بعد عرض فيلم «الباباوان»، الذي عُد واحدًا من الأفلام القليلة التي ناقشت مشكلات الكنيسة بشفافية وثورية، نشرت «واشنطن بوست» الأمريكية مقالًا كتبه تشيكو هارلان، مدير مكتب الصحيفة في العاصمة الإيطالية روما، حيث يقع مقر الفاتيكان، يناقش فيه العلاقة بين البابا فرانسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية الحالي، وسلفه البابا بنديكت السادس عشر، الذي استقال من منصبه عام 2013.

وبدأ هارلان مقاله بالإشارة إلى أن المكتب الصحفي للفاتيكان يرسل، بين الحين والآخر، رسالة بريد إلكتروني إلى الصحافيين يعلن فيها أن البابا فرانسيس التقى سلفه، البابا بنديكت السادس عشر. وغالبًا ما تتضمن هذه الرسائل، التي لا تتجاوز عادة جملة أو اثنتين، العديد من الصور التي تظهر فرانسيس وهو يمسك يد بنديكت النحيلة، أو يجلس بجانبه في شقته. ولا تكاد الصور تُعطي فكرة عما دار في اجتماعاتهما، لكنها تظل أقرب إطلالة أتيت لنا.

وأضاف الكاتب أن الاثنين التقيا مؤخرًا، خلال حفل الترحيب بالكرادلة المعينين حديثًا، وكانا يجلسان على كراسي متماثلة في مواجهة المجموعة، ويرتديان ملابس بابوية بيضاء متماثلة تقريبًا، على غرار المشهد المكرر الذي لم يكن من الممكن تصوره في المذهب الكاثوليكي حتى وقت قريب نسبيًّا.

الباباوان

وقال الكاتب إنه نظرًا إلى التفُّرد والغموض اللذين يكتنفان علاقة فرانسيس وبنديكت، فقد كان مثيرًا أن يعِدَ الفيلم الذي ينافس على جائزة الأوسكار، من إنتاج شركة (نتفليكس)، بمساعدة المشاهدين على تخيُّل تلك العلاقة. لكنه عندما شاهد فيلم «الباباوان» لم يستطع الفكاك من الشعور بأن «الفيلم لا يخبرنا بشيء جديد على الإطلاق أكثر من الصور الصادرة عن الفاتيكان».

وأوضح الكاتب أن «الباباوان»؛ هو فيلم شبه كوميدي يدور حول علاقة صداقة وثيقةٍ أثناء فترة انتقال تاريخيّ في مسيرة الكنيسة. ويصور الفيلم فترة في عام 2012، عندما كان بنديكت ما يزال يشغل منصب البابا، ولم يكن تربطه علاقة حقيقية مع فرانسيس، الذي كان اسمه آنذاك: الكاردينال خورخي بيرجوليو، ويشغل منصب كبير أساقفة بوينوس آيرس.

في الفيلم، تجمع قصة مفتعلة الرجلين معًا؛ عندما يطير بيرجوليو «الذي يمثل دوره جوناثان برايس» إلى إيطاليا للقاء بنديكت «الذي يجسد دوره أنتوني هوبكنز» ويطلب بتوسلٍ أن يأذن له في التقاعد (وهذا، على حد علمنا، لم يحدث). 

يتجادل الرجلان ويطرحان خلافاتهما على طاولة التشريح، على مدار أيام، حتى يستريح بنديكت إلى وجهة نظر بيرجوليو الأكثر حداثة، ويأتمنه على خطته الصادمة للتقاعد، ثم يعترف بخطاياه وإخفاقاته بين يدي رجلٍ أصبح يراه خير خلف له. وفي وسط هذه الأجواء، يُعَلِّم بيرجوليو بنديكت كيف يرقص التانجو، ويشاهد الاثنان سويًّا إحدى مباريات كأس العالم، حتى ينزل تتر النهاية.

انتقال البابوية لم يكن سهلًا

بيد أن الأمور التي جعلت العلاقة بين بنديكت وفرانسيس على هذا القدر من الإثارة، وربما التوتر، إنما تكشفت في السنوات التالية، بحسب الكاتب الذي أوضح أنه كان بإمكان الفيلم – الذي يقترب أكثر من التوتر الحالي – أن يبحث عن السبب في كون انتقال البابوية من بنديكت إلى فرانسيس كان خطيرًا للغاية، وكيف أصبحت بابوية فرانسيس أكثر صعوبة مع وجود بنديكت في الظل، وكيف يمكن أن ينسحب الصراع المتجذر داخل الكنيسة على علاقة رجلين مختلفين تمام الاختلاف، ويبدو أنهما رغم ذلك يحاولان – وفقًا للمعلومات القليلة التي نعرفها – أن يعاملا بعضهما بعضًا بشيء من الدفء والاحترام.

Embed from Getty Images

وتابع الكاتب قائلًا إن «بنديكت وفرانسيس أصبحا بالتأكيد أكثر تعقيدًا مما كانا عليه قبل عدة سنوات، إن لم يكن كأشخاص، فكصانعَيْ قرار». 

ويصور الفيلم بنديكت بوصفه شخصًا ضد التغيير، محبًّا للكتب ومنعزلًا، ويشعر أن قوة الكاثوليكية تأتي من حقائقها الثابتة. ورأى الكاتب أن هذا الوصف منصف، وفقًا لمعظم الروايات، لكنه يستدرك بأن هذا الوصف يُغفِل أيضًا شتى المناحي التي كان بنديكت رائدًا فيها. ليس فقط من خلال قراره بالتخلي عن منصبه، بل من خلال القرارات الأصغر والمعقدة التي اتخذها بعد ذلك، كاختياره الاحتفاظ باسمه البابوي، واختياره الاستمرار في ارتداء الرداء الأبيض البابوي، واختياره البقاء داخل الفاتيكان، على بعد خطوات فقط من فرانسيس. وبعد ذلك، وبشكل تدريجي، أصبح رمزًا للمقاومة بالنسبة للكاثوليك المعارضين لبابوية فرانسيس الإصلاحية.

لقرون عديدة، كان ينظر إلى احتمالية وجود اثنين من الباباوات الأحياء كخطر على الكنيسة، وكان الأمر متروكًا لبنديكت لصياغة القواعد – غالبًا على نحوٍ غير ملائم- بما يضمن كبح جماح المخاطر والمشكلات. وكان أن انسحب تقريبًا من الحياة العامة كوسيلة لإعطاء سلطة كاملة لخلفه، وقال سابقًا في مقابلة نادرة: «هناك بابا واحد؛ هو: فرانسيس». 

لكنه لم يتصرَّف وفقًا لقواعده الخاصة بشكل كامل؛ ففي وقت سابق من هذا العام، أصدر خطابًا حول موضوع الاعتداء الجنسي، يقدم تشخيصًا مطولًا للأزمة المركزية للكنيسة. وكانت أفكاره على النقيض تمامًا تقريبًا من أفكار فرانسيس.

يتابع الكاتب قائلًا: يُصَوَّر فرانسيس في الفيلم على أنه كاردينال يتمتع بحس الإنسان العادي؛ فهو يحب البيتزا وكرة القدم، ويتحاشى الرفاهية، ويحمل أمتعته الخاصة. تطارده بعض أشباح القرارات التي اتخذها في الماضي (اتهامات بالصمت حيال ممارسات النظام الديكتاتوري الأرجنتيني في السبعينيات)، لكن الفيلم لا يدع مجالًا كبيرًا للشك في أنه يقف على الجانب الصحيح من تاريخ الكنيسة؛ فهو واضح الرؤية حيال شرور الاعتداء الجنسي، وتجاه حاجة الكنيسة إلى توسيع نطاق إصلاحاتها.

وأشار كاتب المقال إلى أن انتخاب فرانسيس لمنصب البابا لم يكن الانتصار النهائي للبابوية الحديثة، كما قد يدفعنا الفيلم إلى الاعتقاد بذلك. إذ تبين أن لدى فرانسيس سجلًّا ملطخًا في الرد على جرائم الاعتداء (الجنسي). وعندما يتعلق الأمر بنشر بيانات عن حالات الاعتداء، كان الفاتيكان أقل شفافية مما كان عليه في عهد بنديكت.

وأضاف الكاتب أن فرانسيس كرّس نفسه للقضايا المهمة – الهجرة والتفاوت الاقتصادي وتغير المناخ – لكنه واجه رد فعل عنيف من الكاثوليك التقليديين الذين نحاهم جانبًا، وهم يشعرون بأنهم يدافعون عن المبادئ التي يؤمن بها بنديكت، لكنه لا يستطيع البوح بها.

وتابع قائلًا إنه حتى بالنسبة للمراسلين الذين يعملون خارج روما، فمن شبه المستحيل معرفة كيف يبقى فرانسيس وبنديكت حقًّا على وفاق؛ إذ تنحو ميول الفاتيكان للثرثرة إلى الصمت إذا اقترب شخص من البابا. 

Embed from Getty Images

وعندما سُئِل البابا عن بنديكت، في شهر يونيو (حزيران)، أثناء عودته من رومانيا على متن الطائرة البابوية، بدأ فرانسيس بوصف زيارته مع البابا الفخري بإيجاز، وهو يأخذ يد بنديكت، ويصغي إليه وهو يتحدث ببطء ولكن بعمق. وقال فرانسيس: «لديه وضوح كبير، كما هو الحال دائمًا.. وعندما أسمعه يتكلم، أصبح قويًّا».

ولكن بعد ذلك توقف فرانسيس عند خط التماس، وتحدث عن كيف أن تقاليد الكنيسة في «حالة حركة دائمة»، وكيف أن التقاليد ليست «متحفًا».

وقال فرانسيس: «إن التقاليد هي الجذور التي تضمن للأشجار والزهور أن تنمو وتؤتي ثمارها»، قبل أن يغير الموضوع مرة أخرى، ولم يكن واضحًا ما إذا كان البابا يعرض وجهات نظره، أم يقدم تفسيرًا لآراء بنديكت. وفي كلتا الحالتين، لم يبد مثل بنديكت في أي شيء.

وأوضح الكاتب أن الباباوات محميون، حتى أكثر من رؤساء الدول، من خلال التقديس والعالم المُذَهَّب الذي يحيط بهم. ومن المفيد في بعض الأحيان التفكير فيهم كرجال – حتى لو اضطررنا إلى تخيل ذلك – يرهقون من السفر، أو يستمتعون بوجبات الطعام، أو يكتبون خطابات لا يحبونها، أو يتساءلون عما إذا كانوا يُبلون بلاء حسنًا في وظيفتهم. وبهذه الطريقة، يصبح بمقدور الخيال أن يقتحم عالمهم السري.

وأشار الكاتب إلى أنه يحب أن يتخيل الباباوين يتحدثان معًا، ليس فقط يخوضان معركة كلامية حول أيديولوجية متعلقة بالكنيسة، ولكن يتساءلان عما إذا كانا يساعدان بعضهما بعضًا، أو يسببان الضرر بعضهما ببعض. 

واختتم مقاله بقوله: إن هذه المحادثات ربما تحدث في الواقع، فنحن نعلم بالفعل أن الباباوين يعيشان في المكان ذاته، وتحيط بهما الجدران القديمة ذاتها، ويجلسان معًا من وقت لآخر.

الأرثوذكس والكاثوليك والبروتستانت.. هل تعرف الفرق بين هذه الطوائف المسيحية؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد