تناول كولن كلارك في مقال له على موقع «ناشيونال إنترست» بالتحليل مستقبل التنظيمات الجهادية العالمية، بعد تحول العلاقة بين تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية (داعش) إلى معركة صفرية، يسعى فيها أحدهما إلى تدمير الآخر.

وأوضح كلارك أن أحد الدوافع الأساسية لمثل هذه المنافسة المحمومة هو أن أيديولوجية وأهداف التنظيمين متشابهة إلى حد كبير. اتخذ تنظيم داعش نهج العنف الوحشي وسيلة لتمييز نفسه عن منافسيه، بما في ذلك القاعدة. وتحاول كلتا المجموعتين تجنيد العناصر من نفس الأوساط. ولكن تكمن الاختلافات الرئيسية في أن تنظيم داعش سعى إلى إنشاء خلافة اعتبرتها القاعدة سابقة لأوانها، وقد اتبع الأول أجندة طائفية متطرفة في محاولة لتحقيق هذا الهدف. وحل هذه الاختلافات سيكون له تأثير كبير على مستقبل التنظيمين.

حدث الانقسام نفسه على المستويات القيادية لهذه المجموعات، لذا فإن إحدى أكبر علامات الاستفهام هي: هل يمتد الخلاف ليطال الجنود المشاة والقادة من المستوى المتوسط؟ يتساءل كلارك. بالنسبة إلى بعض المقاتلين في هذه المستويات، الأمر يشبه النزاعات بين عصابات الشوارع، حيث يقوم أعضاء عصابة ما بتمييز أنفسهم بألوان معينة، والتقليل باستمرار من خصومهم عن طريق نشر مقاطع ساخرة على الإنترنت، وتهديد المنافسين. امتدت الفتنة إلى وسائل التواصل الاجتماعي، حيث قام الزعماء من كل جانب بوصف الجانب الآخر «بالمسلمين السيئين».

مترجم: عن رواية مختلفة لقتل «بن لادن» والسؤال الذي لم يجب عنه «سيمور هيرش»

بن لادن

تحالف وُلد ميتا

الحقيقة هي أن العلاقة بين التنظيمين قد حُكم عليها بالفشل من البداية – يشير كلارك. لطالما كان داعش جناحًا مارقًا، شكّله وقاده الزرقاوي. فحتى بعد أن تعهد بالولاء لبن لادن، ظل الزرقاوي يتجاهل التوجيهات من القيادة الأساسية لتنظيم القاعدة، واتباع أجندة طائفية على أمل إشعال حرب أهلية سنية – شيعية، تتفجر في العراق، ثم تطال جميع أنحاء العالم الإسلامي. كانت إحدى الخطوات الأولى التي اتخذها تنظيم القاعدة لتقديم نفسه على أنه أكثر اعتدالًا هي التنديد بالطائفية والعمل على إقناع الزرقاوي بالتخلي عن الطائفية.

بعث الظواهري في 2005، رسالة إلى الزرقاوي يوبخه فيها بسبب ذبح جماعته للشيعة، شدد الأول على التأثير السلبي العام لهذه الأعمال على تنظيم القاعدة وحثه على تجنب استهداف المسلمين الآخرين. لكن الزرقاوي تجاهل نصيحة الظواهري، ما عزز سمعة القاعدة في العراق باعتباره منظمة قاسية هدفها سفك الدماء فقط.

تطور الخلاف إلى صراع داخلي خلال السنوات الأولى للحرب الأهلية السورية – يكشف كلارك. فبعد تفجرها، عملت القاعدة بجد لتقديم نفسها لاعبًا رئيسيًّا في الصراع؛ ولتحقيق ذلك، اضطرت إلى التغلب على العديد من المشكلات التنظيمية. كان ظهور القاعدة في سوريا عبر جبهة النصرة. وفي منتصف عام 2016، أعادت الجبهة تسمية نفسها باسم جبهة فتح الشام، ثم اندمجت لاحقًا مع جماعات إرهابية منشقة أخرى لتشكيل هيئة التحرير الشام، وهي مظلة جهادية، ووضعت مسافة أكبر بينها وبين القاعدة. اعتبارًا من منتصف عام 2018، لم يكن للقاعدة فرع رسمي في سوريا، لكن احتفظت بولاء العديد من المتشددين البارزين. وقد أعلن بعضهم عن تشكيل جماعة جديدة، وهي تنظيم حراس الدين في عام 2018.

وفي حين أن هيئة تحرير الشام تركز على الأحداث في سوريا، إلا أن تنظيم حراس الدين ربما يسعى إلى استخدام سوريا قاعدة لشن هجمات إرهابية ضد الغرب. وهذا يشكل انحرافًا في نهج القاعدة القاضي بتأسيس قاعدة شعبية في سوريا، وإذا نجح الأمر، فربما سيكون له تداعيات كبيرة على عودة المجموعة إلى مجدها السابق. زاوية مهمة أخرى هي أن هناك العديد من قدامى المحاربين الجهاديين الأردنيين بين كوادر القيادة في تنظيم حراس الدين كانوا رفقاء للزرقاوي، ومن ثم، هناك تقارب تاريخي وأيديولوجي مع داعش، مما يزيد من احتمال نجاحهم في تجنيد عناصر لصالح القاعدة.

مسلح تابع لجبهة النصرة

جاءت عملية إعادة تسمية القاعدة في سوريا جزئيًا بسبب الضرورة – يضيف كلارك – لكنها كانت أيضًا استراتيجية بطبيعتها. من وجهة نظر واقعية، أدت هذه الخطوة إلى وضع مسافة بين القاعدة ومجموعة من الخصوم. قد يكون هذا محاولة من قبل المجموعة للتعلم من أخطاء الماضي، عندما كان إحجام القيادة عن انتقاد الزرقاوي علنًا قد حقق مكاسب قصيرة الأجل مقابل خسائر طويلة الأجل وساهم في النهاية في الانقسام، وهو حدث بدا وكأنه تهديد وجودي للقاعدة طوال عام 2014. كما سعت القاعدة من إعادة التسمية إلى تقديم نفسها على أنها «البديل المعتدل» لداعش. فبينما اعتمدت داعش على فكرة الخلافة والعنف الوحشي، سعت القاعدة إلى تقديم نفسها باعتبارها مؤسسة أكثر مهارة في التخطيط الاستراتيجي ولديها فرص أكثر جاذبية للنجاح في المستقبل.

رأى الكثيرون من خبراء مكافحة الإرهاب إعادة التسمية مجرد خدعة، إلا أنها ربما تكون قد عملت على إعادة صياغة صورة القاعدة داخل سوريا. وهكذا، على الرغم من أن ظهور داعش في مرحلة ما هدد وجود القاعدة، فقد أتاح الفرصة أيضًا للأخيرة. كان القرار المحسوب لهيئة تحرير الشام بأن تنأى بنفسها عن القاعدة محاولة لتصوير نفسها باعتبارها قوة شرعية وقادرة ومستقلة في الحرب الأهلية السورية. وكان الهدف الآخر هو إثبات أن المسلحين كرسوا أنفسهم لمساعدة السوريين على الانتصار في نضالهم. أخيرًا، سيمهد إنكار التنظيم الأم علاقته بالهيئة الطريق لحلفائه السابقين للحصول على المساعدة العسكرية من مجموعة من الدول الخارجية.

الصعود الثاني للقاعدة

الآن وبعد فقدان تنظيم داعش خلافته – ينوه كلارك – قد تكون القاعدة هي المجموعة الوحيدة التي يُنظر إليها على أنها قادرة عسكريًا على تحدي قبضة نظام الأسد على السلطة، على الرغم من أن ذلك يبدو، اعتبارًا من منتصف 2018، وكأنه احتمال مستبعد. يمكن أن تثبت القاعدة بالتأكيد أنها تمثل تهديدًا طويل الأجل للاستقرار في سوريا، ويعزى ذلك في المقام الأول إلى دعمها الشعبي. على عكس داعش، يُنظر إلى القاعدة على أنه كيان مستعد للعمل مع السكان ويمتلك الموارد اللازمة لتوفير بعض مظاهر الحكم. وعلى المدى الطويل، يمكن للقاعدة أن تقلد تجربة حزب الله اللبناني، الذي يحتفظ بشرعية سياسية قوية، وفي نفس الوقت قادر على شن هجمات إرهابية ضخمة.

إن لدى القاعدة القدرة على التكيف مع مختلف الظروف. في كل من اليمن ومالي، يظهر أعضاؤه البراغماتية عند العمل في خضم الحروب الأهلية. فبعد اختراق الجماعات المتمردة المحلية، يقوم مقاتلو القاعدة بترديد مظالمها ودعم أهدافها الضيقة. ثم تكثف جهود الدعوة وتقدم رواية محددة بمزيج من الموضوعات المحلية والعالمية. على عكس داعش، فإن القاعدة على استعداد للعمل مع مجموعات أخرى، كما كانت تفعل في سوريا، حيث تدمج عادة السكان المحليين في صفوفها، مما يمنحها شعورًا بالشرعية المحلية. علاوة على ذلك، أبدت القاعدة ميلاً للتعاون فيما وراء مناطق النزاع المباشر، كما يتضح من التعاون التكتيكي المتكرر مع إيران.

إن إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل داخل الحركة الجهادية العالمية تتركز حول ما إذا كان يجب أن يركز المسلحون الجزء الأكبر من جهودهم على قتال الأنظمة «المرتدة» المحلية أم الدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة – يواصل كلارك حديثه. تمكنت القاعدة في سوريا من تعزيز شعبيتها من خلال توفير الخدمات المحلية، بما في ذلك الماء والكهرباء، ودعم المخابز المحلية والسيطرة على أسعار المواد الغذائية الأساسية في السوق. أعلنت قيادتها علنًا أنها سوف تمتنع عن مهاجمة الغرب، على الأقل مؤقتًا، من أجل تجنب الأعمال الانتقامية الغربية، مع التركيز على الإطاحة بنظام الأسد.

تدرك قيادة القاعدة في سوريا أيضًا أنها أكثر نجاحًا عندما تركز على القضايا المحلية بدلاً من صراع غير متبلور مع الغرب. ويبدو أن هذا التأجيل مسؤول جزئيًّا على الأقل عن استمرار الانشقاقات في تنظيم القاعدة في سوريا. يمكن أن يؤدي النقاش حول ما إذا كان يجب التركيز محليًا أو العودة إلى مهاجمة الغرب إلى حدوث خلل طويل الأمد ودائم داخل الحركة الجهادية العالمية. نظرًا لأن الحركة قد انقسمت بالفعل، فإن هذه القضية، على غرار القرار المتعلق بمحاولة إنشاء الخلافة، تعد خلافية من غير المرجح أن تسوى في أي وقت قريب.

أبو مصعب الزرقاوي

وبينما تتحرى القاعدة الاعتدال في سلوكياتها، تتصرف داعش بطريقة معاكسة تمامًا – يقول كلارك – حيث اتبع استراتيجية عنيفة وحشية. واعتنق الطائفية بالكامل، مما جعل قتل الشيعة على ما يبدو سبب وجوده. ومع أن دعاية القاعدة ما تزال تتخللها إشارات مهينة للشيعة، إلا أنها عمومًا تؤيد مقاربة أكثر بكثير من داعش. يختلف التنظيمان في نواح كثيرة، بعضها خفي والبعض الآخر لا. على سبيل المثال، بدلاً من العمل مع الجماعات المحلية، اتسم داعش بالدكتاتورية المطلقة، فهو يأمر الزعماء المتشددين المحليين بدلاً من العمل معهم. بالإضافة إلى ذلك، جرى فرض ضرائب على السكان المحليين وابتزازهم ومراقبتهم عن طريق شرطة داعش الدينية لضمان الالتزام الصارم بالشريعة.

تنعكس طريقة داعش في الحرب في أسلوب القتال، حيث اعتمدت المجموعة على الوسائل التقليدية للحرب، بما في ذلك المدفعية والدبابات، بالإضافة إلى بعض التكتيكات غير التقليدية. فعندما يستولي داعش على جزء معين من الأرض، غالبًا ما يعين الشيشان والتونسيين والأوزبك في قيادة المنطقة. لكن نجاحه جاء بثمن. فكلما استحوذ على المزيد من الأراضي وزاد نفوذه، زاد احتمال عدم تمكن التحالف من تجاهل تصرفاته. وكانت النتيجة أنه مقارنة بالجماعات السلفية الجهادية العاملة في سوريا، فإن الجهد الأكبر من عمليات مكافحة الإرهاب الغربية انصب على داعش، وهو تطور يناسب القاعدة. ومع تكثيف داعش نشاطه الإعلامي – ولا سيما أشرطة قطع الرؤوس، والحرق، والصلب – أيقن التحالف أنه ليس لديه خيار سوى تدمير الخلافة. وهكذا، مُنحت القاعدة في سوريا فرصة لإعادة بناء مصداقيتها وشرعيتها السياسية بين السكان المحليين. وقد وصف جارتنشتاين روس هذا بأنه «استراتيجية للنمو المتأني ومنخفض المستوى».

كيف يبدو مستقبل التنظيمين؟

إن مستقبل تنظيمي القاعدة وداعش مرهون إلى حد كبير بالمنافسة بينهما – يشير كلارك. فلا جدال في أنه ابتداءً من عام 2014، يمكن لداعش أن يدعي أنه الزعيم للحركة الجهادية العالمية. ولكن بعد انهيار الخلافة، بدأ ذلك في التغير، وقد يصاحب تراجعه الحالي عودة تنظيم القاعدة إلى الزعامة. هناك علامات واضحة على أن تنظيم القاعدة قد عدل تكتيكاته للاستفادة مما يعتبره فرصة فريدة. ففي محافظة إدلب السورية، نجح التنظيم في كسب الدعم الشعبي، وبحلول منتصف عام 2017، بدأ في قبول مقاتلي داعش السابقين في صفوفه، وهو تطور كان يُعتقد أنه لا يمكن تصوره قبل عام أو عامين فقط. تدرك قيادة القاعدة أن استجابتها للربيع العربي كانت متقلبة وأصبحت الآن في طور التعديل، حيث ركزت مواردها وطاقتها على المخاوف الأكثر بروزًا للسنة، وهي استراتيجية ساعدت المجموعة على نشر جذورها في جميع أنحاء شمال غرب سوريا. كما استخدمت هذه الاستراتيجية بنجاح في جميع أنحاء اليمن، حيث تعمل تحت مظلة جماعات سلفية مختلفة.

تنتهج القاعدة استراتيجية أكثر توازنًا موجهة نحو كسب الدعم الشعبي للسكان المدنيين. أما بالنسبة لداعش، فقد فُرضت التفسيرات الدينية الوحشية وأُنزلت العقوبات على من لم يكونوا موالين ومطيعين تمامًا. كانت القاعدة أقل صرامة بكثير وقد تكون غير مبالية بالجرائم المتصورة التي تعاقب داعش الناس عليها. يصادف عام 2018 ذكرى مرور 30 عامًا على تأسيس القاعدة، ومن الواضح أن المجموعة تطورت وتكيّفت وتعلمت مع مرور الوقت. إن قدرتها على إرساء شرعية سياسية واسعة النطاق من خلال صورة مختلفة يمكن أن تمنح المجموعة دفعة خلال عقدها الرابع.

إن تحول تنظيم القاعدة إلى منظمة أكثر تسامحًا كان جزئيًا نتيجة لقيادة الظواهري – يكشف كلارك. فعلى الرغم من كل الانتقادات التي يتعرض لها بسبب افتقاره إلى الكاريزما، وهو نقد يجده معظم خبراء التنظيمات الجهادية وجيهًا، فإن الظواهري يمنح تنظيم القاعدة ميزة الاستمرارية والتقدير التاريخي لما نجح فيه الجهاديون أو فشلوا في نضالهم المستمر ضد خصومهم. فبتوجيهاته، قامت المجموعة بتصحيح مساراتها على أساس التجربة والخطأ وسعت بنشاط لتعديل الأخطاء السابقة في العقيدة والاستراتيجية.

أيمن الظواهري

لقد بذلت القاعدة في سوريا جهودًا كبيرة لحماية صورتها من خلال إعادة تسمية فرعها عدة مرات. فاسم بلاد الشام يدغدغ مشاعر مجموعات متعددة داخل الحركة الجهادية العالمية لأسباب دينية وجغرافية. يرى الظواهري أن سوريا فرصة لإثبات أهميته، ولإظهار التنظيم باعتباره كيانًا أكثر قدرة وواقعية، ومن ثم، فإن المجموعة تستحق التعامل معها مع استمرار المنافسة.

ولعل التغيير الأكثر إثارة للاهتمام في سلوك القاعدة منذ وفاة بن لادن هو أن الجماعة لم تعد مهووسة بضرب الغرب. وفي الواقع – يؤكد كلارك – وفقًا لبروس هوفمان، أصدر الظواهري في عام 2015 أوامر صارمة لمحمد الجولاني بعدم استخدم سوريا كنقطة انطلاق لمهاجمة الغرب. وهناك عدة أسباب محتملة لهذا القرار، بما في ذلك أن البنية التحتية لتنظيم القاعدة في أوروبا لم تكن بنفس قوة داعش، وبالتالي فإن أي هجوم ربما سيبدو ضعيفًا مقارنة بما حققه داعش بالفعل.

هناك احتمال آخر أكثر خطورة هو أن الظواهري يلعب «اللعبة الطويلة» فقط بينما يخفي بشكل استراتيجي قدرات القاعدة مع خفوت نجم داعش. مجددًا، قد يتغير هذا مع استمرار انشقاق الجماعات في سوريا وظهور تنظيم حراس الدين. على الأقل فيما يتعلق بالقدرة، إن لم يكن الهدف، يمكن أن يوفر إدراك الهيكل التنظيمي للمجموعة أدلة على مدى وصولها وقدرتها على شن هجمات خارجية. فهل تتبنى المجموعة بنية أكثر مركزية للقيام بهجمات خارجية، أم أن الهجمات الخارجية هي هدف ثانوي؟ من الممكن أن تكون قدرة المجموعات الجهادية مبالغ فيها من قبل المحللين. في الواقع، قد تكون القاعدة وداعش، أقل تماسكًا مما يعتقد الخبراء والمحللون.

«ذي أتلانتك»: «جبهة النصرة» مثالًا.. لماذا تحول «الجهاد» من العالمية إلى المحلية؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد