في عمق مقر الفيسبوك الجديد الضخم، وهو أكبر مساحة عمل في العالم، يقبع مكتب ليندسي راسيل.

المكتب عبارة عن لوح أبيض، يبلغ طوله 5 أقدام، وهو بلا أدراج. وفوقه هناك مساحة لجهاز الكمبيوتر المحمول وشاشة كمبيوتر، وعدد قليل من أدوات الزينة. راسيل، وهي خبيرة ترويج للعلامة التجارية، لديها أيضًا كرسي مكتب ومنطقة لوضع الملفات. هذا كل شيء. فلا وجود لرف لتعليق المعطف، ولا هاتف فوق المكتب. لا توجد جدران للمكتب. ولا أقسام. يلتصق مكتبها مع خمسة مكاتب أخرى، مشهد يتكرر في جميع أنحاء المكان الكهفي الذي صممه فرانك جيري والذي يعج بـ2800 موظف.

حتى الرئيس التنفيذي مارك زوكربيرج يجلس في مكان مفتوح على أحد تلك المكاتب. وهو مكتب ليس به أي امتيازات لكونه يخص المؤسس الثري لواحدة من شركات وادي السيليكون الأكثر أهمية.

تحتاج إلى الخصوصية؟ تنتشر غرف اجتماعات صغيرة في كل مكان. أو يمكنك وضع سماعات الرأس.

عند دخول مقر الفيسبوك الجديد تشعر وكأنك تدخل مكتب المستقبل، فهو مفتوح، بسيط وغير رسمي. إنه المكان الذي يبدو فيه التغيير نعمة، والهيكل الإداري الذي يضم المكاتب يبدو كأثر مقدس. يبرز المبنى باعتباره مثالًا صارخًا على الكيفية التي تعتزم بها شركات وادي السيليكون تغيير طبيعة العمل. والأمر يتجاوز امتيازات الرفاهية مثل التدليك، ولعب البينج بونج وتقديم ثلاث وجبات يوميًّا.

إنهم يحاولون جعل العمل مريحًا قدر الإمكان، كما یقول جريج  ستيفانسيك وهو مدير الهندسة.

مع ذلك، لن يكون مكان العمل الجديد موضع ترحيب من قبل الجميع. فالمكاتب المفتوحة مثيرة للجدل، على الرغم من أن ما يقرب من 70٪ من العاملين في الولايات المتحدة الآن يعملون بها. ورغم أن هذا الاتجاه قد نما لأكثر من عقد من الزمان، فوفقًا للجمعية الدولية لإدارة المرافق، أفادت الدراسات أن بعض الناس يجدون مثل أماكن العمل تلك صاخبة ومشتتة للانتباه، بل وتستنزف الروح المعنوية. وهذا صحيح على الرغم من أن معظم المكاتب المفتوحة ما تزال تتميز بمقصورات منخفضة الجدران.

ما نفذه الفيسبوك يمضي خطوة أبعد وفي الوقت الراهن، ما يزال نادرًا: فلا جدران داخل المبنى بأكمله، مصمم بطريقة جديدة لتسهيل ممارسة العمل. كما الشركات الكبرى الأخرى في وادي السيليكون مثل أبل وجوجل لبناء أماكن عمل مستقبلية أيضًا.

افتتح مقر الفيسبوك في وقت سابق من هذا العام. كما هو معروف بالبناية رقم 20. يربض المبنى على 430,000 قدم مربع وعلى مساحة 22 فدانًا فقط عبر طريق سريع من مبنى الفيسبوك القديم، والذي في الأصل كان قد بني لشركة صن مايكروسيستمز. وهذا المقر هو الأول الذي يبنيه الفيسبوك من الصفر.

تعكس هندسة المبنى تركيز الفيسبوك على الانفتاح والشفافية. فقد جرى إعداده لتشجيع التعاون وسرعة العمل. يمر الضوء الطبيعي عبر المناور والنوافذ الضخمة كما لو أنه يشير إلى مرور الوقت. يبدو البناء وكأنه يعود إلى شركة وليدة وليس لأكبر شبكة اجتماعية على الإنترنت في العالم، مع 1.5 مليار مستخدم نشط شهريًّا في جميع أنحاء العالم.

يقصد به أن يكون رمزًا لما نعتقده في فيسبوك وهو أن عملنا لم يكتمل بعد.- كما قال لوري غولر، نائب رئيس الموارد البشرية.

ينظر إلى عدم وجود مكاتب لزوكربيرج وباقي فريق إدارته من قبل العديد من موظفي فيسبوك كدليل على انفتاح الشركة. فهم حتى لا يشغلون أفضل المكاتب، الواقعة بالقرب من النوافذ المرتفعة مع مناظر خلابة من المستنقعات المالحة القريبة.

لكن التنقل في غرفة واحدة والتي تمتد على مساحة 1500 قدم طويلة وتشمل الآلاف من زملاء العمل يمكن أن يشكل تحديًا. لذا قام الفيسبوك بتثبيت برنامج واي فايندرز، الذي يسمح لك بإيجاد أي مكتب.

يتم تنظيم العشرات من الاجتماعات الصغيرة في أحياء اسمها غريب، مثل مهرجانات الموسيقى أو وسائل الإعلام الهريس المنبثقة. لذلك عامل يعرف أن الغرفة تسمى “13 Going on 30 Rock” القريبة من الغرفة “Clockwork Orange is the new Black”.

عمل ستيفانسيك في مكاتب تقليدية قبل مجيئه للعمل في الفيسبوك. لكنه قال إنه يفضل بيئة العمل المفتوحة. حيث يمكنه الاستماع إلى المحادثات والتواصل مع زملاء العمل.

في السابق، كان الناس يغلقون الباب، وكنت أشعر أن هناك حاجزًا حقيقيًّا للتحدث معهم.- كما قال ستيفانسك.

“كان يتعين عليك استخدام المساحة المفتوحة لصالحك” كما قال خوسيه باديلا، الذي يعمل في مجال التمويل.

قال باديلا إنه يمكن عقد اجتماعات سريعة. وإذا كان يناقش شيئًا حساسًا، مثل البيانات المالية، يمكنه إيجاد غرفة خاصة صغيرة.

بدأت أيضًا راسيل حياتها المهنية في مكاتب تقليدية. كان لديها مكتب في وول ستريت. كان يجب أن يتم مناقشة الأفكار في شركة الاستثمار المصرفي وفقًا للسلم الوظيفي. وكانت عملية جامدة وبطيئة. في الفيسبوك، يشجع تخطيط المكتب على المشاريع الجماعية.

هناك تركيز أقل على المساحة الفردية لأي عامل.

ليس هناك فواصل بين المكاتب، لذلك ليس هناك مكان لتثبيت الصور وشارات المؤتمر أو رسوم ديلبرت. لا يمكنك تعليق تقويم صور العائلية. لكن يجري نشر الصور على الفيسبوك أو إينستجرام. ويجري ضبط التقويمات على الإنترنت، مع إرسال رسائل تذكير إلى هاتفك خلوي. ليس هناك حاجة لحفظ الوجبات الخفيفة أو المشروبات الغازية الخاصة بالحمية في الدرج بعد الظهر لأنه يجري توفيرها مجانًا. ولن تجد مكانًا لتعليق شهادتك، فهي لا تهم. فالرجل الذي بدأ الفيسبوك لم يكمل دراسته في هارفارد.

“لا أحد لديه مكتب فاخر” كما تقول راسيل. “تتواجد المعدات لمساعدتك على الانتقال السريع والقيام بعمل جيد”.

والنتيجة هي حرية غير متوقعة للتركيز على العمل.

تقول راسيل: “لا أرتبط بشدة بمكتبي”. “لا أستطيع أن أتخيل عملي في أي بيئة عمل أخرى”.

تتسع البناية 20 لحديقة تحتوي على تسعة فدادين على السطح، مملوءة بالأشجار الناضجة وتلال من العشب. تستغرق لفتان حول المسار المتعرج من الحصى حوالي 30 دقيقة، مما يجعله مثاليًا للاجتماعات الشهيرة سيرًا على الأقدام في وادي السيليكون، أو لقاء أسبوعي وجهًا لوجه بين الموظف ومديره.

دخلت راسيل في الآونة الأخيرة إلى المكتب، وعبرت صفوف من المقاعد والجدران التي تعج بالملصقات والرسائل المكتوبة بخط اليد لاستحضار المشهد الحضري.

توقفت عند المكان الذي يجلس كل من زوكربيرج والرئيس التنفيذي للعمليات في الفيسبوك شيريل ساندبرج. كان زوكربيرج غير متواجد. ولكن كانت ساندبرج تعقد اجتماعًا في غرفة ذات جدران زجاجية قرب مكتبها البسيط.

ولكن يمكن لراسيل أو أي من الموظفين الآخرين مشاهدة كل شيء.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد