أكثر من ثماني سنوات مرت على ظهور عملة «بيتكوين»، ونظرًا للزيادة الهائلة في قيمتها، والتي تخطت الآن 19 ألف دولار، زاد اهتمام البنوك المركزية حول العالم بهذه العملة الرقمية. ويواجه الاقتصاديون الآن قضية هامة، تتلخص فيما يجب أن يقوموا به من أجل الاستجابة لنمو العملات الرقمية المشفرة التي تحظى بالمزيد من الاهتمام يومًا بعد يوم؟

في تقرير نشرته شبكة «بلومبرج» الأمريكية، استعرض الكاتب «إريك لام» موقف بعض البنوك المركزية الكُبرى حول العالم من ظهور ونمو البيتكوين، والعملات الرقمية بشكلٍ عام.

اقرأ أيضًا: بعد تفوقها على الذهب.. هل تقود «بيتكوين» العالم لتبني نظامًا ماليًا جديدًا؟

الولايات المتحدة: قلقٌ إزاء الخصوصية

صرح جيروم باول، عضو مجلس إدارة المجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (المجلس الذي يقوم بعمل البنك المركزي في       الولايات المتحدة)، بأن «التحكم في نظام العملات الرقمية المُشفرة، وإدارة المخاطر المتعلقة بها، هما العاملان الحاسمان في تحديد موقف الولايات المتحدة من تلك العملات»، وأشار  إلى «وجود تحديات – تتعلق بالخصوصية – تحول دون تعامُل البنك المركزي الأمريكي بهذه العملات المشفرة».

في حين صرح راندال كوارلز، نائب رئيس قطاع الرقابة في  المجلس الاحتياطي الفيدرالي، في الأول من ديسمبر (كانون الأول) الجاري، بأن «الأمر يستحق التفكير، بالرغم من  أن البنك المركزي لا يمتلك سياسة واضحة لتنظيم بيتكوين». فيما أشار باول جيروم في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، إلى أن «حجم العملات الرقمية قد  يكون مؤثرًا على السياسة النقدية في المستقبل، لكن في الوقت الحالي لا يعُد حجمها كبيرًا بالدرجة الكافية».

منطقة اليورو: فقاعة اقتصادية

حذر البنك المركزي الأوروبي عدة مرات من مخاطر الاستثمار في العملات الرقمية، وقال نائب رئيس البنك المركزي الأوروبي، فيتور كونستانسيو، في سبتمبر (أيلول) الماضي،«إن بيتكوين ليست عملة، لكنها تشبه زهرة التوليب»، في إشارة إلى الفقاعة الاقتصادية أحدثتها زهرة التوليب في القرن السابع عشر. وقد حذّر عضو المجلس التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي، بينوا كوور، من عدم استقرار قيمة بيتكوين، ومن كونها وسيلة للتهرب الضريبي، وارتكاب الجرائم.

وقد أكد رئيس البنك الأوروبي، ماريو دراجي، «أن تأثير العملات الرقمية على الاقتصاد الأوروبي محدود، وأنها لا تشكل تهديدًا على احتكار البنوك المركزية للمال».

الصين: مستعدون

أعلنت الصين بشكل واضح أن بنك الصين الشعبي (البنك المركزي الصيني) مسيطر بشكل كامل على العملات المشفرة، وذلك بعد إنشائه فريقًا للبحث والتطوير عام 2014؛ من أجل دراسة العملات الرقمية. وبالرغم من أن البنك المركزي الصيني يرى أنهم مستعدون بالفعل لمواكبة تكنولوجيا العملات الرقمية، إلا أن الصين تمنع تداول بيتكوين، وتتصدى لأية جهة خاصة تُصدِر عملات رقمية.

ولم تُعلِن الصين بعد عن موعد بداية تعاملها بالعملات الرقمية، لكنَّ السلطات ترى أن تداول العملات الرقمية يمكن أن يُحسّن كفاءة الدفع، ويسمح بتحكّم أكبر في المال.

اقرأ أيضًا: «بلومبرج»: تخزن أموالك «بيتكوين»؟ ماذا لو وقعت كارثة عالمية عطلت الإنترنت!

اليابان: لا زالت في مرحلة الدراسة

صرّح محافظ البنك الياباني المركزي، هاروهيكو كورودا، في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بإنه «من المهم دراسة هذه العملات بشكل عميق، بالرغم من أن البنك ليس لديه خطة وشيكة لإصدار العملات الرقمية». وقال كورودا: إن «إصدار البنك المركزي عملات رقمية، بمثابة إعطاء أي شخص حق الوصول إلى جميع الحسابات البنكية، لكن الأمر يحتاج إلى إعادة النظر في المهام الأساسية للبنوك المركزية».

ألمانيا: حذر إزاء العملات الرقمية

أبدى البنك المركزي الألماني تخوفه الصريح من ظهور البيتكوين والعملات الرقمية الأخرى، خاصةً وأن الكثير من المواطنين الألمان يُفضّلون الدفع النقدي. وقد وصف كارل لودفيغ ثيل، عضو مجلس إدارة البنك المركزي الألماني، البيتكوين، بأنها «نوع من المضاربة، ومن شأنها عرقلة الأعمال المصرفية»، لكنه عاد وصرح بأن «البنك يدرس تطبيق تكنولوجيا العملات الرقمية في أنظمة الدفع».

المملكة المتحدة: ثورة محتملة

أشار مارك كارني، محافظ بنك إنجلترا، إلى العملات الرقمية باعتبارها جزءًا من ثورة محتملة في مجال التمويل، ورأى كارني أن التكنولوجيا القائمة على قاعدة بيانات المحاسبة الموزعة (بلوك تشين) واعدة جدًا؛ إذ يمكن أن تساعد البنوك المركزية على تعزيز حمايتها ضد الهجمات الإلكترونية. في الوقت ذاته، أوضح كارني أن بنك إنجلترا أمامه وقت طويل قبل إنشاء نسخة رقمية من الجنيه الإسترليني.

فرنسا:حذر شديد

أعلن محافظ بنك فرنسا، فرانسوا فيليروي دي جالو، أن المسؤولين الفرنسيين حذرون بشدة فيما يتعلق بـبيتكوين؛ وذلك لعدم وجود مؤسسة عامة وراءها تعطيها الثقة. مشيرًا إلى أن جميع الأمثلة التاريخية على العملات الخاصة انتهت بشكل سيئ. وأوضح «دي جالو» أن بيتكوين لها عيوبها؛ فهي عُرضة لهجمات قرصنة البيانات، وأن الأشخاص الذين يتعاملون بها، يفعلون ذلك على مسؤوليتهم الشخصية.

الهند: منعٌ تام

خوفًا من إمكانية استخدامها في غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، أظهر البنك المركزي الهندي موقفًا معارضًا للعملات الرقمية، لكن – وبالرغم من ذلك، فإن – البنك الاحتياطي الهندي يدرس فكرة دعم البنوك المركزية للعملات الرقمية، والتي يمكن أن تضفي صفة القانونية على هذه العملات.

البرازيل: ندعم الابتكار

أصدر البنك المركزي البرازيلي بيانًا، في نوفمبر  الماضي، أكّد فيه على عدم وجود خطر مباشر من العملات الرقمية على النظام المالي البرازيلي، لكنه لم يزل مستعدًا لتطورات استخدام تلك العملات. وتعهّد البنك بدعم الابتكار المالي، بما في ذلك من  سُبل تكنولوجية جديدة قد تجعل النظام المالي أكثر أمنًا وكفاءةً.

كندا: ممتلكات وليست صورة للأموال التقليدية

صرحت كارولين ويلكينز، نائب رئيس البنك المركزي الكندي، والتي تقود حاليًا بحثًا متعمقًا حول العملات الرقمية، بأن العملات الرقمية ليست صورة حقيقية للأموال، بل يجب معاملتها باعتبارها ممتلكات، أو طريقة لتأمين المال، كما وصفت التكنولوجيا التي تقوم عليها تلك العملات، بأنها تكنولوجيا واعدة من شأنها جعل النظام المالي أكثر كفاءة.

كوريا الجنوبية: تحذير من استخدامها في الجرائم

يواصل البنك المركزي الكوري تحذير المواطنين من إمكانية استخدام العملات الرقمية كأداة لارتكاب الجرائم؛ إذ صرح نائب رئيس البنك شين هو سون، في نوفمبر الماضي، بأن عملية مراقبة العملات الرقمية، والبحث في شأنها، أمر مُلِح وضروري. فيما حذر  رئيس الوزراء الكوري من أن يتسبب تداول العملات الإلكترونية في إفساد جيل الشباب.

روسيا: تشبه النظام الهرمي

أعرب البنك المركزي الروسي عن قلقه من الأخطار المحتملة للعملات الرقمية، وهو ما قاد رئيسته، إلفيرا نابيولينا، للتصريح بأن «البنك المركزي يرفض هذا النوع من الأموال التي لا يمكن تعقُّبها، وأنه لن يتبناها؛ لأنها تتبع نظامًا هرميًا. ومع ذلك يفضل البنك الروسي تأخير اتخاذ أي قرار حاليًا بشأن تلك العملات، ما لم يطلب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قرارًا عاجلًا حولها». في المقابل صرح نائب رئيس البنك المركزي، الروسي سيرجي شفيتسوف، بأن «البنك المركزي سيعمل مع المشرعين على حجب المواقع التي تسمح بشراء وتبادل البيتكوين».

اقرأ أيضًا: جنون البتكوين.. هل اقتربت العملة الافتراضية من محطتها الأخيرة؟

أستراليا: هوس المضاربة

انتقد رئيس البنك المركزي الأسترالي العملات الرقمية أثناء خطاب ألقاه في سيدني، في 13 ديسمبر الجاري؛ معللًا ذلك بأنها مرشحة بقوة للاستخدام من قِبل المجرمين أكثر من المستخدمين العاديين. وقال «فيليب لوي»: «إن الاهتمام الكبير والمتنامي حاليًا بالعملات الرقمية، ناتج عن هوس المضاربة، أكثر من كونه يدور حول طريقة فعالة ومناسبة للدفع الإلكتروني»، كما أكد أن «البنك لا ينوي إطلاق عملية رقمية خاصة به، وأن البنك المركزي على تواصل مع نظرائه في دول مختلفة، وأغلبهم لا يرى إمكانية قرب إصدار عملة رقمية خاصة به».

تركيا: العملات الرقمية عنصر مهم

قال مراد سيتينكايا، محافظ البنك المركزي التركي، في نوفمبر  الماضي: «إن العملات الرقمية بإمكانها أن تشارك في تحقيق الاستقرار المالي إذا صُمِمت بشكل جيد، لكنها أيضًا قد تشكل خطرًا على البنوك المركزية، ومدى سيطرتها على الأموال وضبط الأسعار وإصدار السياسات المالية». ومع ذلك؛ فهو يرى أنها تمثِّل عنصرًا هامًا في الاقتصاد الجديد غير القائم على الأموال الورقية، وأن تلك التكنولوجيا بإمكانها تسريع عمليات الدفع وزيادة كفاءتها.

هولندا: الأكثر جرأة

عندما نتحدث عن تجربة العملات الرقمية، تعتبر هولندا من بين أكثر الدول جرأة في التعامل مع الأمر؛ فمنذ عامين أصدر البنك المركزي الهولندي عملته الرقمية الخاصة، والتي حملت اسم DNBcoin (للتداول الداخلي المحدود فقط)؛ وذلك من أجل فهم أعمق لطريقة عمل تلك العملات. وعند عرض النتائج خلال العام الماضي، قال رون بيرندسن، القائم على المشروع «إن تكنولوجيا  المحاسبة الموزعة (بلوك تشين) يمكن استخدامها لحل التعقيدات المتعلقة بالعمليات المالية التقليدية».

الدول الإسكندنافية: استكشاف الخيارات

تمامًا مثل هولندا، تسعى بعض السلطات في الدول الاسكندنافية لاستكشاف فكرة العملات الرقمية. فعلى سبيل المثال يفكر البنك المركزي السويدي، أقدم البنوك المركزية في العالم، في إصدار عملة «كرونا» إلكترونية ترتبط بقاعدة البيانات المركزية للحسابات البنكية في البلاد، ويمكن تخزين قيمتها في تطبيق إلكتروني أو بطاقة دفع. كما أكد البنك أن تقديم تلك العملية لا يخالف السياسات النقدية للبلاد. وتستكشف النرويج أيضًا خيارًا مماثل حاليًا، فيما أبدى محافظ البنك المركزي الدنماركي اهتمامه بالعملات الرقمية.

نيوزيلندا: عملات غير مستقرة

حذر جرانت سبنسر، محافظ البنك المركزي النيوزيلندي، من أن الارتفاع الجنوني في أسعار البيتكوين أشبه بفقاعة المضاربة، مؤكدًا أن العملات الرقمية حل حقيقي وواقعي لمستقبل التعاملات المالية، وأنها ستكون جزءًا هامًا من ذلك المستقبل، ولكن لا علاقة لذلك بما يحدث حاليًا مع البيتكوين.

المغرب: ضد القانون

كأحد ردود الأفعال الأكثر صرامة حول العملات الإلكترونية، أعلنت المغرب أن تلك العملات بجميع صورها وتعاملاتها مخالفة لقوانين التداول، وأن التعامل بها يُعرِض للمساءلة القانونية، كما حذرت السلطات من فكرة إخفاء هوية من يقوم بالتعاملات، وما يمكن أن ينتج عنها من أخطار متعددة.

اقرأ أيضًا: ثروات العرب تلهث خلف «بيتكوين».. فهل تشكِّل خطرًا على اقتصاد المنطقة؟

بنك التسويات الدولية: لا يمكن تجاهلها

أعلن بنك التسويات الدولية، والذي يعد بمثابة البنك المركزي للبنوك المركزية حول العالم، أنّ صُنَّاع السياسات المالية لا يمكنهم تجاهل نمو العملات الرقمية، وأنه ربما سيكون عليهم – في مرحلة ما – إطلاق العملات الرقمية الخاصة بهم. ويرى البنك أن أحد الخيارات المتاحة، والتي قد تُعدُّ حًلا، تتمثل في أن تطرح البنوك المركزية عملاتٍ إلكترونية يمكن تحويلها بشكل مباشر إلى أوراق نقدية. ومع ذلك، فقد حذر البنك من خطورة ذلك على مجال الأعمال والأسواق المختلفة، واحتمالات أن تواجه تلك الأسواق مشكلة في السيولة النقدية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد