أدار «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» حملةً دعائيةً مُتقنةً منذ اليوم الأول، ساعدته على تجنيد الكثير من الأنصار ولفتت انتباه وسائل الإعلام الغربية، التي وصل إعجابها بتلك الحملة لدرجة المديح والثناء أحيانًا، ودفعت بها إلى تصوير (داعش) في هيئة التنظيم الذي لا يُقهر. لكنَّ سيمون كوتي، خبير علم الجريمة بجامعة كينت البريطانية، نشر تقريرًا في مجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية ينتقد فيه تعاطي وسائل الإعلام الغربية مع التنظيم.

يتوقَّع كوتي أنَّه في حال مقتل أبي بكر البغدادي زعيم (داعش)، لو لم يَكُن قد مات بالفعل، سيرى خبراء السياسة الخارجية أنَّ مصرعه الدموي هو مُجرَّد انتصارٍ أجوفٍ للتحالف المدعوم من الغرب والمُناهض لـ(داعش)، وأنَّ (داعش) ستعيش كفكرةٍ ومُنظمةٍ لفترة طويلةٍ في أعقاب مقتل «خليفتها». وربما يرى البعض في قتله نعمةً للتنظيم، إذ إنَّ وفاته ستجعله يحيى شهيدًا في قلوب عددٍ أكبر من المُتشدِّدين.

ففي رأيه، في حال اعتبرنا الماضي بمثابة مُقدِّمةٍ لما نحن مقبلون عليه، هذا ما سيحدث بالفعل على الأرجح. إذ واظبت وسائل الإعلام الغربية على المبالغة في تقدير قوة التنظيم منذ صعوده إلى الساحة الدولية منتصف عام 2014، وسبغت عليه صفات الموهبة الفنية الاستثنائية، وقوة البصيرة الاستراتيجية، والقدرة على إعادة بناء نفسه والعودة من الموت، مثل بطل فيلم «المدمر (Terminator)»، لإرهاب وتدمير كل من يقف في طريقه.

«نيويورك تايمز»: كيف تسبب «داعش» في زيادة أعداد «البدون» حول العالم؟

هل (داعش) لا يُقهر؟

يؤكد كوتي أنَّ المؤسسة السياسة قلَّلت من شأن التنظيم، قبل أن تبدأ وسائل الإعلام الغربية في المبالغة بشأنه. إذ قال الرئيس باراك أوباما لديفيد ريمنيك، صحفي مجلة «نيويوركر» الأمريكية، أوائل عام 2014 إنَّ (داعش) هم «أشبال» تنظيم «القاعدة». وكان مُخطئًا في ذلك. إذ ساد الذعر الحقيقي بمجرد استيلاء (داعش) على الموصل وقطعه رؤوس الرهائن الغربيين. وبحلول سبتمبر (أيلول) عام 2014، أكَّدت النائبة الديمقراطية ديان فاينستاين أنَّ «(داعش) يشكل تهديدًا كبيرًا للغاية». لكنَّ كوتي يُخالفها الرأي، ويرى أنَّ تلك كانت مبالغة بالفعل.

أفاد التقرير أنَّه بعد مرور فترةٍ وجيزة، أصبح من الصعب أن تفتح تلفازك أو تقرأ صحيفتك دون أن تصطدم بخبرٍ مُرعبٍ عن آخر فظائع التنظيم، والتي يُنظر إليها أيضًا كدليلٍ على قوته. وكانت وسائل الإعلام الغربية الشعبية فاضحةً أكثر في هذه النقطة تحديدًا؛ إذ نشرت مقاطع الفيديو الدعائية الحقيقية التي أعدَّتها (داعش) بكل حرية، وأضافت إليها أخبارًا تُنافي العقل بكل صدق. إذ حمل أحد الأخبار الكاذبة التي نشرتها صحيفة «ديلي ميل» البريطانية العنوان التالي: «(داعش) يستخدم قنابلَ تحتوي على عقارب حيَّةٍ في محاولةٍ لإثارة الذعر، في تكتيكٍ استُخدِم منذ ألفي عامٍ ضد الرومان».

لم يقتصر الأمر على وسائل الإعلام الشعبية فقط، بحسب تقرير المجلة الأمريكية. إذ أُصيب الصحافيون والمُعلِّقون الجادُّون بالسحر المسرحي لوحشية (داعش) في ظل انبهارهم بتطوُّر وجودة المقاطع الدعائية التي يُصدرها التنظيم.

وفي عمودٍ نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية في سبتمبر عام 2014، كتب الصحفي الراحل ديفيد كار: «إذا كُنت تُشكِّك في قدرات داعش الفنية، عليك أن تُشاهد وثائقيًا أصدروه عن الفلوجة، يتضمَّن آداءً رائعًا التُقِطَ بواسطة كاميرا تحملها طائرةٌ بدون طيار. ورغم أنَّ تلك المقاطع تنقل بربرية (داعش) العنصرية، لكن داعش تمتلك وحدة إنتاجٍ مُتطوِّرةٍ بوضوح، ولديها كاميراتٌ جيدةٌ ومُشغِّلين ومُحرِّري فيديو ماهرين فنيًا يُمكنهم استخدام أفضل الأدوات».

وأوضح التقرير أنَّ كار يُشير في عموده إلى المشهد الافتتاحي من الوثائقي شديد العنف: صليل الصوارم، الجزء الرابع. وامتدح عددٌ كبيرٌ من الصحافيين براعة (داعش) في استخدام الشبكات الاجتماعية، مُشيرين إلى مدى «سلاسة» ووضوح رسالة التنظيم.

يرى كوتي أن ذلك المديح المُتملِّق ساعد على تلميع صورة التنظيم الذي لا يُقهر، وربما حفَّزه أيضًا على إنتاج المزيد من مقاطع الفيديو؛ مما ساعد في زيادة حصيلة المصدومين بمرور الوقت. وقال ريكاردو فيلانوفا، المُصوِّر الإسباني الذي قضى ثمانية أشهرٍ مُحتجزًا داخل سجنٍ داعشيٍ، لشبكة «بي بي سي» البريطانية: «أعتقد أنَّ الغرب يتحمَّل جزءًا من اللوم أيضًا، لأننا ضخَّمنا حجم الدعاية الداعشية. إذ تصدَّرت الأخبار المُتعلِّقة بداعش عناوين الصفحات الأولى في كل مرةٍ تقع فيها حادثة إعدام. وأعتقد أن ذلك دفعهم للمزيد من الوحشية من أجل تضخيم رسالتهم».

تطوُّرٌ دعائي

أشار كوتي إلى مُشكلتين في ما يتعلَّق باستجابة وسائل الإعلام لمقاطع فيديو داعش: الأولى أنَّه من المُريب أخلاقيًا أن نمتدح الأمور التي تُثير غضبنا، وثانيًا أنَّ مقاطع الفيديو لم تكن بتلك الجودة أصلًا. وبعضها لم يكُن جيدًا على الإطلاق.

أورد التقرير مثالًا على ذلك في مقطع فيديو نشره داعش باللغة الإنجليزية يوم 19 يونيو (حزيران) عام 2014 تحت عنوان: «لا حياة بدون جهاد There Is No Life Without Jihad». أظهر المقطع مجموعةً من الرجال البريطانيين والأستراليين، جالسين معًا وأرجلهم متداخلةٌ، وهم يقرأون نصًا مُحضَّرًا مُسبقًا ويُحاولون شرح أسباب مغادرتهم لبلادهم في الغرب من أجل الجهاد في سوريا والعراق.

وقال رجلٌ أطلق على نفسه اسم أبي براء الهندي: «هل أنت مُستعدٌ للتضحية بالوظيفة المرموقة التي حصلت عليها، والسيارة الكبيرة التي تمتلكها، وعائلتك؟ هل أنت مُستعدٌ للتضحية بذلك في سبيل الله؟». ظهر أبو براء الهندي مُرتديًا قميصًا من إنتاج شركة أرماني الإيطالية، وهي إطلالةٌ غريبةٌ بعض الشيء بالنسبة لمقاتلٍ جهاديٍ يخوض حربًا ضد الإمبريالية الغربية. وكشف قناع الرجل الجالس إلى يمينه عن الإرهاق الذي يُغطِّي عينيه.

في حين جلس الرجل الثالث في صمت لمُعظم الوقت فاغرًا فاه. وأفاد التقرير أنَّ المُؤثرات البصرية والصوتية في ذلك المقطع لم تكن رائعةً على الإطلاق. ولم تكُن المقاطع الأخرى أقل سوءًا، مثل المقطع «المثلي» الذي يُظهر مُقاتلي (داعش) وهم يمرحون داخل حمام سباحة، أو المقاطع التي تضُمُّ تعليقًا صوتيًّا مُبالغًا فيه يجعلها أشبه بالمقاطع الساخرة.

ويتِّفق كوتي على أنَّ مقاطع داعش تُمثِّل تطوُّرً كبيرًا بالنسبة لمقاطع أيمن الظواهري زعيم تنظيم «القاعدة»، إذ كانت طويلةً ومُملَّة يصل طول بعضها إلى قرابة الساعة أحيانًا، بينما كانت مقاطع داعش أكثر لفتًا للانتباه، حتى أكثر من مقاطع الفيديو المُضادة التي نشرتها وزارة الخارجية الأمريكية. وبالرغم من ذلك، فهي لا تستحق الحصول على كل ذلك المديح من وسائل الإعلام الغربية.

نهاية «داعش»

يرى الكاتب أنَّ وسائل الإعلام تمسَّكت بفكرة أنَّ التنظيم لا يُمكن إيقافه، رغم أن (داعش) تعرَّض للقصف باستمرارٍ على مدار العامين الماضيين في سوريا والعراق، وهو الآن على مشارف خسارة آخر معاقله، وبالتالي خلافته.

لكنَّ الكثير من المراقبين يتردَّدون في الاعتراف بحجم هزيمة (داعش)، وهم مُقتنعون أنه سيتحوَّل إلى شيءٍ أكثر إرهابًا. لدرجة أن البعض لا يستخدمون كلمة «الهزيمة» مُطلقًا، ويبدو وكأنهم من دُعاة (داعش) الذين يُحوِّلون كل خسارةٍ داعشيةٍ إلى مُجرِّد كبوةٍ مُؤقتةٍ في طريق انتصارهم المحتوم، ويُركِّزون على حقيقة أن التنظيم يمتلك معاقلَ في أماكن أخرى، مثل أفغانستان، ويرون أنه سيعود مستقبلًا مُسترِدًا عافيته.

وأورد التقرير أمثلةً على ذلك في تحذير روكميني كاليماشي، صحفية «نيويورك تايمز»، الشهر الماضي، من أنَّ (داعش) «أُعلِنَ هزيمته مسبقًا، لكنَّه عاد أقوى مما سبق ليُثبِت خطأ الساسة». وأكَّد تيم ليستر في خبره على شبكة «سي إن إن» الشهر الماضي أيضًا «وجود مُؤشراتٍ على إعادة إحياء داعش في العراق». وجاء خبر الشبكة تحت عنوان: «(داعش) لم تُهزم بعد على المستويين العسكري والأيديولوجي».

وجادل حسن حسن، الخبير الجهادي والصحافي المشارك بمجلة «ذي أتلانتك»، كثيرًا بأنَّ (داعش) سيُعيد بناء نفسه كقوةٍ مُتمرِّدةٍ إقليميةٍ داخل سوريا والعراق رغم خسارة أراضيه: «ما يزال (داعش) يتمتَّع بقدرته على العمل كتنظيم». وكتب على «تويتر» أنَّ (داعش) سيتمكَّن من تثبيت أقدامه محليًا بأساليبَ لم تُتَح له في أوج سيطرته، مُتنكِّرًا في زي التمرُّد.

لا ينفي كوتي حقيقة أنَّ (داعش) ما يزال على قيد الحياة، ويُؤكِّد ضرورة تصدِّي الصحافيين والخبراء لخطاب ترامب الرنان الذي يقول: «إنَّنا هزمنا (داعش)»، وتسليط الضوء على الفروق الدقيقة والتعقيدات بشأن الحرب المستمرة ضد التنظيم.

لكنَّه يرى أنَّهم مُلزمون أيضًا أن يعترفوا بالحقيقة التالية: (داعش) لن يتمكَّن من تكرار حجم العنف والفوضى اللذين تسبب فيهما وهو يمتلك مساحاتٍ شاسعةٍ من الأراضي والموارد والدخل المُترتب عليها. فضلًا عن أنَّ فقدان الأراضي يُقلِّل من جاذبية التنظيم عالميًا، ويزيد صعوبة تجنيد أنصاره والحفاظ عليهم، بحسب بروس هوفمن من جامعة جورج تاون.

ويُراهن كوتي في ختام تقريره أنَّ دُعاة (داعش) سيُحوِّلون الخسارة إلى انتصارٍ حين يُقتل أبو بكر البغدادي، في حال لم يَكُن ميتًا بالفعل. ويُراهن أيضًا أن هذه الخطوة الرامية لحفظ ماء الوجه ستحظى بـ«توافقٍ جماعي غريب» في ربوع «وسائل الإعلام الصليبية» الغربية، كما وصفتها صحيفة «النبأ» الداعشية الأسبوعية.

«ذي أتلانتك»: «جبهة النصرة» مثالًا.. لماذا تحول «الجهاد» من العالمية إلى المحلية؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد