2,818

سلط تقرير في مجلة «إيكونوميست» الضوء على التحديات التي تواجهها البنوك التركية، في ظل أزمات الاقتصاد المتلاحقة وانخفاض سعر العملة، وإلى أي حد تساهم قرارات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في حدة الأزمة.

وتفتتح المجلة تقريرها بالقول: على منحدر تل في حي قاسم باشا في إسطنبول، يقع «ملعب رجب طيب أردوغان» الذي تبلغ سعة مدرجاته نحو 14 ألف متفرج، سمي الملعب الذي عرف قبل ذلك باسم «ملعب قاسم باشا» تيمنًا باسم لاعب الكرة السابق ابن الحي الذي صار فيما بعد رئيسًا للبلاد، يعيش «ملعب أردوغان» هذه الأيام أيامًا من المجد، بعدما تمكن فريق قاسم باشا من الفوز بمبارياته الأربعة الأولى في الدوري التركي الممتاز بكرة القدم.

لكن على العكس، وفقًا للتقرير، لا تبدو أرقام أردوغان في «ملعب» الاقتصاد التركي بالنجاح ذاته، بالكاد يناضل الاقتصاد من أجل الحياة، وقد فقدت العملة المحلية (الليرة) هذا العام نحو 40% من قيمتها أمام الدولار، سيما بعد تفاقم الأزمة إثر أزمة دبلوماسية اندلعت بين أنقرة وواشنطن قبل أسابيع، كما وصل معدل التضخم إلى 18%. كانت استجابة البنك المركزي التركي بطيئة نوعًا، مدفوعة بضغوط مارسها الرئيس التركي لإبقاء أسعار الفائدة منخفضة، لكن في 13 سبتمبر (أيلول) الجاري، رفع سعر الفائدة بـ 6.25 %، وهي قيمة أكثر بكثير مما توقعته الأسواق، لتصل إلى 24%، وهو الأمر الذي استجابت له العملة التركية بالصعود سريعًا.

تذكر «إيكونوميست» أن الاقتصاد التركي يعاني مؤخرًا من السقوط السريع، حيث انخفض النمو من 7.4% في الربع الأول من العام إلى 5.2% في الربع الثاني، كما يتوقع أن ينخفض الناتج المحلي الإجمالي خلال هذا العام، ووصل العجز في الميزان التجاري إلى 6% من الناتج المحلي الإجمالي، وفي محاولة للتأقلم مع التضخم، انخفض معدل الإقراض البنكي، حتى بالنسبة للشركات الكبرى.

ويمثل هذا التوقف المفاجئ مشكلة كبرى بالنسبة للبنوك كذلك، وقد بدأت بعض إشارات الخطر في الظهور بالفعل، إذ انخفضت حصة أسهم بعض البنوك المدرجة بنحو 40% خلال هذا العام، كما تأثرت كذلك بعض البنوك الغربية التي تملك حصصًا في البنوك التركية، مثل المجموعة المصرفية الإسبانية «BBVA» (التي تمتلك نصف بنك غارانتي التركي) وبنك «UniCredit» الإيطالي (يمتلك بشكل غير مباشر 40% من حصة بنك يابي كريدي التركي)، وفي الشهر خفضت وكالة «موديز» للتصنيف الائتماني من تصنيف 18 من المقرضين الأتراك.

في مقابل ذلك، فإن الإجراءات المعتادة التي تحاول بها البنوك التركية الاستجابة للأزمة لا تزال تؤدي بشكل جيد، حيث بقيت «نسبة كفاية رأس المال» (نسبة رأس مال البنك إلى مخاطره) أعلى من المعدلات المعتادة، ما يعني أن تلك البنوك لا يزال بإمكانها امتصاص بعض الصدمات. كما أنهم يتمتعون بسيولة كافية راكمتها سنوات سابقة من النشاط. ويؤكد سام جوداكر من «جي بي مورجان» للخدمات المصرفية أن البنوك التركية لديها هوامش لصافي الفائدة تصل إلى 4%، ومن ثم فإن بإمكانها التعامل مع تكاليف التمويل الأعلى.

«المركزي» يتحدى أردوغان ويدهش الأسواق.. ماذا يعني رفع أسعار الفائدة في تركيا؟

ويطرح التقرير تساؤلًا حول إلى أي حد يمكن أن تتورط البنوك التركية في المزيد من المشاكل؟ ينطبق ذلك على عاملين: أولهما رغبة المقرضين الأجانب في الاستمرار بضخ الأموال إليها. اقترضت البنوك التركية الكثير من الأموال من الخارج، وبعض تلك الأموال أُقرت لشركات تركية كانت متحمسة لرؤية الدولار واليورو بأسعار منخفضة. بعضها تمت مبادلته بالليرة، لتلبية الطلب على العملة المحلية، وهو الأمر الذي تجاوز بكثير ودائع الليرة. ثمة ضوابط تجبر البنوك على تخفيض احتمالية تعرضها لمخاطر العملة، لكن المقرضين الأجانب ربما يتخوفون من عدم قدرة المستدينين الأتراك في النهاية على الوفاء بمتطلبات الدين. وسيسقط نحو 100 مليار دولار من الدين الخارجي للبنوك التركية في خلال عام، منها أكثر من 20 مليار دولار على هيئة قروض، بما فيها القروض المشتركة التي يجب أن يعاد تدفعها أو تخضع لإعادة الجدولة بحلول نهاية 2018.

وتنقل «إيكونوميست» عن أحد المصرفيين على اطلاع بالسوق، فإن كلفة القروض المشتركة قد تضاعفت في النصف الثاني من العام، ومن غير المحتمل أن تتمكن البنوك من تأجيل سداد كافة الديون التي حان أجل استحقاقها، لكن وفرة السيولة المالية بإمكانها أن تسد ذلك العجز. كما يتوقع أن يُبقي المقرضون الأجانب الذين تعاملوا معهم لمدة طويلة على دعمهم للعلاقات بين الجانبين. ويذكر جوداكر أن «آك بنك» التركي مثلاً، الذي يحين موعد سداد 940 مليون دولار من ديونه هذا الشهر، لديه علاقات مع 300 بنك أجنبي، حصل من 40 منها على قروض مشتركة في مثل هذا الوقت من العام الماضي.

مصدر الصورة – إيكونوميست

العامل الثاني هو مدى قدرة الشركات التركية المقترِضة من البنوك على الوفاء بالتزاماتها المصرفية، وإلى أي مدى يمكن أن تتحول قروض البنوك لها إلى «قروض سيئة». لسنوات طويلة كانت الشركات تقترض بالدولار أو اليورو في مقابل أسعار فائدة منخفضة للغاية، وقد أدى سقوط الليرة إلى جعل تلك الديون أكثر كلفة. بالتأكيد فإن بعض المقترضين لديهم موارد دولارية، كما حاول البعض أخذ الحيطة للأزمة حيث أجبرت بعض مراكز التسوق من تجار التجزئة أن يدفعوا قيمة إيجاراتهم بالدولار وليس العملة المحلية، لكن بالتأكيد لا تتمتع كل الشركات بكل تلك المزايا، وإذ فشل المستأجر في دفع الإيجار، فإن المؤجّرين كذلك سيكونون في أزمة.

حتى الآن، لا تتجاوز«القروض السيئة» للبنوك أكثر من 3%، وفقًا للمعايير اليونانية والإيطالية. وتعطي البنوك الحكومية أرقامًا أقل من المقرضين غير الحكوميين -قد تكون تلك الأرقام مضللة بالطبع-، وقد كانت البنوك الحكومية أكثر حرصًا على إقراض الشركات الصغيرة تحت مظلة «صندوق ضمان الائتمان» الحكومي، في محاولة لإبقاء الاقتصاد نشطًا، ويبدو أن النسب سترتفع بالتأكيد، لكن ذلك سيأخذ وقتًا.

 اشترى المراقبون الوقت لأجل البنوك، حيث خففوا القواعد على «القروض السيئة» المحتملة، وأرجؤوا عملية إعادة تقييم القروض بالعملات الأجنبية بالنسبة لليرة -الأمر الذي كان من شأنه أن يخفض من نسب رأس المال البنكي-، ولولا أردوغان لربما لم تثر الأسئلة حول البنوك التركية من الأساس. ومنذ أن بدأ «الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي» في 2014 في تخفيف التيسير الكمي، بدا واضحًا أن أيام «المال الرخيص» في الأسواق النامية قد باتت معدودة، وبحسب التقرير أن أردوغان، وبدلاً من الاعتراف بالحقيقة، قد غامر بالاقتصاد التركي ومضي به إلى «حائط سد».

وتختتم «إيكونوميست» بالقول: نجح أردوغان في إجهاض انقلاب 2016، وتمكن من كسب سلسلة متتالية من الاستفتاءات والانتخابات، محكمًا قبضته أكثر فأكثر على السلطة، غير أردوغان قواعد السياسة التركية، لكن في المقابل لا يمكنك فعل الشيء نفسه بالنسبة لقوانين الاقتصاد، كما هو الأمر بالنسبة لكرة القدم.

كيف دخل اقتصاد تركيا في النفق المظلم؟ ملف «ساسة بوست» عن أزمة الليرة التركية

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك