بينما تتجه الأوضاع في الشرق الأوسط نحو مزيد من الانهيار والانزلاق نحو الهاوية بوتيرة متسارعة لم يسبق لها مثيل، تعاني تركيا، التي تعد جزيرة من الاستقرار النسبي في بحر من الاضطرابات، من خطر تصاعد موجة انعدام الأمن وعدم الاستقرار على حدودها.

يفرض ذلك على الآخرين ضرورة تخفيف العبء التركي وإعادة توطين أكثر من مليوني لاجئ يتواجدون على الأراضي التركية وليس بامكانهم العودة إلى وطنهم مرة أخرى. الدبلوماسية الداعمة في منظمة حلف شمال الأطلسي يمكنها أن تساعد أيضًا.

وفي الوقت الذي وعدت فيه الحكومة التركية الحالية الأتراك بتبني سياسة خارجية تستند إلى عدم إثارة القلاقل مع الدول المجاورة، تواجه تركيا بعد عقد من الزمان واقعًا غير مبشر فيما يتعلق بعلاقاتها مع دول الجوار.

لم يعد الوئام التركي المثمر الذي كان قائمًا قبل ذلك مع إسرائيل قائمًا. وتراجعت العلاقات مع أرمينيا وأذربيجان على حد سواء. الشريك التجاري اليونان يعاني من ركود عميق. قبرص تنتظر الحل. روسيا تواصل إثارة الاضطرابات في أوكرانيا وأوروبا الشرقية وجنبًا إلى جنب مع إيران لدعم بشار الأسد في سوريا.

وتواجه تركيا تفكك سوريا والعراق والتهديدات المتعددة للسلام الذي يشكله النظام الغارق في الدم السوري والمتعصبين المتوحشين في تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وغيره من التنظيمات المسلحة. في الوقت نفسه، تترنح المصالحة مع أكراد الداخل لإنهاء الصراع الداخلي المستمر منذ عقود مع التمرد الإرهابي الكردي، حزب العمال الكردستاني، على حافة الهاوية.

اتخذ المشهد الأمني بدوره منحى آخر الأسبوع الماضي عندما قصف تنظيم الدولة، الذي طالما اعتبرته أنقرة أهون الشرين مقارنة بالأسد، مركزًا تجمعيًا في سروج، داخل الحدود التركية، مما أسفر عن مقتل أكثر من 30 مواطنًا تركيًا، بما في ذلك الكثير من الأتراك الكرديين.

حزب العمال الكردستاني، في المقابل، قتل اثنين من الشرطة التركية على ما يبدو احتجاجًا على الفشل التركي المزعوم لحماية الأكراد. فيما بعد، قصفت أنقرة أهدافًا لتنظيم الدولة في الداخل السوري وكذا أهدافًا لحزب العمال الكردستاني في شمال العراق واعتقلت المئات من المشتبه فيهم من المتشددين والمتعاطفين مع حزب العمال الكردستاني في تركيا، يتمركز البعض منهم في بعض الوجهات السياحية.

وفي خطوة تشي بتغير كبير في السياسات التي تتبناها تركيا، وافقت أنقرة مؤخرًا بحسب التقارير الواردة على السماح للولايات المتحدة باستخدام العديد من المنشآت العسكرية التركية ضد تنظيم الدولة، ولا سيما قاعدة انجرليك العسكرية، الأمر الذي وصفه أحد المسؤولين الأمريكيين بـ”تغيير قواعد اللعبة”.

وفي هذا الشأن، تفيد التقارير بأن المسؤولين الأتراك والأمريكيين يقولون بأن الولايات المتحدة، في المقابل، سوف تتعاون في إنشاء منطقة عازلة داخل سوريا، هدف تسعى إليه تركيا منذ فترة طويلة من شأنه أن يأوي في وقت واحد السوريين الفارين من القتال الدائر، وخلق مساحة آمنة في سوريا يمكن لأنقرة أن تعيد من خلالها بعض اللاجئين الذين تم إيواؤهم وتحبط أي طموحات كردية لإنشاء منطقة حكم ذاتي على الحدود التركية السورية.

في الوقت نفسه، داخل حدودها، تحمل تركيا عبئًا إنسانيًا واقتصاديًا غير متناسب بشكل كبير ولدته أسوأ أزمة للاجئين يحياها هذا الجيل. غالبًا ما يطلق على تركيا الجسر الذي يربط بين الشرق والغرب، ولكن بالنسبة لمليون سوري تم منحهم حق اللجوء من تركيا، فإن تركيا هي جسر إلى العدم.

ورغم أن تركيا تعكف على بناء أماكن لإيواء اللاجئين السوريين، فإن جيرانها الأوروبيين يبنون الحواجز على حدودهم ويخططون للقيام بعمل عسكري في البحر. ثمة تقارير تتحدث عن اعتزام بعض الدول الأوربية تفجير قوارب الصيد التي قد تنقل اللاجئين عبر البحر الأبيض المتوسط،  وهي فكرة أدانها قادة الأمم المتحدة والصليب الأحمر والفاتيكان.

الحكومات الأوروبية، وفقًا لمنظمة العفو الدولية، تعهدت بإيواء ما يقرب من 40 ألف لاجئ سوري فقط، 30 ألفًا منهم في ألمانيا وحدها.

يأتي هذا في الوقت الذي أنفقت فيه الحكومة التركية 7 مليار دولار حتى الآن لإيواء اللاجئين. بينما لم تتجاوز قيمة المبالغ المالية التي تلقتها أنقرة من المجتمع الدولي كمساعدات للاجئين 400 مليون دولار. وقد أنشأت تركيا 25 مخيمًا للاجئين لإيواء 260 ألف لاجئ سوري.

هذا بالإضافة إلى السماح لمليون ونصف لاجئ سوري بالتواجد والعيش خارج الملاجئ في تركيا. ومن المتوقع أن يصل العدد الإجمالي للاجئين في تركيا وحدها إلى 2.5 مليون شخص بحلول نهاية العام.

من جانبه، يشعر الشعب التركي بأن الواجب الأخلاقي يفرض عليه مساعدة الجيران الذين يفرون من الموت والدمار. غير أن الكثيرين في تركيا تنتابهم مخاوف من أن هذه الاستجابة الحالية لهذه المشكلة قد لا تدوم طويلًا. الحرب الأهلية السورية أفضت إلى تبعات سلبية كبيرة على صعيد العلاقات الاقتصادية التركية مع سوريا والعراق التي كانت مزدهرة فيما قبل. أضف إلى ذلك ما تعانيه حركة السياحة الأوروبية في الأسواق التركية من ركود في الوقت الراهن.

يعي الأتراك أن استضافة هذا العدد الكبير من اللاجئين يمثل عبئًا اقتصاديًا جائرًا وقنبلة اجتماعية موقوتة، خطرًا محتملًا على الاستقرار والازدهار التركي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد