لا مجال للتشكيك في دور المشاركة الشعبية السياسية في تعزيز الديمقراطية، وتقويض المسارات المؤدية إلى شيوع الاستبداد، لكن هل الدعم الشعبي للديمقراطية يمكن أن يحمي دولة ما من المستبدين؟

يجيب كريستوفر كلاسن، الباحث والمحاضر في العلوم السياسية بجامعة «جلاسكو» الأسكتلندية في تحليل نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، بأن ذلك ليس بالضرورة، مستشهدًا ببيانات دراسات استقصائية واستبيانات أجريت على مدار عقود من 151 دولة حول العالم.

ويشير الكاتب إلى احتشاد الآلاف من مواطني جمهورية التشيك في العاصمة براغ مؤخرًا للدفاع عن المؤسسات الديمقراطية، وتظاهر مليون شخص أو أكثر في هونج كونج للمطالبة بمشاركة أكبر في اختيار حكومتهم، متسائلًا هل يعود المواطنون الآن إلى النضال مجددًا بعد سنوات من الانتكاس والتراجع الديمقراطي؟

هل رغبة الجماهير في الديمقراطية مهمة؟

يقول كلاسن إنَّه منذ عصر أفلاطون، جادل المفكرون السياسيون بأن وجود رأي عام مؤيد للديمقراطية يعتبر أمرًا ضروريًّا لتحقيق ديمقراطية مستقرة وحيوية. لكن في الوقت نفسه عارض آخرون تلك الآراء باعتبارها مجرد حديث رخيص ليس له تأثير يذكر في النتائج السياسية.

وللفصل في هذا الجدال، يشير كلاسن إلى أنه استقرأ، في بحث جديد سينشر قريبًا في «المجلة الأمريكية للعلوم السياسية»، ما يمكن أن تخبرنا به 30 عامًا من بيانات استبيانات ودراسات استقصائية شاملة لعدة بلدان بشأن هذا الجدال.

Embed from Getty Images

وجمع كلاسن، لغرض البحث في هذا السؤال، كل ما استطاع العثور عليه من معايير استبيانات التأييد الشعبي للديمقراطية، أو المعارضة للأنظمة الاستبدادية. وانتهى به المطاف بتجميع قاعدة بيانات تضم 3765 رأيًا بشأن الديمقراطية، حصل عليهم من 1390 استطلاعًا منفصلًا للرأي، جرى إجراؤها في 151 دولة في الفترة من 1988- 2017.

ثم استخدم كلاسن، وفقًا لما ذكره في تحليله، إجراءً إحصائيًّا يربط بين تلك البيانات، ويراعي الاختلافات الناجمة عن صياغة السؤال، وسد الفجوات في التغطية بسبب سنوات لم يجر فيها أي استبيانات. وكانت النتيجة أن معايير الدعم الشعبي للديمقراطية تختلف من بلد لآخر، وكذلك من وقت لآخر.

وبحسب الكاتب، قد توفر هذه الأنواع من المعايير نظرة متعمقة في العلاقة بين الدعم الشعبي، والديمقراطية بدرجة أكبر من تقديمها لمحة سريعة عن البلدان التي اعتمدت فيها تلك المعايير في فترة ما. بعد ذلك، تمكن كلاسن من اختبار ما إذا كان الدعم الشعبي للديمقراطية له تأثير في حدوث تغيير ديمقراطي لاحق، وذلك من خلال دمج معايير الدعم الديمقراطي الخاصة به مع معايير الديمقراطية الليبرالية استنادًا إلى مشروع تنوع الديمقراطية (Varieties of Democracy project).

تأثير الدعم الشعبي في الديمقراطية

وجد كلاسن أن تزايد الدعم الشعبي للديمقراطية له تأثير بسيط لكنه ملحوظ في التغيير الديمقراطي اللاحق. ويتراكم هذا التأثير بمرور الوقت، إذ إن تصاعد الدعم الديمقراطي بمقدار وحدة واحدة يحفز تعزيز مستوى الديمقراطية بمقدار ست وحدات (على مقياس مدرج من صفر إلى 100) بعد 30 عامًا.

وتشير هذه النتائج إلى أن ما يعتقده الجمهور بشأن الديمقراطية يعتبر أمرًا مهمًا. فكلما تصاعد الدعم الشعبي للديمقراطية، ساهم ذلك في توسيع نطاق الحقوق الديمقراطية، وتعزيز المؤسسات الديمقراطية. والعكس صحيح، يرتبط الدعم الأقل بتراجع تلك الحقوق والمؤسسات.

ثم بحث كلاسن في ما إذا كان الدعم الشعبي تختلف آثاره في الدول الديمقراطية عنها في الدول الاستبدادية. يكشف هذا المبحث ما إذا كان الدعم الشعبي يساعد في الحفاظ على استمرار الديمقراطية في الديمقراطيات الموجودة بالفعل، أو ما إذا كان يساعد في إنشاء ديمقراطيات من الصفر. ووجد الكاتب أن ثمار الدعم الشعبي تقتصر فقط على الأنظمة الديمقراطية القائمة بالفعل.

وبناءً عليه، يساعد الدعم الشعبي في الحفاظ على استمرار الديمقراطية، لكن لا يبدو أنه يدفع المستبدين إلى تحرير أنظمتهم السياسية. إذ إن الأنظمة الاستبدادية أقل استجابة للرأي العام مقارنةً بالأنظمة الديمقراطية، فضلًا عن كونها أكثر قدرة على قمع المعارضة.

Embed from Getty Images

هل الأمر له علاقة بالاقتصاد؟

وفي ما يتعلق بأثر الوضع الاقتصادي في الحالة الديمقراطية ومقدار الدعم الشعبي لها، يقول كلاسن إن معدلات النمو الاقتصادي لا تفسر العلاقة بين الدعم الشعبي والديمقراطية، موضحًا أنه يطبق تقنيته الإحصائية على بيانات الاستبيانات والدراسات الاستقصائية الشاملة لعدة بلدان، التي وضعَّت لتقيس مدى «الرضا الشعبي عن الطريقة التي تعمل بها الديمقراطية»، وهو تحديد لقيمة الديمقراطية قائم على الأداء بصورة أكبر. ويرى كلاسن أن هذه التقييمات لا تؤدي دورًا مستقلًا في استدامة الديمقراطية.

بدلًا من ذلك، تشير البيانات، وفقًا لكلاسن، إلى أن دعم الديمقراطية القائم على أساس المبادئ يساعد على استدامة الديمقراطية. وتتسق هذه النتيجة مع النظرية القائلة إن الأنظمة السياسية تكون أكثر استقرارًا عندما تكون قوانينها وإجراءاتها «متوافقة» مع قيم الجمهور، وليس عندما يحقق النظام منافع مادية أو سياسية للمواطنين.

ماذا يعني هذا بالنسبة لتراجع الديمقراطية؟

يؤكد كلاسن أن بحثه يساعد أيضًا في فهم جذور تراجع الديمقراطية، أي عندما تقوض حكومة منتخبة المؤسسات والمبادئ الديمقراطية. فما دامت هناك مستويات عالية من الدعم الشعبي لنظام ديمقراطي، يساعد ذلك في حماية تلك المؤسسات والمبادئ الديمقراطية.

في المقابل، توفر مستويات منخفضة من الدعم الشعبي للديمقراطية ظروفًا مواتية لظهور قادة استبداديين شعبويين يهاجمون المؤسسات الديمقراطية. ووفقًا لمجموعة البيانات الخاصة بالكاتب، تشمل أمثلة لتلك الحالات ديمقراطيات كبرى مثل: جنوب أفريقيا، والبرازيل، وإندونيسيا، والهند.

Embed from Getty Images

هل تستطيع الاحتجاجات إحداث فارق؟

يحاول كلاسن تسليط الضوء على التداعيات المحتملة لخروج المواطنين إلى الشوارع للمطالبة بالديمقراطية أو الدفاع عنها، سواء بالنسبة للجمهورية التشيكية وهونج كونج أو غيرهما من الأماكن.

ويقول إنه على الرغم من أن بحثه لا يركز على الاحتجاجات تركيزًا مباشرًا، لكنه يشير إلى أن المواطنين على الأرجح يستطيعون دعم ديمقراطية قائمة بنجاح، كما في جمهورية التشيك، على سبيل المثال، أكثر من تثبيت ديمقراطية في مكان لم تكن موجودة فيه بالأساس، مثلما هو الحال في هونج كونج.

وأوضح كلاسن أن ثمة انقسامًا بين الباحثين حول ما إذا كانت الاحتجاجات الديمقراطية تساعد في الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية، مشيرًا إلى أن الأمر قد يستغرق سنوات حتى تنجح حركة شعبية في إسقاط نظام استبدادي، مثلما يتبين من الحركة المناهضة لسياسات التمييز العنصري في جنوب أفريقيا.

ومن ناحية أخرى، قد لا يحتاج الأمر سوى إجراء انتخابات واحدة فقط حتى يستطيع الشعب الدفاع عن الديمقراطية، مثلما حدث، على سبيل المثال في عام 1998، عندما أسقط الناخبون السلوفاكيون حكومة فلاديمير ميتشيار الاستبدادية على نحو متزايد.

«الجارديان»: هل الموجة الشعبوية الأخيرة تضر الديمقراطية في العالم فعلًا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
s