عندما يتعلق الأمر بالديمقراطية، فإن تونس ربما تقوم الآن بتدريس تركيا شيئًا عن الديمقراطية.

بعد ثورات الربيع العربي التي اندلعت في عام 2011، يبدو كما لو أن الأمور تسير عكس الاتجاه. رجب طيب أردوغان، الرئيس التركي الحالي ورئيس الوزراء السابق، قام بجولة المنتصر في المنطقة لتعزيز ونشر ما يسمى بالنموذج التركي في التوفيق بين الإسلام والديمقراطية لإنتاج الازدهار. حتى أنه نصح علانية ​​حكومة الإخوان المسلمين التي لم تدم طويلًا  في مصر بتبني دستور علماني.

الربيع العربي، بطبيعة الحال، سرعان ما تحول إلى كابوس، إلا في تونس. حركة النهضة ذات الخلفية الإسلامية في تونس اختارت تقاسم السلطة وتشكيل ائتلاف مع الأحزاب العلمانية، بدلا من محاولة الحكم منفردة، وفرض وجهات نظرها.

أدى ذلك النهج التوافقي في السياسة إلى أن تكون تونس هدفًا للهجوم من قبل الجماعات المتطرفة، مثل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وكافحت البلاد للعودة إلى معدلات النمو فيما قبل 2011. ومع ذلك، جعل خيار النهضة من تونس الديمقراطية الوحيدة التي خلفها الربيع العربي، وتجنبت البلاد الحرب الأهلية التي تشهدها بلدان أخرى بالمنطقة كما في ليبيا ومصر وسوريا واليمن.

أردوغان اختار الآن الطريق المعاكس

مؤخرًا، أعلن حليفه رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو وبطريقة مستغربة عن فشله في تشكيل حكومة ائتلافية. تركت الانتخابات التي أجريت في يونية الماضي حزب العدالة والتنمية الحاكم بدون أغلبية، لذلك فإن إعادة التصويت بات أمرًا لا مفر منه الآن. فقط يبقى تحديد موعد للانتحابات المبكرة.

يعطي قرار الانتخابات المبكرة مؤشرًا على أن أردوغان، بخلاف حركة النهضة في تونس، ليس على استعداد لتقاسم السلطة.

بعد أن حاز حزب الشعب الديمقراطي الذي يقوده الأكراد 13% من الأصوات في انتخابات السابع من يونية، حارمًا حزب العدالة والتنمية من الأغلبية البرلمانية التي تمنحه الحق في الحكم منفردًا، فشل أردوغان في الحصول على الأغلبية المطلقة التي يحتاجها لتبني دستور جديد من شأنه تكريس القوة بطريقة رسمية في يد رئاسة الجمهورية.

لكن أردوغان لم يتصالح مع هذه النتيجة. بدأ بسرعة تمهيد الطريق لإجراء انتخابات جديدة، والتي يأمل أن يحقق فيها الحزب الكردي نتيجة أقل من 10% من الأصوات اللازمة لدخول البرلمان.

منذ انتخابات يونية، أنهى أردوغان عملية السلام مع المسلحين الأكراد، وأعاد إلى الأذهان ذكريات حرب استمرت 30 عامًا وأسفرت عن سقوط 40 ألف من الضحايا. وبطبيعة الحال، يقول أردوغان إنه يحاول أن يؤمن إرادة الشعب.

لم يستغرق الأمر الكثير من الوقت حتى شرع حزب العمال الكردستاني في تبني العنف، والسماح للرئيس بالقول إنه يواجه الإرهاب. لكن أردوغان لم يبذل الكثير من الجهد لإخفاء نواياه.

في كلمة ألقاها هذا الأسبوع، اتهم أردوغان حزب الشعب الجمهوري بأنه يدار من قبل المسلحين. قبل أسبوعين، دعا إلى رفع الحصانة البرلمانية عن 80 من نواب الحزب الكردي، حتى تتم محاكمتهم و”يدفعوا الثمن” لصلاتهم المزعومة بالإرهابيين. اتهامات تبدو سخيفة: حتى وقت قريب،  كان الرئيس التركي يتعاون مع حزب الشعب الجمهوري بشأن عملية السلام.

بشكل متزايد، يبدو أن طموحات أردوغان الشخصية تضر بالبلاد. لم لا وقد تأثرت معدلات النمو سلبًا في الأونة الأخيرة؟، بالإضافة إلى تدني قيمة العملة التركية. في عام 2012، كانت الليرة التركية توازي 1.80 دولار أمريكي مقارنة ب2.80 دولار في الوقت الحالي. وفي الوقت الذي تجاوزت فيه معدلات النمو بالبلاد أقل من 9% في عام 2012، لم تتخطى تلك المعدلات 2,9% العام الماضي.

في نهاية المطاف، قد يضطر أردوغان لتقديم تنازلات. إنه يحاول محو المؤسسات الديمقراطية التي باتت معهودة بشكل جيد للشعب التركي. تونس، على النقيض من ذلك، تحاول بناء تلك المؤسسات من حطام دكتاتورية المخلوع.

تكتيكات الأرض المحروقة التي يتبناها أردوغان تقود تركيا نحو العنف وعدم الاستقرار والفشل الديمقراطي والاقتصادي. هناك الكثير من ذلك بالفعل في الشرق الأوسط.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد