انتصار الدولة الإسلامية

هذا هو الوقت المناسب لإمعان التفكير في احتمالية مثيرة للقلق، ألا وهي: ماذا علينا أن نفعل إذا انتصرت الدولة الإسلامية؟ وبكلمة “انتصرت” فأنا لا أعني انتشارها كالنار في الهشيم في كل أنحاء العالم الإسلامي، ثم إنشاءهم لخلافة من بغداد وحتى الرباط وغيرها من المناطق. فهذا التصور هو ما يقول قادتهم بأنهم سيحققونه، لكن مثل هذه الطموحات الثورية ليست هي الحقيقة، وهذا الاحتمال بالذات بعيد المنال وصعب التحقق. وبدلًا من هذا فانتصار الدولة الإسلامية يعني: أن تظل جماعتهم قوية في المناطق التي تسيطر عليها، وتهزم بنجاح الجهود الخارجية الواقعة عليها لإضعافها وتدميرها. لذا فالسؤال هو: ماذا سنفعل إذا صارت الدولة الإسلامية دولة حقيقية، وأظهرت قدرة حقيقية على البقاء والاستمرار؟

هذه الاحتمالية تبدو الأقرب للتحقق هذه الأيام، وذلك نظرًا لعجز بغداد عن شن هجوم مضاد ناجح. وإذا كان باري بوسين أستاذ العلوم السياسية في MIT على حق – وهو محق في أغلب الأحيان – فالجيش العراقي لم يعد موجودا بوصفه قوةً مقاتلةً مؤثرةً. ولا يكشف هذا الأمر فشل الجهود الأمريكية فقط في تدريب الجيش العراقي، والفشل الجماعي للقادة الذين قادوا تلك التدريبات وقدموا تقييمات متفائلة عن هذا، ولكن يعني أيضا أن التدخل الأجنبي على نطاق واسع فقط هو ما يستطيع دحر الدولة الإسلامية والقضاء عليها. ولن يحدث هذا بالطبع إلا إذا وافقت العديد من الدول العربية على تقديم الآلاف من جنودها للمعركة، لأن الولايات المتحدة لن ولا يجب عليها أن تقاتل نيابة عن دول معرضة للخطر أكثر بكثير منها.

لا تفهمني على نحو خاطئ، سأكون سعيدًا – كأي شخص آخر – إذا ما هُزمت الدولة الإسلامية، وانتهت رسالتها العنيفة نهائيًا. لكن علينا ألا نخطط اعتمادًا على ما نحب أن نراه فقط، لكن يجب أن نضع في حسباننا كل الاحتمالات بما فيها تلك التي لا نستطيع معها تحقيق ما نريد، أو على الأقل سيتطلب تحقيق ما نريد تكلفة لا نقبلها.

إذن، ماذا سنفعل إذا استطاعت الدولة الإسلامية أن تحافظ على ما تسيطر عليه من أراض وصارت دولة حقيقية؟ يقول بوسين أن على الولايات المتحدة – كما على الجميع – التعامل مع الدولة الإسلامية تمامًا مثلما تعاملوا مع كل الحركات التي تبني دولها بعد ثورة: بسياسة الاحتواء. وأنا مقتنع بهذا الرأي.

ضعف قدرات وتأثير الدولة الإسلامية

وبالرغم من أساليبها البشعة والمتعطشة للدماء، فالدولة الإسلامية

– في الحقيقة – ليست لاعبا عالميا قويا. فبالرغم من أن رسالتها تجذب الشباب المهمشين في البلدان الأخرى، ولكن حتى اجتذاب 25,000 تابع ضعيف التدريب من تعداد سكان أكثر من 7 مليار شخص على مستوى العالم لا يحمل الكثير من التأثير. بل ربما يكون هذا مكسبا من الأساس إذا ما ترك هؤلاء الأشخاص بلدانهم الأصلية وقاسوا من الواقع المرير للحكم الجهادي. وعندها سيدرك بعضهم أن الدولة الإسلامية ظالمة ووحشية وستؤدي أفعالها لكارثة، وسيكون الباقون في بقعة واحدة منعزلة ومُحتواة بدلًا من إثارة المشاكل في بلدانهم.

والأهم من ذلك كله، أن من يسافرون ليقاتلوا تحت راية الدولة الإسلامية قلة قليلة فقط من المسلمين حول العالم، وبذلك يظهر عدم استطاعة الرسائل الجهادية المتطرفة الفوز بتأييد مؤثر من ناس مختلفة التوجهات.

أنا لست بساذج. فتابعو الدولة الإسلامية المسافرين بلا شك سيقومون بأعمال إرهابية وسيقومون بعمل أنواع أخرى من المشاكل في مناطق مختلفة. لكن هذا أمر مختلف تمامًا عن قدرة الدولة الإسلامية على نشر رسالتها وأتباعها في كل أنحاء العالم الإسلامي. ومن الواضح أن تلك الجماعة لديها القدرة على التسبب بالمتاعب خارج نطاق الصحراء التي تسيطر عليها الآن، لكنها لم تظهر حتى الآن قدرة على التوسع خارج حدود المناطق السنية بغرب العراق وشرق سوريا.

وعلاوة على ذلك، فمناطق الدولة الإسلامية بها القليل من المصادر بالإضافة لقدرة صناعية صغيرة. لذا فقوتها العسكرية – ورغم حسن إدارتها – ليست قوة كبيرة، بل ولا حتى قوة إقليمية. وتواجه الدولة الإسلامية معارضة قوية في أي مكان تحاول التحرك فيه خارج المنطقة السنية، مثال: كردستان، أو الشيعة الذين يحكمون بغداد، حيث لا يمكنهم استغلال الغضب الشعبي ضد بغداد أو دمشق هناك.

وتواجه الدولة الإسلامية عائقا آخر مهما، وهو أنها لم تعد تتمتع بعنصر المفاجأة. فقد ظهرت بشكل غير متوقع نتيجة الفوضى الناتجة من غزو العراق والحرب الأهلية السورية، وقد اكتسبت الطباع السيئة الناتجة من زواج بعض الفروع المتطرفة من الإسلام مع بعض المسئولين البعثيين الكبار السابقين، والذين يعرفون كيف يديرون دولة بوليسية. ذلك المزيج كان فعالا بشكل مفاجئ، كما كان الجيش العراقي فاسدا ولا يُعتمد بشكل متوقع عليه. لكن قدرة الدولة الإسلامية على التسبب بالمشاكل واضحة الآن. والدول العربية – من دول الخليج لمصر وغيرهم – سوف يذهبون لمدى بعيد لحرصهم على ألا يكون لنموذج الدولة الإسلامية جذور في مجتمعاتهم. أما ليبيا فأمر آخر، وخاصة بعد التدخل الغربي الطائش هناك، لكن ظهور نسخة من الدولة الإسلامية هناك مشكلة يمكن احتواؤها.

قبول الدولة الإسلامية في النظام العالمي

أما الآن فلنتخيل أنفسنا وقد قفزنا للمستقبل، ولنفترض أن الدولة الإسلامية تم تحجيمها، ولكن لم يتم القضاء عليها، وتمكنت الدولة الإسلامية في النهاية من إنشاء مؤسسات حكومية مستديمة. وكما يليق بجماعة تم بناء جزء منها على النظام الإجرامي البعثي، فهي تنشئ الآن الهيكل التنظيمي الإداري لدولة: فتقوم على تحصيل الضرائب، ومراقبة حدودها، وبناء قوات مسلحة، وتتعاون مع الجماعات المحلية…إلخ. وبعض جيرانها يعترفون بهذه الحقيقة فيغضون الطرف عن تهريب البضائع التي تؤمن استمرارية الدولة الإسلامية. فهل يجب أن يستمر هذا؟ وكم من الوقت سيمر قبل أن تبدأ دول أخرى في التعامل مع الدولة الإسلامية باعتبارها حكومة شرعية معترفا بها؟

قد يبدو هذا غير معقول، لكن تذكر أن المجتمع الدولي دائمًا ما يحاول نبذ الحركات الثورية، ثم يبدأ في الاعتراف بهم على مضض بمجرد إثباتهم أنهم قادرون على الحفاظ على قوتهم والسيطرة على السلطة. فقد رفضت القوى الغربية الاعتراف بالاتحاد السوفيتي لعدة أعوام بعد الثورة البولشيفية عام 1917، بل وظلت الولايات المتحدة على هذا الموقف حتى عام 1933. كما لم تنشئ الولايات المتحدة علاقات دبلوماسية كاملة مع الحكومة التي تحكم أكبر عدد سكان في العالم – جمهورية الصين – حتى عام 1979، أي بعد 30 عاما كاملة على تأسيس جمهورية الصين الشعبية. فبالنظر لهذه الأمثلة وغيرها، فهل يمكننا التأكد أن الدولة الإسلامية لن تصير حكومة شرعية معترفا بها في يوم من الأيام؟ وربما مع مقعد في الأمم المتحدة؟

ربما ستقول إن التصرفات الهمجية للدولة الإسلامية من استرقاق النساء، وتعذيب المدنيين، وقطع رؤوس الرهائن ستعزلها للأبد عن مجتمع الأمم المتحضرة. بل إن من المرجح أكثر أن يمثل قادتها أمام المحكمة الجنائية الدولة، بدلًا من إلقاء الخطب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. سيكون من اللطيف التفكير في هذا، لكن التاريخ يشير إلى احتمالات أخرى أقل سذاجة.

تاريخ عالمي دموي

فمثلًا هؤلاء البريطانيون المتحضرون الأنيقون المتمدنون والذين نستمتع بمشاهدة مسلسلاتهم الفاخرة. أسلافهم أسسوا المملكة المتحدة خلال أفعال عنيفة ووحشية من غزو واحتلال ويمكن لأي ويلزي أو إيرلندي أن يخبرك بهذا. وهؤلاء الأبطال الأمريكيون الذين نشروا إمبراطورية الحرية في أنحاء أمريكا الشمالية. قد قاموا بارتكاب المذابح واغتصبوا وجوعوا الأمريكيين الأصليين ليصلوا إلى هناك، وقاموا حتى بجمع فروات رؤوس قتلاهم على مدار هذا الطريق. وماذا عن البلاشفة والماويين – نسبة لما تسي تونج – الذين أنشؤوا الاتحاد السوفيتي وجمهورية الصين الشعبية؟ فهم لم يصلوا للسلطة من خلال الإقناع والحديث المتحضر، وكذلك فعل الوهابيون تحت حكم ابن سعود ومثلهم الصهاينة الذين أوجدوا إسرائيل. وكما أوضح تشارلز تيلي بجلاء تام في كتابه “الإكراه، ورأس المال، والدول الأوروبية” فقد تم بناء الإمبراطوريات بمنتهى الوحشية لعدة قرون، والحركات التي بنت عدة دول في الماضي قامت بأفعال كثيرة نعتبرها الآن أفعالا همجية. ودعنا أيضًا لا ندعي أن المجتمعات الحالية “المتحضرة” أكثر رقيًا أو أخلاقيًا. فهجمة واحدة خاطئة من طائرة بدون طيار، تتسبب في وقوع نفس عدد الضحايا الذين قطعت الدولة الإسلامية رؤوسهم بوحشية.

وقد تغير السلوك “المقبول” للدول خلال القرن الماضي بشكل كبير جدًا، وذلك هو السبب في أننا نعتبر ما تقوم به الدولة الإسلامية بشعًا للغاية الآن. مع الأخذ في الاعتبار أن أفعال بناة الدول قديمًا لا تُبرر أو تعذر ما يفعله الجهاديون اليوم في سوريا والعراق. لكن هذا التاريخ الطويل يُذكرنا بأن تلك الحركات – التي تجاوزت أعمالها حدود المقبول يومًا ما – قد تصبح في يوم من الأيام حركات شرعية ومقبولة، هذا بالطبع إذا استطاعوا أن يظلوا في السلطة لوقت كافٍ.

شرط القبول: التنازل عن الراديكالية واعتناق البرجماتية

وبالرغم من كل ذلك، فلكي يتم قبولهم في المجتمع الدولي، فعلى الحركات الراديكالية أو الثورية في نهاية المطاف ترك بعض – إن لم يكن كل – الممارسات الشرسة. وكما أشار كينيث والتز قبل أكثر من ثلاثين عامًا مضت، ففي النهاية كل الدول الثورية يتم احتواؤها في النظام العالمي. فبمرور الوقت يتعلمون أن طموحاتهم الأيدلوجية الكبيرة لن يتم تحقيقها، وأن الإخلاص التام لمبادئ ثورتهم وأهدافها مكلف للغاية، بل وله نتائج عكسية. وداخل الحركة نفسها سترتفع الأصوات التي تطالب بالموازنة والوصول لحل وسط، أو على الأقل انتهاج نهج أكثر انتهازية مصلحية مع العالم الخارجي. وبدلًا من “ثورة عالمية” فسيتجهون لبناء “الاشتراكية في بلد واحد”. وبدلًا من تمدد “الجمهورية الإسلامية” فبمرور الوقت سيعقدون صفقات مع الشياطين كبيرهم وصغيرهم. وتتكيف الدولة الجديدة مع الممارسات والعلاقات الدولية التقليدية، وتتحرك من كونها دولة منبوذة لتكون شريكا، وخاصة حينما تبدأ مصالحها في الاشتباك مع مصالح الآخرين. ربما يظل وجودها يحدث بعض المشاكل السياسية، لكنها لم تعد منبوذة بعد الآن. فإذا استطاعت الدولة الإسلامية النجاة وعززت من وجودها، فهذا ما أتوقع حدوثه.

لكن لا تخطئوا الفهم، فعملية الإدماج الاجتماعي تلك لا تحدث تلقائيًا. فالدول الراديكالية لا تتعلم أن سلوكها الوحشي مكلف جدًا لها، إلا إذا اجتمعت قوى عدة دول أخرى لفرض العقوبات عليها. فإذا نجحت الدولة الإسلامية في أن تتشبث بالسلطة، وتعزز من موقفها، وتحقق دولة أمر واقع في الأجزاء الواقعة في كلٍ من العراق وسوريا، فعلى عدة دول أن تجتمع لتُعلمها كيفية التعامل في النظام الدولي. ولأن الدولة الإسلامية ليست بهذه القوة في الحقيقة، فمنعها من التقدم أو زيادة قوتها، أو تحميلها تكلفة نتائج سلوكياتها غير المرغوبة لن يكون صعبًا.

المهمة الأمريكية الرئيسية

وبناءً عليه، فالمهمة الرئيسية للإدارة الحاكمة في أمريكا يجب أن تكون تنسيق وإقامة حملة دولية لاحتواء الدولة الإسلامية، والتي تلعب فيها القوى المحلية كالسعودية والأردن وتركيا وإيران – والتي يقع عليها التهديد الأكبر- الدور الرئيسي. وأيضا مساعدة الآخرين في الحد من نجاح رسائل الدولة الإسلامية، وإقناع الدول الأخرى على بذل المزيد من الجهد لإيقاف دخول المصادر للدولة الإسلامية، والانتظار بصبر حتى تتسبب أفعالها في أضعافها من الداخل تدريجيًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد