نشر مركز «بروكنجز» الدوحة، التابع لمعهد بروكنجز في واشنطن العاصمة؛ الذي يقدم بحوثًا وتحليلات حول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تقريرًا لـشادي حميد، زميل أول في مركز سياسة الشرق الأوسط، قسم السياسة الخارجية، تحدث فيه عن الأنظمة العربية وعلاقتها بإسرائيل على مدى سنوات، وما الذي سيتغيَّر مع تطورات الأوضاع في غزة وعموم فلسطين المحتلة.

استهل الكاتب تقريره بالقول: قبل شهرين، صرَّح جاريد كوشنر متحدثًا عن المستقبل وكأنه على ثقة بما سيحدث فيه، قائلًا: «إننا نشهد آخر بقايا الصراع العربي الإسرائيلي». وكانت النظرية بشأن الصراع العربي الإسرائيلي من وجهة نظر صهر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وكبير مستشاريه متمثلة في أنَّ حل مشكلة فلسطين يكمن في ممارسة المزيد من الضغط غير المسبوق على الفلسطينيين.

الدول العربية تنْفَضُّ واحدة تلو الأخرى من حول فلسطين

يقول الكاتب: لم يكن من الواضح كيف سيُطبَّق هذا على أرض الواقع. فالفرضية كانت تقول إنه مع التهديد بالعزلة والشعور بعدم الأهمية، واحتمال خسارة كل شيء بدلًا من الحصول على بعض الشيء من شأنه أن يُجبر السلطة الفلسطينية على أن تقبل بأقل بكثير مما يمكن أن تحصل عليه سياسيًّا. وكانت هذه الفرضية مبتكرة. وأيًّا كان ما يمكن قوله عن الرئيسين باراك أوباما وجورج دبليو بوش، ونهجِهما في إدارة الصراع، إلا أنهما وجدا مكانًا أحيانًا للجزرة وليس للعصا فقط. 

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 4 شهور
«جاكوبين»: ليس لإسرائيل حق «الدفاع عن النفس» لأنها دولة احتلال

وثبت اعتقاد آخر لكوشنر أكثر وضوحًا، وهو أن الدول العربية يمكن أن تَنْفَضَّ من حول الفلسطينيين واحدةً تلو الأخرى. وبعبارةٍ أخرى، يمكن فصل الصراع العربي الإسرائيلي عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وهذا هو ما كان عليه الحال منذ عقود. ودعمت واشنطن سلامًا منفصلًا بين إسرائيل وجيرانها الرئيسيين، ونجحت في ذلك مع مصر عام 1978، ومع الأردن عام 1994. وفلسطين هي السبب الأساسي لنشوب صراع بين إسرائيل، والدول العربية في المقام الأول. ولذلك، فإن تجاهل فلسطين وصنع سلام مع إسرائيل يُعد عملًا لا يستهان به ويعكس الأدوار.

وقدَّم المؤرخ سيث أنزيسكا في كتابه «منع فلسطين أو Preventing Palestine» رواية منقحة لاتفاقيات كامب ديفيد تتوِّج الرئيس جيمي كارتر بالإنجاز الكبير في السياسة الخارجية، ففي الأصل، كانت رؤيته متمثلة في تحقيق تسوية شاملة تضم الفلسطينيين. ولكن في هذه المحادثات، كانت الأولوية القصوى للرئيس المصري أنور السادات، والتي يمكن القول إنها كانت أولويته الوحيدة، هي استعادة الأراضي المصرية المحتلة في سيناء. ومن خلال تحقيق سلام مع إسرائيل، يضمن السادات أيضًا مكانًا لمصر في الفلك الأمريكي. ولكن كان ثمن ذلك تقليل مكانة القضية الفلسطينية، بحسب المؤرخ. وربما لم يكن هذا هو القصد (على الأقل من جانب كارتر) ولكنها كانت النتيجة. وفي رواية أنزيسكا، فيما يخص الفلسطينيين على الأقل، كانت كامب ديفيد نوعًا من الخطيئة الأصلية مقترنةً بتبعات الإدراك المتأخر.

سلامٌ مع إسرائيل من أجل عيون فلسطين

يشير التقرير إلى أنه فيما يخص الدول العربية، كان هناك دائمًا حجة بأن سلامها مع إسرائيل يصب في مصلحة الفلسطينيين، بل ربما صدَّقوا هم أنفسهم هذه الحجة، بحسب حميد. فربما تسمح لهم العلاقات الدبلوماسية في التأثير على أفعال إسرائيل، إذ تمنحهم بعض النفوذ والتأثير. ولكن من الناحية العملية، فقدت هذه الأنظمة ما كانت تتمتع به من نفوذ وتأثير. وحصلت إسرائيل على ما أرادت، وحيَّدت التهديد العسكري المتوقع من المنافسين العرب الرئيسيين. ويتساءل حميد ما الذي تبقَّى لمصر كي تقدمه أيضًا؟

Embed from Getty Images

واليوم أُضيفت الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب والسودان إلى القائمة من خلال «اتفاقيات أبراهام». وبدا أن السعودية هي الدولة القادمة، على الأقل حتى الوقت الذي سبق اندلاع الاشتباكات الحالية. وكان هذا حدثًا غير مسبوق؛ إذ التقى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان سرًا برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نوفمبر (تشرين الثاني). وكان كوشنر محقًا في أنه من شأن اتفاقات السلام هذه أن تتسبَّب في عزلة للفلسطينيين. ولم يخفِ القادة الفلسطينيين في الضفة الغربية شعورهم بالخيانة (انتقدوا هذه الاتفاقات، والدول العربية التي وقَّعت عليها). 

وكانت فلسطين قد تراجعت بالفعل عن مكانتها المركزية (المتصورة) في المخيلة العربية، على حد تعبير الكاتب. وتجلى مع الربيع العربي أن ساحة المعركة الرئيسة في المنطقة ليست بين العرب وإسرائيل؛ بل بين الأنظمة وشعوبها، أو على نحو أوضح، بين الأنظمة والحركات الإسلامية. وفيما يخص الحكام المستبدين، كان بقاء أنظمتهم يأتي في المرتبة الأولى وقبل أي شيء آخر. بينما كان تركيز الجماعات المعارضة مُنصبًا على التحوُّل الديمقراطي في الداخل. وبعد أن أخفقت آفاق الديمقراطية، أصبح استمرار بقاء هذه الجماعات فقط هو الشغل الشاغل لها. ومن ثم جعلت الفوضى والتشرذم الذي أعقب الربيع العربي وعواقبه من المستبعد أن يحظى الفلسطينيين باهتمام كبير من جيرانهم العرب.

وهكذا أصبح من السهل أن نتخيل كيف رأى ثلة من القادة العرب أن هذا هو الوقت المناسب للتقارب مع إسرائيل، والاستفادة من التعاون الأمني والاقتصادي الذي ينتج من عملية السلام. وفيما يخص دول الخليج، والسعودية على وجه الخصوص، كانت أي خطوة من هذا القبيل بمثابة مخاطرة. ولكن مع تراجع فلسطين عن مكانتها في أجندة العمل الإقليمي، أضحت المخاطرة مقبولة. وقد يكون هناك القليل من التذمر، ولكن ليس أكثر من ذلك. وحتى في هذه الأثناء وفي ظل النزاع الدائر في غزة، يبقى من المرجح أن تبقى التداعيات عند حدها الأدنى، لا سيما في الدول التي تخضع فيها وسائل الإعلام، بما فيها وسائل التواصل الاجتماعي، لسيطرة شديدة من جانب الدولة. والسعودية والإمارات والبحرين من أكثر الدول قمعًا في المنطقة. وفي الوقت نفسه، نجحت الأنظمة هناك في تشكيل نوعٍ جديدٍ من القومية بين المواطنين الأصغر سنًّا. 

السعودية.. من المرجعية الدينية إلى القومية

ويلفت التقرير إلى أن السعودية حالة مثيرة للاهتمام فعلًا؛ إذ طالما اعتمدت العائلة المالكة هناك على شرعية دينية معينة. ونظرًا لأنها تضم الحرمين الشريفين، قدَّمت السعودية نفسها في كثير من الأحيان على أنها تعطي الأولوية للقضايا الإسلامية على القضايا الأخرى. ولكن برزت في عهد محمد بن سلمان «قومية سعودية» جديدة. ويُترجَم هذا في السياسة الخارجية إلى شعار «السعودية أولًا».

ومع أخذ ذلك في الاعتبار، فإن رواج وَسْم «فلسطين ليست قضيتي» في السعودية في الوقت الذي تشتعل فيه الأحداث في غزة ليس مفاجئًا كما قد يبدو عليه. إلا أنها سرعان ما روَّجت لوَسْم آخر بعنوان «فلسطين قضيتنا الأولى». وفي أثناء ذلك، توصلت بعض الشخصيات السعودية البارزة إلى حل وسط، وربما وجدت أن هذا الموقف هو أفضل ما يُرضي الديوان الملكي؛ انتقاد إسرائيل بشدة وانتقاد حماس بشدة أيضًا.

Embed from Getty Images

ووفقًا لأندرو ليبر، مرشح الدكتوراه في جامعة هارفارد، الذي يدرس وسائل التواصل الاجتماعي السعودية، أفسحت التغطية المتواضعة في وسائل الإعلام المملوكة للسعوديين والإماراتيين المجال أمام التغطية الأكثر انتقادًا لإسرائيل. ويذكر الكاتب أن أندرو قال له: «إنه بمجرد أن ظهرت إشارات في التصريحات الرسمية إلى أن السعودية منحازة إلى جانب الفلسطينيين، بدأتُ أرى المزيد من التأييد للفلسطينيين على تويتر السعودية».

ولطالما كانت فلسطين تثير المشاعر، كانت كذلك وستبقى دومًا، بحسب تعبير الكاتب. فهي واحدة من آخر القضايا المتبقية التي بإمكانها أن تحشد دعمًا واسعًا وحقيقيًّا يعبر الحدود العربية. ولهذا السبب يجب أن تُدار الرسائل الصادرة عن الأنظمة بعناية كبيرة. فالتضامن المتخطي لحدود الدولة، سواءً أكان بدافع العروبة أم الإسلام، يمثِّل تهديدًا لا يمكن السيطرة عليه بسهولة؛ لذا فالهدف يكمن في تقليله وتقييده.

وفيما يخص الأنظمة المختلفة إذن، تمثل عودة مشاعر التضامن تجاه الفلسطينيين مشكلةً لهم، والتوقيت اليوم ليس جيدًا أيضًا. ففي العام الماضي فقط، كتب صحافيون وكتَّاب أعمدة إماراتيين وسعوديين كبار من أمثال عبد الرحمن الراشد عن اتفاقات إبراهيم أنها «خطوة عظيمة تخدم الشعب الفلسطيني أولًا، والإمارات والعرب ثانيًا»، مع أنه واجه صعوبةً في الحفاظ على هذا الموقف طويلًا.

ويختم الكاتب تقريره بالقول إن هذه حال مضطربة بعض الشيء، فكما وصفها الخبير السياسي الإماراتي عبد الخالق عبدالله، فإن الصراع في غزة يضع شركاء إسرائيل العرب الجدد في «موقف حرج»، إلا أنه يمكن إدارته. لكن هذا يعتمد على إمكانية احتواء الصراع في غزة وأزمة القيادة في الضفة الغربية والعنف الطائفي بين العرب واليهود في إسرائيل نفسها. وللأسف لا أعرف إن كان هذا ممكنًا أم لا، وكذلك القادة العرب لا يعرفون.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد