كتب روبرت شوا يوان، الصحافي ببلومبرج، مقالًا عن الانقلاب العسكري الأخير في زيمبابوي وما يتضمنه من احتمالات عبر مقارنته بما جرى في مصر وما وقع في الصين بعد وفاة ماو تسي تونج.

يقول الصحافي أن روبرت موجابي -المتمرد، والثوري، والمناور الميكيافيلي، والقائد الأعلى- مثّل وجه زيمبابوي لفترة طويلة إلى درجة أنه صار من شبه المحال تخيل البلاد دونه. لكنَّ شبه المحال بدأ أخيرًا في الحدوث في 14 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، عندما زحفت الدبابات إلى العاصمة هراري، واحتجزت القوات المسلحة موجابي وزوجته جريس. وقال متحدثون عسكريون إنهما: «بخير حال وإنَّ أمنهما مضمون».

حكم موجابي البلاد لـ37 عامًا ــ وهي كامل الفترة التي عاشتها زيمبابوي بعد سقوط حكومة الأقلية البيضاء فيما كان يعرف سابقًا باسم روديسيا. في هذه العقود الأربعة تدهور الاقتصاد فتحولت البلاد من سلة غذاء غنية بالموارد إلى سلة فارغة. وقد أدى القمع العنيف الذي مارسه موجابي إلى أن أصبح منبوذًا في معظم العالم. أصبح وجه موجابي وجهًا لا يحبه سوى زملائه اليساريين الاستبداديين والحكومة الصينية المتعطشة للبضائع، إذ وصلت قيمة التجارة الصينية في زيمبابوي الواقعة جنوب القارة الإفريقية، إلى ما قيمته 1.6 مليار دولار، ويحظى الجيش الزيمبابوي بعلاقات وثيقة مع جنرالات بكين.

اقرأ أيضًا: لماذا يسيطر أي انقلاب عسكري على إعلام الدولة أولًا؟

موجابي سقط بمؤامرة نصبها لنفسه

لكنَّ الأهم -بحسب التقرير- على الرغم من التراجع الاقتصادي والعزلة الدولية، أنَّ موجابي كان سيد زيمبابوي بلا منازع، متغلبًا على الكثيرين ممن كان سوف يكتب لهم النجاح بما في ذلك شريكه في زعامة الانتفاضة ضد حكم البيض، جوشوا نكومو. بدا أنَّ نظام موجابي على وشك الاستعداد لرئيس وزرائه الثالث في غضون ثلاث سنوات عندما استولى الجيش على الشوارع ومحطة التلفاز الحكومية. وقد كان من المتوقع أن يعين موجابي (93 عامًا) زوجته جريس (52 عامًا)، رئيسة جديدة للوزراء.

الرئيس الزيمبابوي روبرت موجابي

وقال الصحافي إنَّ سقوط موجابي لم يؤد إلى رقص الناس في الشوارع. إذ لا يشبه الأمر، من قريب ولا بعيد، التطورات التي وقعت أواخر القرن العشرين والتي نتج عنها انهيار الكتلة السوفيتية أو الإطاحة بفرديناند ماركوس في الفلبين، حيث أدت قوة الشعب إلى إثارة الوعد بالإحياء الديمقراطي والإصلاح. ويعد هذا الفعل العسكري، الذي يرفض الجنرالات تسميته انقلابًا، آخر فصل من فصول صراع مرير داخل أروقة النظام السياسي لموجابي، والذي أدى إلى سقوط الرئيس في شبكة المؤامرة والخيانة التي نصبها بنفسه.

ويعد زعيم هذه الانتفاضة، الجنرال كونستانتين تشيوينجا، قائد القوات المسلحة، حليفًا مقربًا من أشرس منافسي جريس، ألا وهو الوريث المخلوع فيما يبدو، إيمرسون منانجاجوا. كان منانجاجوا هو من يدير الجهاز الأمني المخيف للبلاد، إلى جانب كونه رفيق سلام للرئيس خلال القتال ضد نظام البيض. ويلقب بالـ«تمساح».

ولما استولى الجيش على محطة الإذاعة الرسمية أصر المتحدث باسم الجيش، اللواء سيبوسيسو مويو، على أنَّ موجابي ليس مستهدفًا وقال: «نحن فقط نستهدف المجرمين حوله الذين يرتكبون جرائم تسبب معاناة اجتماعية واقتصادية في البلاد بغرض تقديمهم إلى العدالة». وما زال من المنتظر أن نرى إذا ما كانت جريس واحدة من هؤلاء الأعداء. ولم تكن السيدة الأولى، التي تعد قوة استقطاب في البلاد، خجولة قط فيما يتعلق بطموحاتها أو عداوتها مع منانجاجوا.

وقد أصبحت جريس في السنوات الأخيرة مركز عصبة الشباب في حزب موجابي الحاكم. ومما أزعج زوجها، أنَّ حلفاء منانجاجوا كثيرًا ما استخدموا هذه الجملة ضدها: «إنَّ القيادة ليست مما ينتقل جنسيًا» وفي 6 نوفمبر الجاري عزل الرئيس منانجاجوا، الذي فر من البلاد قائلاً إنه يخشى على حياته. وفي 13 من الشهر ذاته صرح تشيوينجا، الذي عاد لتوه من رحلة إلى الصين: «عندما يتعلق الأمر بحماية ثورتنا، فإنَّ الجيش لن يتردد في التدخل». وكذا فعل الجيش في اليوم التالي.

زيمبابوي vs مصر

يبدو أنَّ الجيش الزيمبابوي، الذي له ضباط تلقوا تدريبات في مصر كما في الصين، قد نجح في التغلب على مناورة موجابي لتنصيب زوجته خلفًا له.

لم يجعل حكم موجابي من ازدهار الديمقراطية أمرًا سهلاً ــ على الرغم من أنَّ للبلاد مؤسسات ديمقراطية وحزب معارضة قابل للنمو، وإن تم التغلب عليه. ذلك أنَّ المستبدين لا يغرسون الديمقراطية في عوالمهم. وقد نجح موجابي، الذي مورست عليه ضغوط لإجراء الانتخابات في الماضي، في تخريب نتائج هذه الانتخابات والبقاء في السلطة، ليثبت أنَّ الديمقراطية ليست طريقًا ذا جدوى لكل من له طموحات سياسية حقيقية في زيمبابوي. ولا يؤدي تدخل الجيش أي تغيير لذلك الأمر.

إذ كتب إلي ليك، الصحافي ببلومبرج فيو قائلاً: «إنَّ البلاد تستحق أفضل من ذلك. لم يفت الأوان بعد لقيام الجيش بالإعداد لانتقال حقيقي للديمقراطية والدعوة لانتخابات. لكن من شبه المؤكد أنَّ الجنرالات لن يفعلوا ذلك. حتى الآن يبدو أنهم قد مهدوا الطريق ليحل أحد أتباع الديكتاتور محله».

وقال روبرت إنه لفهم ديناميكية الأحداث في هراري، ينبغي عقد مقارنة بينها وبين ما حدث في مصر في 2011 وذلك بحسب توني كارون، وهو ناشط معارض للفصل العنصري في جنوب أفريقيا، يعمل الآن محررًا بالجزيرة. إذ بينما رأى معظم الناس فيما يسمى بالربيع العربي انتفاضة شعبية للإطاحة بالرئيس مبارك، استخدم الجيش المصري هذه الانتفاضة للتأكد من أنَّ مبارك، الذي كانوا يدعمونه، لن يحظى بفرصة تعيين ابنه جمال خلفًا له ــ حتى لو توجب عليهم لقاء ذلك تأخير خططهم عبر فترة وجيزة من حكم الإخوان المسلمين.

ويبدو أنَّ الجيش الزيمبابوي، الذي له ضباط تلقوا تدريبات في مصر كما في الصين، قد نجح في التغلب على مناورة موجابي لتنصيب زوجته خلفًا له.

زيمبابوي vs الصين

لماذا لا يقومون بالإطاحة بالرئيس مباشرة؟ ربما يحدث هذا لاحقًا. لكنَّ روبرت موجابي لا يزال الوجه التاريخي للثورة ــ وربما تكون ثمة حاجة لفترة انتقالية تحفظ ماء الوجه. والمقارنة هذه المرة معقودة مع الصين، حيث كانت جيانج كينج وباقي عصابة الأربعة مستعدين للاستيلاء على السلطة فور موت زوجها، ماو تسي تونج، مؤسس جمهورية الصين الشعبية الشيوعية.

صورة تجمع بين الرئيس الزيمبابوي روبرت موجابي والرئيس الصيني شي جين بينج

بعد إحباط محاولتهم وإلقاء القبض عليهم، قال المروجون الحكوميون إنَّ هوا جيو فينج، وهو شخصية انتقالية، وريث أيديولوجي حقيقي لماو ليشرحوا سبب إخفاء إبعاد أرملة ماو تمامًا عن الصورة. وفي نهاية المطاف استولى دينج شياو بينج، العقل المدبر الحقيقي وراء الإطاحة بجيانج، مقاليد السلطة الحقيقية.

في زيمبابوي، هذه المقاليد في أيدي تشيوينجا ومنانجاجوا. ولو كان لنا أن نعتبر بالماضي، فإنَّ صعودهما لا يعد بتغيير مؤسسي. إذ ارتبط منانجاجوا بتطهير دموي وقع في الثمانينيات لجماعة نديبيلي العرقية في الجزء الجنوبي من البلاد، على الرغم من إنكاره الضلوع في هذا الأمر. وقد يصل عدد من قضوا في هذا التطهير العرقي، الذي ارتكبه لواء دربه كوريون شماليون، إلى 20 ألف إنسان.

وقد كان هذا اللواء الذي أطلق له العنان مرعبًا إلى درجة أنَّ العملاء الأقوياء لمخابرات جنوب أفريقيا قيل إنهم كانوا يخشون الوقوع في يد قوات الأمن الزيمبابوية. يقول الكاتب: »لما كنت مديرًا لأخبار مجلة أخرى، ذهب أحد مراسلينا إلى زيمبابوي والتقطته الشرطة في بلدة صغيرة في الجنوب لممارسته الصحافة دون تصريح. ولم ننجح في تنظيم هروبه إلا في اللحظات الأخيرة قبل وصول مسؤولين من هراري لاستجوابه».

والآن صار موجابي تحت رحمة حماته العسكريين. ربما ينجح في التغلب عليهم إذ كان قد نجا من هزائم محققة من قبل. لكنَّ الرئيس يعاني من مشكلات صحية وهو الآن في أرذل العمر. وعليه فربما يكون هذا نهاية المطاف بالنسبة له.

عادة ما يكون سقوط الطغاة مادة مسرحيات تتناول الأخلاق ــ وسوف يوفر موجابي للتاريخ تنويعات على الحقائق القديمة للسلطة المطلقة. والسؤال الأكثر إلحاحًا الآن هو: هل يغير السادة الجدد لزيمبابوي من البلاد؟

مرة أخرى، بحسب كارون، المقارنة مع مصر. فبعد الإطاحة بالإخوان المسلمين تولى الجنرال عبد الفتاح السيسي في النهاية الرئاسة، وبعد أن صمد أمام الانتقادات الدولية، أصبح الوجه المقبول للبلاد، والوجه الأكثر ملاءمة للمستثمرين الدوليين إذ وعد الجيش الذي يدعمه بالاستقرار. ربما تحاول زيمبابوي الأمر ذاته مع منانجاجوا أو شخصية أخرى.

واختتم الصحافي مقاله بالقول إنَّ هذا الأمر يحمل في طياته خطرًا وفرصة على حد سواء. فهو خطر لأنَّ القبول الدولي الأوسع لقيادة زيمبابوي سوف يعزز من سيطرة الجيش وقوات الأمن على البلاد. وهو فرصة لأنَّ المجتمع الدولي من الممكن له أن يحاول الاستفادة من نفوذه المالي لفرض إصلاحات سياسية هيكلية في البلاد. بالنسبة لزيمبابوي، فربما لا يكون الأمر مهمًا ــ ما دام الصينيون يحبون الوجه الجديد للبلاد، أيًا كان من سوف يكون هذا الوجه.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد