يقدم مركز «ستراتفور» للدراسات الأمنية والإستراتيجية توقعات قاتمة لمستقبل القضية الفلسطينية، في وقت تضيق فيه الطرق المؤدية إلى إقامة دولة فلسطينية، خصوصًا بعد موجة التطبيع العربي الأخيرة مع إسرائيل، والتي أضعفت صوت حل الدولتين، وأعطت إسرائيل ضوءًا أخضر للمضي قدمًا في بناء المزيد من المستوطنات، والاستيلاء على المزيد من أراضي الفلسطينيين، دون حتى شرعية دولية.

يحذر ستراتفور الفلسطينيين في تحليله من مواجهة احتماليةٍ متزايدة تنذر بفرض إسرائيل حل الدولة الواحدة، بينما ينشغل العالم بأولويات إقليمية أخرى؛ ذلك أن السلوك الإيراني الذي ينطوي على تهديد، بالإضافة إلى التوجه المتسارع إلى التطبيع بين العرب وإسرائيل، وضع الدولة الفلسطينية في مأزق خلال العام الماضي؛ مما أفسح المجال أمام إسرائيل – التي تنغمس في التوجه القومي أكثر من أي وقت مضى – كي تطلق يديها بحرية في سن ما تريده من سياسات. 

منطقة الشرق

منذ شهر
«واشنطن بوست»: ثمار التطبيع.. آلاف الإسرائيليين في دبي لقضاء الأعياد

وبينما تنصرم سنوات العقد المقبل، سيضطر الفلسطينيون – وفق هذا السيناريو – للاختيار بين تحويل تركيزهم، إما إلى تأميم أراضيهم داخل إسرائيل، أو تبني نهج الانتظار والترقب على أمل أن تستعيد قضيتهم أهميتها التي كانت تحظى بها من قبل. ومع ذلك يستدرك مركز الدراسات الأمنية والإستراتيجية محذرًا من أن القبول بأي شيء أقل من إقامة الدولة ينطوي على مخاطرة بإثارة موجة أخرى من التشدد والاضطراب. لكن اعتمادًا على استقرار المناخ الجيوسياسي في المنطقة، سينطوي أيضًا على مخاطرة بترك المستقبل السياسي للفلسطينيين كريشة في مهب الأقدار.

عام من الانتكاسات

يخلُص التحليل إلى أن الاضطرابات التي هيمنت على العام الماضي أسفرت عن تراجع القضية الفلسطينية إلى ذيل الأولويات الإقليمية. ففي يناير (كانون الثاني)، أوشكت حرب إقليمية أن تندلع بين الولايات المتحدة وإيران؛ ما سلط الضوء على مدى تمركز الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط الآن حول طهران، وليس رام الله.

وفي الشهر نفسه كشفت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أيضًا عن خطتها «رؤية السلام»، التي مهدت الطريق أمام التوسُّع الإسرائيلي. ثم بعد ذلك في النصف الأخير من العام وقعت الإمارات العربية المتحدة، والبحرين، والمغرب، والسودان، اتفاقيات تطبيع مع إسرائيل دون وضع شرط مسبق يضمن تعهدها بإقامة دولة فلسطينية. 

Embed from Getty Images

حتى انتخاب إدارة أمريكية أقل صداقة لإسرائيل في شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، يجادل التحليل بأنه لم يقدم سوى القليل من العزاء للفلسطينيين؛ ذلك أن الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن لم يفصح بعد عما إذا كان سيضغط على إسرائيل للتخلي عن مكاسبها الإقليمية التي حققتها في عهد ترامب. 

استكمالًا للصورة القاتمة التي يرسمها التحليل للاحتمالات المحدقة بالفلسطينيين، ينفي ستراتفور وجود مؤشرات تُذكَر على أن الاتجاهات التي انتهكت حقوق القضية الفلسطينية ستتغير؛ مستدلًا باستطلاعات الرأي العام التي تظهر تراجع اهتمام مواطني الخليج العربي بهذه القضية. وفي الوقت نفسه، أثبت الأوروبيون عدم رغبتهم في الذهاب إلى أبعد من اتخاذ رد فعل رمزي في مواجهة الإستراتيجيات الإسرائيلية. ولا يبدو أن أية قوة عظمى أخرى – بما في ذلك تركيا، وروسيا، والصين – مستعدة للتصعيد ضد التعدي الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية.

هل تنجح إسرائيل في تطبيق حل «الدولة الواحدة»؟

بالنظر إلى تقلص الدعم لإقامة الدولة الفلسطينية، تتراجع فرص الفلسطينيين في الاعتماد على القوى الخارجية للضغط على إسرائيل من أجل تغيير سياساتها. وفي هذا الوضع الراهن تنتهج إسرائيل إستراتيجية من المرجح أن تقود إلى حل «الدولة الواحدة». يرجح التحليل أيضًا أن تواصل الحكومات الإسرائيلية اليمينية المتعاقبة توسيع المستوطنات من خلال المزيد من عمليات الضم الرسمية أو غير الرسمية. وستؤدي هذه الشبكات المتجذرة من الطرق السريعة والمستوطنات – التي تسيطر عليها إسرائيل بدورها – إلى المزيد من عزل البلدات والمدن الفلسطينية عن بعضها البعض.

هذا يقود إلى سؤال يطرح نفسه: كيف سيكون رد فعل الفلسطينيين؟ ويرى المركز بحسب تحليله أن الشباب الفلسطيني قد يكون أكثر انفتاحًا على حل الدولة الواحدة، لا سيما أنه يبدو خيارًا أكثر قابلية للتطبيق – من وجهة نظر التحليل – ومن شأنه أن يسمح لهم بالاستفادة من منافع الاقتصاد الإسرائيلي، ويتيح لهم فرص السفر. 

يستكمل التحليل: كما أن بعض هؤلاء الشباب أكثر علمانية وأممية من آبائهم وأجدادهم، وبالتالي فإنهم أقل ارتباطًا بالمثل الإسلامية والقومية التي ساعدت على تأجيج أجيال النضال ضد الإسرائيليين. ناهيك عن أن آخرين نشأوا على خلفية عدة انتفاضات فاشلة وعقود من الاحتجاجات والاضطرابات التي لم تنجح في كبح جماح السيطرة الإسرائيلية، بحسب تعبير المركز.

انطلاقًا من هذه الفرضية، يستنتج التحليل أنه مع مرور السنين، وبما أن المشروع الوطني يبدو أقل قابلية للتطبيق، فقد يكون الجيل القادم من الفلسطينيين أكثر استعدادًا للضغط من أجل تدشين كيان قومي لهم داخل إسرائيل باعتباره أحد خياراتهم الأخيرة المتبقية. لكنهم في تلك الحالة سيصطدمون بكتل صلبة في صفوف القادة الفلسطينيين والأحزاب السياسية الإسرائيلية اليمينية. ذلك أن الفصائل الفلسطينية، مثل حماس لن تتخلى عن مبادئها أو الامتيازات التي تتمتع بها نتيجة قيادتها للقضية الفلسطينية. 

Embed from Getty Images

وبغض النظر عن مدى شعبية حل الدولة الواحدة لدى الجمهور الفلسطيني، يرجح التحليل أن تتشبث هذه الفصائل بموقفها المناهض لتأميم الأراضي الفلسطينية ضمن الدولة الإسرائيلية؛ لأنه من المحتمل أيضًا أن يعني نهاية وجودها كقوى سياسية وكيانات مسلحة مستقلة. علاوة على ذلك فإن الجناح اليميني في إسرائيل، المدعوم بشريحة من الشباب القومي، لن يقبل بسهولة تأميم الأراضي الفلسطينية؛ خوفًا من الإضرار بنفوذه السياسي أو الاقتصادي.

في حقيقة الأمر، إذا استطاع الفلسطينيون تأميم كامل أراضيهم، فستفقد إسرائيل تلقائيًا أغلبيتها اليهودية. ويستدل التحليل على ذلك بانخفاض معدلات المواليد بين الإسرائيليين اليهود العلمانيين، وهو ما يشير إلى أنه في مثل تلك الدولة ثنائية القومية، سيمثل العرب نسبة مئوية أكبر من السكان الإسرائيليين، وسيتزايد عددهم باطراد؛ مما يهدد الطابع اليهودي المستقبلي لإسرائيل.

وفي مواجهة معارضة هذا التأميم، سواء في الداخل الفلسطيني أو في إسرائيل، يجادل ستراتفور بأن الفلسطينيين سيصابون بإحباط متزايد، مما قد يزيد من فرص اندلاع المزيد من الانتفاضات. ولكن على عكس انتفاضات الثمانينات والعقد الأول من القرن الماضي، والتي كانت مدعومة بموجة من التعاطف الدولي المتزايد مع القضية الفلسطينية، يتوقع التحليل أن تحظى الانتفاضات العنيفة في المستقبل بتأييد دولي أقل، لا سيما في العالم العربي. 

كما أن هذه الانتفاضات المحتملة ستصطدم بجهاز عسكري وأمني إسرائيلي متترس خلف الجدران، ومحمي بوسائل مراقبة واسعة النطاق، ومدجج بمستوى متقدم من التكتيكات المناهضة للتمرد، التي تطورت منذ الانتفاضة الأخيرة في عام 2000؛ وبالتالي يستبعد ستراتفور أن تُمهِّد أية انتفاضة جديدة الطريق أمام الدولة الفلسطينية.

القضية الفلسطينية في انتظار مستقبل أفضل

في ظل عدم وجود طريقة قابلة للتطبيق للضغط من أجل التأميم، وحتى تحت وطأة الاضطرابات التي يُستبعَد أن تكبح جماح التوسُّع الإسرائيلي، يحذر ستراتفور من أن الفلسطينيين قد يُستبعدون إلى مقاعد المتفرجين، ليكتفوا بمراقبة الشروط التي يفرضها عليهم الإسرائيليون، وانتظار تحسن الظروف الدولية والإقليمية، على أمل أن تستعيد قضيتهم مكانتها العالمية التي كانت تحظى بها سابقًا في يوم من الأيام.

Embed from Getty Images

وإذا بدأ المناخ الجيوسياسي في المنطقة يجنح نحو الاستقرار، ربما في ظل اتفاق نووي جديد أو اتفاق شامل آخر مع إيران على سبيل المثال، فقد يجد الفلسطينيين حلفاء مرة أخرى للضغط على إسرائيل من أجل حل النزاع. كما يمكن لدول الخليج العربي، على سبيل المثال، الاستفادة من علاقاتهم الاقتصادية والأمنية التي جرى تطبيعها حديثًا مع إسرائيل للضغط نيابة عن الفلسطينيين في المستقبل. 

وفي ظل الانجراف الديموجرافي الليبرالي الذي يُبعِد الولايات المتحدة ببطء عن إسرائيل أيديولوجيًا، لا يستبعد التحليل أن تعيد واشنطن القضية الفلسطينية إلى قائمة أولوياتها مرة أخرى. ولأن الشرق الأوسط الأكثر استقرارًا يخفف من مخاوف الاتحاد الأوروبي بشأن اللاجئين والإرهاب، قد تصبح بروكسل في ذلك الحين أكثر استعدادًا للمخاطرة بعلاقاتها الأمنية مع إسرائيل للضغط من أجل إحداث تغيير في الأراضي الفلسطينية. 

في ختام التحليل يقول ستراتفور: إن الفرصة لم تزل متاحة أمام الفلسطينيين لاستخدام الدبلوماسية مرة أخرى في يوم ما لتسوية وضعهم النهائي. ولكنه يستدرك مرة أخرى قائلًا: الكثير من الغموض يهيمن على المنطقة والعالم، ويرجح أن ينسحب أيضًا على المستقبل السياسي للأراضي الفلسطينية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد