كتب مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية السابق والزميل الزائر في معهد «بروكنجز»، جيفري فيلتمان، مقالًا نشره موقع المعهد عن المأمول والمتوقع أن تنجزه حكومة لبنان الجديدة.

ويستهل فيلتمان مقاله بقوله: «إلى جانب الاقتصاد اللبناني المنهار، فإن الحكومة اللبنانية الجديدة، الموالية لسوريا و«حزب الله»، أصبحت تمثل إشكالية. ذلك أن الرئيس اللبناني ميشال عون والقوى السياسية التي تسيطر على الحكومة الجديدة، تتمتع بفرصة إطلاق العنان، على الأقل، لسلطات الدولة ضد خصومها السياسيين الموالين للغرب».

ويضيف الكاتب أن المتظاهرين الغاضبين والمواطنين المحبطين على نحو متزايد يتوقعون أن تحل مشاكلهم ومظالمهم الاقتصادية والسياسية غير الحزبية (أو حتى المناهضة للحزبية). واستجابة لذلك، وفي أولى إجراءاتها، ستعلن الحكومة الجديدة عن حملة جديدة شرسة لمكافحة الفساد تهدف لتهدئة الشارع بعد 100 يوم من الاحتجاجات.

وينوه المقال عن الفساد المستشري في جميع الأطياف السياسية تقريبًا داخل لبنان والذي تغذيه عقود من فساد نظام المحاصصة الطائفية وانعدام الشفافية. ويمكن أن تقدِّم مكافحة الفساد نظريًا دعمًا شعبويًا للحكومة الجديدة المشكوك فيها، لكن عمليًا، ستكون شعارات مكافحة الفساد التي ترفعها هذه الحكومة مصممة للتغطية على حملتها لملاحقة معارضيها.

الربيع العربي

منذ 10 شهور
«فورين بوليسي»: حكومة «الهالوين» قد تكون أكبر أخطاء حزب الله

مهزلة مكافحة الفساد

يقول فيلتمان: إن صرخة الاحتجاجات اللبنانية واسعة الانتشار، والتي خرجت تحت شعار «كلن يعني كلن» والتي تطالب بإقالة الحرس القديم بالكامل من جميع المناصب الوزارية، ينبغي أن تحدد من سيخضع للتدقيق في إطار مكافحة الفساد، لكن أجندة مكافحة الفساد للحكومة الجديدة ستكون انتقائية.

Embed from Getty Images

ويرى أن حكومة لبنان الجديدة سترقى لدرجة الرد الانتقامي ضد الشخصيات السياسية اللبنانية التي لديها روح المجازفة للوقوف في وجه – أو تمثيل وجهة نظر بديلة – لرؤية «عون – «حزب الله» – دمشق» المناهضة للغرب، والتي تجسدها حكومة لبنان الجديدة.

ويرجح فيلتمان أن يجري استهداف رئيس الوزراء السابق سعد الحريري ورئيس الوزراء الأسبق فؤاد السنيورة وزعيم الدروز وليد جنبلاط وحلفائهم، في حين سينجو من أي استهداف كلا من وزير الخارجية المنتهية ولايته جبران باسيل ورفاقه ورئيس البرلمان نبيه بري وآخرين مرتبطون بمحور «عون – «حزب الله» – دمشق»، والذين يجدر التدقيق بأنشطتهم بشكل أكبر.

بعد عودته إلى لبنان بعد 14 عامًا من منفاه في فرنسا، كشف ميشال عون عن نيته استغلال اتهامات الفساد لأهداف حزبية.

ولا يتوقع فيلتمان أن يقوم أحد بالتدقيق فيما يتعلق بصفقات الكهرباء والوقود الغامضة التي جرى التفاوض عليها من جانب التيار الوطني الحر الخاص بعون وباسيل، كما أن «حزب الله» لن يكون مجبرًا على سداد ضرائب على أنشطته الاقتصادية الواسعة وفتح دفاتره المتعلقة بنظام الاتصالات السري الخاص به وعمليات التهريب.

يعزو فيلتمان ذلك إلى قصة تقف وراء هذا الأمر، ففي أوائل فترته التي بدأت في السابع من مايو (آيار) عام 2005 وعودته إلى لبنان بعد 14 عامًا من منفاه في فرنسا، كشف ميشال عون عن نيته استغلال اتهامات الفساد لأهداف حزبية.

ويضيف فيلتمان أن القوات السورية المحتلة غادرت لبنان قبل 11 يومًا فقط من عودة عون وتحديدًا في 30 من أبريل (نيسان) في عام 2005، وأجبرتها على ذلك مجموعة من الضغوط الخارجية والمظاهرات الداخلية الضخمة التي أثارها اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري في 14 فبراير (شباط) من العام ذاته. وحينها، رأى عون أن الحريري حقق في وفاته ما فشل فيه هو خلال 14 عامًا من وجوده بفرنسا ألا وهو طرد القوات السورية المحتلة.

ويتابع: «متجاهلًا الملصقات العملاقة للحريري التي تصطف في شوارع بيروت، ورافضًا للعرف السائد في ذلك الوقت المتمثل في وضع إكليل من الزهور على قبر الحريري للاعتراف بتأثير وفاته في توحيد معظم لبنان ضد الاحتلال السوري، استخدم عون خطابه الأول داخل لبنان، لا لإدانة قتلة الحريري أو الإشادة برحيل القوات السورية، ولكن لمهاجمة الفساد».

وأوضح فيلتمان أن ذلك كان يعبر باختصار، كما أدرك الجميع آنذاك، عن نيته لملاحقة عائلة الحريري وجنبلاط لعدم تأييدهم له باعتباره «خبيرًا محنكًا في شؤون لبنان». وبدوره أظهر باسيل، صهر عون والوريث السياسي المفترض له، تغاضيه عن تدابير مكافحة الفساد مؤخرًا أثناء المنتدى الاقتصادي العالمي خلال العام الجاري.

ويوضح فيلتمان أن باسيل تعرض لضغوط من هادلي جامبل، المذيعة بشبكة «سي إن بي سي» الأمريكية، بسبب نفقات رحلة السفر على متن طائرة خاصة به في بلد يعاني من الإفلاس، وحاول باسيل طرح عدة تفسيرات للأمر ليقوم في نهاية المطاف بالتأكيد على أنه جاء إلى دافوس دون أن يصرف ليرة واحدة من الخزينة العامة وأن نفقات السفر تحملها أصدقاؤه الأسخياء الذين لم يكشف هويتهم.

وفي الوقت الذي كان يتحدث فيه باسيل بوضوح، مازحته جامبل ووزيرة التجارة الهولندية والتنمية سيجريد كاج (المنسقة الخاصة السابقة للأمم المتحدة لشؤون لبنان) حول الكيفية التي تسمح من خلالها الحكومة بوجود مثل هؤلاء الأصدقاء غير المعروفين.

ومع تأمين باسيل للمناصب الوزارية لصالح أتباع حزبه وحلفائه، وبينما يقود كتلة الأغلبية البرلمانية، فإن الحاجة للشفافية لن تطبّق عليه، بل على الآخرين.

كيف ستتعامل واشنطن مع حكومة لبنان الجديدة؟

يتساءل فيلتمان: هل ينبغي أن تعمل الحكومة الأمريكية وغيرها مع حكومة لا تمثل جميع أطراف الطيف السياسي اللبناني المنقسم؟

ويجيب بأن واشنطن لا تحمل أي مخاوف إزاء التعامل مع وزير الخارجية المنتهية ولايته، جبران باسيل، بالرغم من دوره مهندسًا لصفقة فبراير عام 2006، والتي ربطت حزب حماه ميشال عون «التيار الوطني الحر» المسيحي بـ«حزب الله».

Embed from Getty Images

ويضيف أنه لا يوجد شخص بعينه يتحمل المسؤولية، أكثر من باسيل، عن توسيع نفوذ «حزب الله» السياسي والقانوني بما يتجاوز الحصة الدستورية للشيعة المسموح بها بموجب اتفاق الطائف بين الأطراف المتنازعة داخل لبنان، كما أن باسيل هو الذي منح ثقلًا لمزاعم «حزب الله» بأنه يمثل قاعدة وطنية على حساب القوى السياسية الصديقة للغرب.

ويشير فيلتمان إلى أن الولايات المتحدة بقت على اتصال مع لبنان حتى في ظل توسع نفوذ منظمة إرهابية، هي «حزب الله»، برعاية باسيل؛ لأن الولايات المتحدة لديها مصالح في لبنان تتطلب الانخراط لحمايتها وتعزيزها، وهي الحقيقة التي لا تزال على حالها اليوم، مهما كانت القوى البغضية التي تقف وراء حكومة لبنان الجديدة.

خفض العلاقات الأمريكية مع لبنان يخدم مصالح «حزب الله» ودمشق

يرى فيلتمان أن خفض العلاقات الأمريكية مع لبنان الآن سيخدم مصالح «حزب الله» ودمشق في إخراج الولايات المتحدة من لبنان، وقيام روسيا، وإيران، وسوريا بسد ذلك الفراغ.

ويضيف أن محور «عون – «حزب الله» – دمشق» سيرغب في انتهاء الشراكة الأمريكية مع القوات المسلحة اللبنانية؛ لأن تعزيز قدرات الجيش اللبناني المرتبطة بالتدريب والمساعدات الأمريكية هي الأداة المتاحة الأكثر فعالية لتقويض رواية «حزب الله» حول حماية لبنان بواسطة الصواريخ الإيرانية التي هي في الواقع تعرِّض لبنان للخطر.

يؤكد فيلتمان أن المصالح الأمريكية داخل لبنان تتراوح ما بين عدم الرغبة في رؤية السيطرة الروسية على ثلاثة مرافئ شرق البحر المتوسط مرورًا بمكافحة الإرهاب وانتهاءً عند الهيدروكربونات البحرية «النفط والغاز» وما وراءها.

ويدعو فيلتمان لعدم تمكين محور «عون – «حزب الله» – دمشق» من تطبيق رؤيته داخل لبنان بسهولة، لا سيما عندما نعلم أن الشعب اللبناني يفضل توجهًا غربيًا وليس سوريًا – إيرانيًا.

ويمضي قائلًا: «إننا نتعامل مع العديد من أمراء الحرب في أفغانستان وأماكن أخرى، إننا بحاجة للبقاء حتى نناضل للحفاظ على مصالحنا، وصد أولئك الذين يحاولون الإضرار بها بقوة داخل بلد يتسم بالتعقيد ويسوده الانقسام مثل لبنان».

ويضيف: «وعلى العكس، إذا ناشدنا الولايات المتحدة الانسحاب على نحو استباقي من لبنان، فإن اللبنانيين، الذين يعترفون بمواطن الضعف في بلدهم، سيصوبون أنظارهم تجاه أية قوة يؤمنون أنها يمكنها حمايتهم ولا يمكن لأحد أن ينحي باللائمة عليهم في ذلك».

الأزمة الاقتصادية تمنح واشنطن نفوذًا داخل لبنان

يرى فيلتمان أن «الأزمة الاقتصادية والمالية الحادة للبنان تمنح الولايات المتحدة نفوذَا هناك وحتى وإن كان «حزب الله» يعتقد أنه من الممكن انتهاء الأزمة «وانتظار انسحابنا»، فستكون الحكومة الجديدة مجبرة على الاستجابة للغضب الشعبي العارم».

ويضيف أن المصرفيين والاقتصاديين داخل لبنان يستعدون لانكماش اقتصادي خلال العام الجاري على غرار اليونان بنسبة 25%، أو ربما أكثر من ذلك، لكن دون أن يكون لدى لبنان المرونة الداخلية التي تتمتع بها اليونان، أو حتى الشراكات الاقتصادية الخارجية «الاتحاد الأوروبي».

Embed from Getty Images

ويرصد التقرير أيضًا الارتفاع المرتقب لمعدلات البطالة في البلاد، والتي تبلغ حاليًا 25%، ومن المتوقع أن ترتفع لتصل إلى نسبة 50% خلال العام الجاري.

ووفقًا لفيلتمان، فإن أي اعتمادات ائتمانية إبداعية للتخفيف من حدة انهيار الاقتصاد، أو برامج تعافي اقتصادي يخصصه صندوق النقد الدولي ينبغي أن تتضمن مراقبة صارمة وإعداد تقارير يرفضها لبنان حتى الآن، لكن لن يكون أمامه خيار سوى القبول بها كشرط لتقديم أية مساعدة.

ومثلما حدث عام 2005 عندما لم تمنح المظاهرات الداخلية والضغوط الخارجية السوريين خيارًا سوى سحب قواتهم، فإن المظاهرات والمطالبات الحالية – مجتمعةً مع الضغوط الخارجية القوية على الحكومة لمعالجة تلك المطالبات – لديها القدرة على التأثير بشكل بناء على إجراءات هذه الحكومة غير الواعدة.

وفي حال كانت فترة عمر تلك الحكومة البائسة قصيرة، كما يتوقع أو يأمل الكثيرون، فإن هذه اللائحة الوزارية المعدّلة ستواجه التحديات ذاتها. فبعد كل شيء، لم تنهار الحكومة اللبنانية مع استقالة سعد الحريري في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي: فيما يتعلق بتقديم الخدمات لمواطنيها وحماية المصالح الوطنية، انهارت الحكومة اللبنانية «باستثناء مؤسسات قليلة مثل الجيش اللبناني» لأعوام، إن لم يكن لعقود.

لماذا يتحالف سياسيون مسيحيون مع «حزب الله»؟

أحد الأمور المثيرة للسخرية – على حد وصف فيلتمان – في الأزمة الحالية داخل لبنان هي أن ميشال عون، الرئيس، وجبران باسيل، زعيم الأغلبية البرلمانية، سيترأسان أكبر هجرة خارجية لمسيحيي لبنان منذ الحرب الأهلية.

يفسر فيلتمان قوله هذا بأن عون وباسيل ينظران إلى مسألة حماية المسيحيين في منطقة الشرق الأوسط على أنها المشروع المميز لهما، والدافع وراء سياساتهما المثيرة للشكوك، والمبررة من وجهة نظرهما.

الآن، وبدلًا عن الفرار من العنف وجحافل السنة التي تنبأ بها باسيل، فإن مسيحيي لبنان يفرون من النظام.

في الواقع، برر باسيل، الذي اعتبر «حزب الله» مفتاحًا لطموحاته السياسية وطموحات حماه ميشال عون، علنًا تأييده لحزب الله بمخاوف المسيحيين. وأشار إلى أن الشيعة أقلية أيضًا، وإن كانوا داخل لبنان مسلحين بشكل جيد، مؤكدًا على الحاجة لأن يجد المسيحيون حليفًا قويًا ضد ما وصفه بـ«الإرهاب السني»، وتزايد عدد السكان السنة للبلاد من خلال وصول اللاجئين الفلسطينيين والسوريين الذين كانوا يبحثون عن ملجأ لهم داخل لبنان.

يمضي فيلتمان قائلًا: «والآن وبدلًا عن الفرار من العنف وجحافل السنة التي تنبأ بها باسيل، فإن مسيحيي لبنان يفرون من النظام الذي اعتاد زعماؤه – بما في ذلك عون وباسيل – على إبقاء أنفسهم داخل سدة السلطة، لكنه ينهار الآن بسبب حجم الفساد الكبير داخله».

يقول فيلتمان إن كان يمكن لعون أن يزعم بشكل شرعي قبل العام 2005 أنه خارج النظام لكن بعد 15 عامًا ستكون تلك المزاعم منافية للعقل. وفي ديسمبر (كانون الأول) 2019، عندما كان باسيل يحاول خلال منتدى الدوحة التظاهر بأنه شخص من الخارج، ويشارك المتظاهرين اللبنانيين في مطالباتهم، ضحِك الجمهور الحاضر كما همس أحدهم على المنصة بأن باسيل ألهم المحتجين اللبنانيين، لكن باعتباره أحد أسباب غضبهم.

يقول فيلتمان «بعيدًا عن الكواليس، ومع انتهاء عملية تشكيل الحكومة، تتبلور أحداث أخرى مثيرة من بينها من سيخلف ميشال عون رئيسًا للبنان عندما تنتهي فترته في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2022».

وبالرغم من أن الطموحات الرئاسية تظل عالقة في أذهان المسيحيين المارونيين في لبنان «وهم الطائفة التي يجري اختيار رؤساء لبنان منها»، فمن المرجح أن يزداد التنافس بين باسيل، على أمل تكرار قصة صعود حماه للرئاسة من خلال دعم «حزب الله»، وبين سليمان فرنجية حفيد الرئيس السابق والذي يُعد أحد أقرب حلفاء دمشق داخل لبنان.

يرى فيلتمان أن تلك الحسابات السياسية المعقدة كالعادة لن تحل مشاكل لبنان، وفي غضون ذلك ستستمر معاناة اللبنانيين في ظل نظام من المعروف أنه يعاني خللًا منذ فترة طويلة، ويعاني حاليًا فترات تقلب كارثية، كما أن القدرة المحيرة للاقتصاد اللبناني على تحدي السقوط قد انتهت وبدأ في الانهيار.

يختتم فيلتمان مقاله: «لن تجد حكومة لبنان الجديدة شيئًا أكثر سهولة وإغراء من ملاحقة الخصوم السياسيين، أكثر من تأسيس نظام تمثيلي أكثر استدامة يتيح للبنانيين الازدهار والنجاح داخل بلادهم كما حققوا الازدهار والنجاح في العديد من الدول بالخارج».

الربيع العربي

منذ 11 شهر
منذ قرون وحتّى اتفاق الطائف.. مختصر تاريخ الطائفية التي ثار اللبنانيون عليها الآن

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد