي يقضونه بمفردهم وقلة وقت الروابط المجتمعية. ولن يفاجأ بوتنام بما نراه اليوم، بحسب وجهة نظر هينريكس.

أشار التقرير إلى أن 22% من جيل الألفية يقولون إنهم لا أصدقاء لهم، إلى جانب أن كبار السن يعانون من وحدة تعرقل حياتهم أيضًا. ولم يعد الناس منخرطين في المنظمات المجتمعية مثلما في السابق، وهو أمر بالغ السوء بالنسبة للصحة والمجتمع. وبالرغم من أن أسباب ذلك غير معروفة للجميع، لكن تراجع رأس المال الاجتماعي الذي وصفه بوتنام له علاقة بالأمر على الأرجح.

وبالرغم من أن تراجع الاعتقاد والحضور الديني في الكنائس الشهيرة عمومًا ليس السبب الوحيد لتراجع رأس المال الاجتماعي، فإن المكان التقليدي للدين في الحياة الأمريكية يعني أن انخفاض الحضور في الكنائس يمكن أن يتحول إلى عامل مزعزع للاستقرار. قل ما تريد بشأن الكنائس، ولكنها كانت مولدةً رائعةً لرأس المال الاجتماعي بحسب هيندريكس.

ولا يوجد في نظرية رأس المال الاجتماعي ما يطالب بضرورة العودة إلى النموذج السابق لتوليد رأس المال المذكور، إذ يمكن لأنظمة جديدة تُخلق من المجتمع أن تؤدي الدور نفسه أيضًا بحسب التقرير.

وحين تنهار الأفكار والأساليب القديمة للتواصل مع الآخرين، تظهر أفكار وأساليب جديدة لتحل محلها؛ ومن بينها الفلسفة الشهيرة وسيئة السمعة التي تحمل اسم: «الإنسانية العلمانية».

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
ما لا تعرفه عن تاريخ الإلحاد في الإسلام

ما هي الإنسانية العلمانية؟

ذكر «بيج ثينك» أن العاملين في منظمة «سنتر فور إنكواري» يعرّفون الإنسانية العلمانية بأنها «أسلوب حياة غير ديني شامل»، ويسهبون في تفسير المصطلح قائلين:

«الإنسانية العلمانية هي أسلوب حياة، أو ما وصفه بول كيرتز، مؤسس «مجلس الإنسانية العلمانية»، اصطلاحًا بـ«eupraxsophy»، أي حكمة التصرف السليم باليونانية القديمة: وهي مجموعة من المبادئ المناسبة لتوجيه حياة إنسانية كاملة. وبصفتها أسلوب حياة علماني، تتضمن الإنسانية العلمانية مبدأ الفردية التنويري، والذي يحتفي بتحرير الفرد من القيود التقليدية التي تفرضها العائلة والكنيسة والدولة؛ مما يعزز قدرة كل فرد على تحديد شروط حياته أو حياتها».

Embed from Getty Images

ووضعت «الجمعية الإنسانية الأمريكية» تعريفًا مشابهًا بحسب التقرير، إذ وصفت أسلوب الحياة بأنه: «فلسفة تقدمية لحياة تؤكد قدرتنا ومسؤوليتنا عن عيش حياة أخلاقية مكرسة للإشباع الشخصي ومتطلعة إلى صالح البشرية الأكبر، بدون الإيمان وغيره من المعتقدات الخارقة للطبيعة».

ما الفرق بينها وبين العلمانية؟

أوضح «بيج ثينك» أن الإلحاد يعني شيئًا واحدًا فقط: عدم الإيمان بأي إله، وليس له معنى أبعد من ذلك؛ لهذا يمكنك أن تدرج أشخاصًا مختلفين مثل: جوزيف ستالين وآيان راند وكارل ساجان، على قائمة الملحدين.

ليس هناك نوع واحد فقط من الإلحاد، بل هناك أنواع متعددة بناءً على ما لا يؤمن به الشخص وكيف توصل إلى هذا الموقف.

وفي حين أن الناس من مختلف القناعات يحاولون الجدال بأن عدم الإيمان يدفع غير المؤمن بالضرورة إلى تبني مواقف أخرى، يرى هيندريكس أن حججهم ليست مقنعة. ففي حال كان الإلحاد يؤدي لا محالة إلى معتقدات وقيم بعينها، فسيكون من المستحيل أن نشهد التنوع الأيديولوجي الظاهر في الأمثلة الثلاثة المذكورة أعلاه.

وليس هناك نوع واحد فقط من الإلحاد، بل هناك أنواع متعددة بناءً على ما لا يؤمن به الشخص وكيف توصل إلى هذا الموقف.

وعلى الجانب الآخر، تقدم الإنسانية العلمانية العديد من المطالب، إذ تدفع بالمنظومة الأخلاقية العواقبية، وتؤكد قيم الإدراك الذاتي والعالمية والفردية والتفكير النقدي، وتضع قيمةً كبيرة على عاتق العدالة الاجتماعية، وتثني على التفاني في استخدام المنطق والبحث عن الحقيقة.

وهذه المواقف يدعمها الكثير من الملحدين، بحسب التقرير، دون أن يكونوا مجبرين على ذلك. وسيرفضها الكثيرون صراحةً. وفي حين أن الكثير من الإنسانويين العلمانيين هم عادةً ملحدون، أو غير مؤمنين، أو لا أدريين، فلا يعتبر جميع الملحدين أو اللا أدريين اللا ألوهيين من الإنسانويين العلمانيين.

هل تعتبر الإنسانية العلمانية دينًا أم لا؟

لا، ولكن هذه المسألة أثارت بعض الجدل داخل الولايات المتحدة، بحسب الكاتب. إذ أوضح توم فلين، محرر «سنتر فور إنكواري»، أسباب عدم كون الإنسانية العلمانية دينًا في مقاله الذي عرّف أسلوب الحياة.

وعرّف الدين في البداية على أنه «أسلوب حياة يشمل على الأقل إيمانًا بوجود عالم يتجاوز التجربة العادية، وأهميته الجوهرية». ثم أشار إلى أن «الإنسانية العلمانية لا يمكن أن تكون دينًا، لأنها تفتقر إلى أي اعتماد (أو قبول) لفكرة العالم الذي يتجاوز عالمنا».

ربما لا يعتبر البعض تعريف «الدين» هذا تعريفًا نهائيًا، لكنه تعريف مقنع من وجهة نظر هيندريكس. وفي حال تطبيقه بشكل صحيح، فسوف يقصي الإنسانية العلمانية من أي قائمة للأديان.

لكن ذلك لم يمنع الناس من وصف الإنسانية العلمانية بالدين أيضًا. إذ جادل الكثير من الأشخاص والمنظمات – ولا يزالون – بأنها دين ظهر ليخرج الشباب الأمريكي عن دينه ويدمر الحضارة الغربية كما نعرفها.

نظرت العديد من القضايا المرفوعة أمام المحاكم في التساؤل حول ما إذا كان يمكن اعتبارها بمثابة «دين» للأغراض القانونية. لدرجة أن قاضيًا في ولاية ألاباما حكم بأن الإنسانية العلمانية هي دين يخضع لنفس القيود المفروضة على الأديان الأخرى، قبل أن يأمر بإزالة الكتب المدرسية التي تروج لـ«قيم الإنسانية العلمانية» من الفصول الدراسية.

لكن محكمةً أعلى نقضت ذلك القرار. ولم تتطرق المحكمة الأعلى إلى قضية كون الإنسانية العلمانية دينًا أم لا، بل أشارت إلى مدى عدم صلة السؤال بالقضية في جميع الأحوال.

واتفقت القضايا التي رفعت سابقًا في العموم على أن الإنسانية العلمانية ليست دينًا في حد ذاتها، بالرغم من أن بعض المنظمات الإنسانوية تنظم أنشطةً مشابهةً للجماعات الدينية – مثل اجتماعات يوم الأحد – ويمكن إخضاعها لمعاملة مماثلة.

هل يعتنق أي شخص مشهور هذه الفكرة

نعم، كثيرون، لكن هيندريكس يرى أن هناك بعض النقاط الشائكة حول الكلمات المستخدمة، ففي حين أن بعض الأشخاص أعلنوا أنهم إنسانويين علمانيين وانخرطوا في منظمات مكرسة لهذا المفهوم، مثل إسحق عظيموف، لكن آخرين لم يرغبوا في وصفهم بـ«الإنسانويين» وظلوا غير منتسبين لأي منظمات، أو انخرطوا بشدة في منظمات إنسانوية دون أن يحملوا ذلك اللقب، مثل برتراند راسل.

Embed from Getty Images

وتَقلد كورت فونيجت منصب الرئيس الفخري لـ«الجمعية الإنسانية الأمريكية»، والذي كان يشغله في السابق أسطورة الخيال العلمي الزميل إسحق عظيموف، وأعلن تشارلز شولز، مصمم قصص «بينوتس Peanuts» الكرتونية، نفسه إنسانويًا علمانيًا أواخر حياته.

أما الفيلسوف بيتر سنجر، فهو ملحد وإنسانوي ويتوافق مع التعريفات المذكورة أعلاه، لكن يبدو وكأنه لم يستخدم مصطلح الإنسانية العلمانية نفسه بحسب التقرير. وأدرجت «الجمعية الإنسانية الأمريكية» العديد من الأسماء الأخرى على موقعها الإلكتروني، ومنها: جلوريا شتينيم، وجوناس سولك، وكاثرين هيبورن.

كيف يمارس الإنسانويون العلمانيون أنشطتهم؟ هل لديهم مجتمع خاص؟

كما تبين، فحتى الأشخاص الذي لا يعتقدون أن هناك إلهًا ليخبرهم بالطريقة الوحيدة لفعل أشياء مثل الزواج وطقوس الدفن وحفلات البلوغ وطريقة قضاء صباح يوم الأحد، فإن هؤلاء الأشخاص يؤمنون بضرورة فعل شيء في تلك المناسبات، بحسب «بيج ثينك». ويسهل إنشاء المنظمات المتخصصة في فعل ذلك حين تتجاوز الإلحاد البسيط، وتساعد الناس في التوافق على بعض المواقف الأخرى.

وتسمح منظمات الإنسانية العلمانية للأشخاص ذوي الفكر المتشابه أن يحصلوا على مجتمع يربطهم، وأن يحتفوا بأحداث الحياة، وأن يناقشوا الأخلاقيات والفضيلة، وأن يستمتعوا بالعديد من الأشياء التي يمارسها المتدينون دون أن يضطروا للتضحية بمعتقداتهم بحسب التقرير.

وأشار هيندريكس إلى المقابلة التي أجراها مع إحدى المحتفيات بالإنسانوية في السابق، والتي أوضحت له الكثير بشأن ما تفعله وأسبابه. وهناك الكثير من المراكز الإنسانوية الشبيهة بالمركز الذي تعمل لصالحه في مختلف أنحاء البلاد. وتسمح لك هذه الأداة أن تتعرف إلى المركز الأقرب إليك. وبفحص سريع لمواقعهم، ستتعرف إلى الأنشطة التي تقام في منطقتك.

وفي العصر الذي تتراجع خلاله مجتمعات وأنظمة الاعتقاد التقليدية، ويبحث الناس عن أجوبة جديدة وأماكن لينتموا إليها؛ يرى هيندريكس أن الإنسانية العلمانية تقدم نفسها بوصفها فلسفةً معاصرة تجمع بين النظرة الشاملة للعالم وبين العلمانية والمجتمع.

وبالرغم من أن مزاياها ستظل محل نقاش لبعض الوقت، لكنها ستواصل تقديم الفوائد – التي كان المجتمع الديني يقدمها في السابق – لغير المؤمنين والعلمانيين والإنسانويين في المستقبل المنظور.

فلسفة

منذ 8 شهور
«بيج ثينك»: كيف يتناقض الإلحاد مع العلم؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد